تداعيات محلية لوباء عالمي

خالد صبيح
2020 / 3 / 25

منذ ساعاته الاولى طرح وباء كورونا اشكالات سياسية واجتماعية عديدة في كل انحاء العالم. اضطربت دول كثيرة بسببه وتخبط ساستها بالتصريحات والقرارات والإجراءات. وفي منطقتنا كالعادة ستكون لنا خصوصيتنا وفرادتنا في مواجهة الوباء و تلقي تداعياته. ولهذا امتزجت عندنا السياسة بالخرافة والجهل بالغباء وُصبغت النوايا الدنيوية بالمقدس السماوي. في المغرب مثلا قررت جهات سلفية تحدي قرارات الدولة وحرضت الناس على كسر حظر التجوال والمخالطة في مدينة طنجة، وخرجوا يكبّرون (مبتهلين) بالضبط في الساعة المحددة (العاشرة مساء) التي اتفق عليها عدد من فعاليات المجتمع المغربي لانشاد النشيد الوطني من اسطح وشرفات البيوت كفعالية اجتماعية تضامنية.

وفي العراق خرج الصدريون لاداء طقس ديني جماعي (زيارة الكاظم) في تحدٍ واضحٍ لقرارات (الدولة) والمرجعية الدينية بالنجف في ضرورة الحجر الصحي ومنع التجمعات والتخالط، وانتشرت بالتوازي مع هذا التصرف دعوات (متهدجة) من (معممين) ومواطنين لمواجهة الوباء بالقوة الروحية للائمة بادعاء ان زيارتهم ستحمل، على العكس، الشفاء وليس الوباء.

ماهي دلالات هذا وبواعثه؟

لاتغفل العين المدققة عن رؤية الأبعاد والأهداف السياسية التي تريدها هذه القوى من تصرفاتها تلك.

في المغرب، وهذا ينسحب على بلدان عربية أخرى، هناك قناعات وتقديرات أمنية وسياسية داخلية تشير الى أن القوى السلفية ( العدل والإحسان وغيرها)، المبعدة اختيارا وقسرا في آن واحد عن المشاركة المباشرة في العمل السياسي الرسمي، تتربص بانتظار اللحظة المناسبة لتقفز، كما فعلت القوى السلفية في بلدان اخرى، مصر وتونس مثلا، الى الواجهة (السلطة) ما أن تعم الفوضى إذا ما ثار الشعب منتفضا على غرار ماحدث في بلدان الربيع العربي الأخرى. وهم يتحينون الفرص للتحريض الخفي والعلني بهذا الاتجاه، هذا عدا أنهم يحاولون، ونجحوا في كثير من الأحيان، فرض وصايتهم على المجتمع بذات الطريقة ووفق نفس مبادئ الصفقة الضمنية التي عقدتها الانظمة المستبدة في المنطقة مع قوى الاسلام السياسي والقائمة على معادلة (الثروة والحكم لنا، والمجتمع لكم).

وكثيرا مايطرح بهذا الصدد تساؤل منطقي: ما الذي يمنع الدولة هناك من قمع هؤلاء لدرء تهديدهم المستمر مثلما قمعت في الماضي قوى اليسار الثوري؟

في الحقيقة هناك سببان مباشران لهذا الامتناع. صحيح إن أشكال مواجهة أنظمة الحكم، وفي المغرب تحديدا، لقوى المعارضة السياسية قد تبدلت، ولم يعد القمع السافر هو اللغة السائدة في مواجهة الخصوم والمعارضين، إلا أن ذلك لا يمنع من الاستنتاج في أن الأنظمة العربية عموما يحكمها موقف مزدوج في مواجهة القوى الاسلامية يتسم بالمهادنة والحذر، وذلك أولا لأنها مستفيدة من عملية التجهيل التي تمارسها هذه القوى في المجتمع، فالجهل يبرر ويديم الاستبداد عادة، وثانيا انها تتجنب الصدام المباشر معها لأنها غير قادرة على ذلك بسبب قدرة هذه القوى على تهييج العامة، ما يضع الأنظمة في موقف صعب وحرج، فهي إن قمعتها ستواجه تداعيات ذلك تهييجا للعامة، وإن صمتت عنها تأخذ هذه المجتمع الى منحاها الخاص وتهدد بتقويض الحكم والدولة معا. إذن عملية مواجهة القوى الإسلامية بالنسبة لهذه الانظمة مجازفة ليست سهلة، وهي كالتأرجح على حبال معلقة، تتطلب توازن ومهارة عاليتين. وفي هاتين النقطيتين يكمن الاختلاف والفروقات بين قوى اليسار الثوري كمعارضة وبين الإسلام السياسي، وبهما يفسر الى حد بعيد استعداد وقدرة الدولة على قمع الأول والسكوت عن الثاني. فقوى اليسار الثوري قوى عقلانية، سلوكها مفهوم وأبعاده ونتائجه متوقعة، هذا عدا أنها قوى تغييرية تحاول نشر الوعي المغاير، وهذا، رغم انه يخيف الانظمة المستبدة، لكنه يسهل مهمتها لأن بناء الوعي عادة يتم ببطء وتاثيره غير مباشر مايعني أن مفاعيله يمكن تعطيلها أو تحويلها الى جانب السلطة بالتضليل والارهاب، على العكس مما هو عليه الأمر مع الإسلاميين الذين يشتغلون على عواطف وغرائز العامة، وهاتان طاقتان خطرتان ومخيفتان إن وظفتا باتجاه ما. لذلك فان مواجهة وطني عقلاني ملتزم بقيم وطنية وأخلاقية لاتشبه بأي حال مواجهة متطرف غير عقلاني هستيري وتهييجي لايحفل بالقيم الانسانية ومستعد لتدمير المعبد (البلد) على من فيه.

هذا في السلفية السنية، ولايختلف الامر عنه كثيرا من حيث الجوهر في موقف السلفية الشيعية من الدولة والمجتمع وطريقة التعامل معهما. صحيح أن هناك فروقا في بعض المنطلقات والمفاهيم العقيدية، مثل الامامة والجهاد وولاية الفقيه وطاعة أولي الأمر وغيرها، لكن ذلك لن يغير من الواقع كثيرا.


في الحالة العراقية يمارس التيار الصدري تمردا شاملا على المجتمع و (الدولة) ومراجعها السياسية والدينية، ويضع نفسه فوق الجميع.

لماذا وكيف؟

يمتاز التيار الصدري بفرادة تدخله في حيز الشذوذ قليلا. فهو مركب اجتماعي سياسي من قاعدة يعمها الجهل، وقائد بطبيعة هوجاء ارتجالية، وأسلوب قيادة فردي قائم على الطاعة المطلقة وتقديس الزعيم، وكل هذا ينتظم في خيط من التعصب جامع وموحد، ما يجعل هذا التنظيم صعب المراس بسبب تعصبه وانشداده لزعيمه وتقديسه من ناحية، وسهل التحول والتنقل بسلوكه ومواقفه بسبب جهله.

وهذه خلطة تخيف الخصوم لاسيما في ظل غياب واضح للدولة وعجزها عن ادارة الحياة السياسية وأمن المجتمع.

لقد مر مسار تشكل وتطور التيار الصدري بمنعرجات قدرية حكمت بعض تحولاته. فالتيار شكله رجل اتسم سلوكه بالزهد ومواقفه بالجرأة، رجل قال (لا) جريئة لنظام مستبد في لحظة كان الناس يحتاجون فيها لمن يقولها، ما وضعه في مصاف الأبطال، وهو مكان يستحقه بالفعل لاسيما بعد جريمة اغتياله عام 1999. لكن لحظة الاغتيال هذه قضت على القوة المادية للتيار مبقية على رصيد كبير جدا من الرأسمال الرمزي في تصرف شخص، هو مقتدى، غير قادر على ملء الفراغ الذي تسببه غياب والده. ولهذا بقي التيار يستمد قوته المعنوية من مصدرين مباشرين، هما قوة التمرد التي جبل عليها، أو قل تأسس على قاعدتها، وقوة الرأسمال الرمزي والروحي لمؤسسه. وهذا جعل التيار يعيش حالة من التناقض، بعد سقوط النظام، بين واقعه الجديد وبين ارثه المعنوي. فالسلطة ومكتسبات الحكم بعد 2003 غيرت من حال مقتدى الصدر المادية ما اسقط صورة الزاهد عنه في نظر جمهوره، على مستوى اللاشعور على الأقل، وهي الخصلة المحببة للعامة والتي جمعت الناس حول أبيه. (هناك صورة معبرة تبّين الفرق الكاريكاتوري بين مقتدى وأبيه، يظهر فيها مقتدى جالسا على الأرض مقلدا أو مستحضرا تراث أبيه في الزهد والبساطة، لكنه لم ينتبه الى أنه كان يجلس على أرض رخامية لامعة وأنيقة وليست ترابية كالتي كان يجلس عليها أبوه). بالاضافة الى شبهات فساد طالت أفراد قياديين في التيار. ولم تحمِ مقتدى من هذه الشبهات بالعلن سوى القدسية التي غلفها أتباعه بها، وادعاءاته بمكافحة الفساد وتبرئه من الفاسدين.

وفي نظرة لماضي التيار نجد انه قد ميز نفسه منذ لحظة التشكيل الاولى، حينما وضع نفسه في مواجهة مع كل القوى الشيعية، التقليدية منها، مرجعية النجف، والقوى الأخرى المنحدرة من بيوتات تقليدية، المسيسة والمنتمية بدرجات متفاوتة لولاية الفقيه الإيرانية، وذلك بنظرة لا تخلوا من بعض التعالي والحسد. وهكذا ميز التيار نفسه، لكن ليس بغير صعوبة في ايجاد نقطة ارتكاز وتوازن تموضع قدمه في الساحة السياسية، عن مرجعية النجف ونعتها بالصامتة، واضعا نفسه بديلا عنها حينما منح نفسه لقب (الحوزة الناطقة)، وعن القوى الاخرى المحتضنة من إيران، بعد مناوشات طويلة دارت في زمن الأب، تبادل فيها الطرفان الاتهامات، بموقف خاص من ولاية الفقيه التي يؤمن بها ويتبناها لكن بطريقة مختلفة ترفض الولاية الإيرانية بدافع هو عرقي في حقيقته (عربي ضد فارسي) لكنه تبّطن بمفهوم الأعلمية (وهنا يبرز سؤال عرضي: إذا كان محمد صادق الصدر أعلم من خامنئي، كما في نظر اتباعه، أفيكون الوريث مقتدى، بعد غياب الأب، أعلم من خامنئي هو أيضا؟).

إن تركيبة التيار وارثه، زائدا الطبيعة الشخصية لزعيمه، قد دفعته الى أن يسلك سلوكا تمرديا ويضع نفسه فوق الدولة والمجتمع في آن واحد. لهذا نجد أن مقتدى الصدر، بتصريحاته وتوجيهاته التي يبثها عبر تغريداته على تويتر، يمارس وصاية على المجتمع والدولة معا. فهو يقدم نفسه مصلحا أخلاقيا وموجها سياسيا وفقيها عالما بشؤون الدنيا والدين، كل ذلك بلغة غير وعظية، بل بنبرة أمرية، وحدّية وعارفة، وتفتقد للتواضع. وكما يبدو فان الرجل أخذ يعيش حالة من الشعور بالعظمة، لاسيما وأن هناك ما يشجعه أو يوهمه بهذا، فهناك من بين مريديه مَن يمجد كل تصرف وموقف يصدر منه مهما كان متناقضا، وهناك من يبذل جهودا ليعثر في كلامه، مهما كان سطحيا، على معانٍ خفية عميقة، تماما مثلما كان يحدث من نفخ في صورة صدام حسين ابان صعوده، مع الفارق طبعا في المضمون والسياق بين الحالتين، فهناك الهدف سلطة وقمع وهنا هيمنة وتسّيد.

تبقى الوصاية على المجتمع وتخطي الدولة سلوكيات مؤذية قد تتحول الى نزعة فاشية خطرة تطبع سلوك ومواقف اصحابها اذا ما وجدت الارضية والمبررات الكافية لهذا.

وبعض مما قام به التيار الصدري في مواجهة المتظاهرين من عنف ومصادرة لحق تمثيل الانتفاضة كان ينذر بهذا الاستعداد.

لا أعرف ما هو المسوغ المباشر لسلفيي المغرب وغيرهم الذي دفعهم لهكذا تصرف. ربما لديهم دافع ديني، أو بالأحرى دعوي، يعتبر أن الوباء إشارة (إلهية) ذات معنى تدفعهم لـ (الخروج على الحاكم الكافر) بهذه الطريقة، ولكن فيما يخص التيار الصدري يهيأ لي أن أحد الدوافع المباشرة، أو التي تشكل الخلفية والباعث الأكثر الحاحا لسلوكه هذا، هو محاولة ترميم صورة التيار وزعيمه بعد الرضوض التي تعرضت لها نتيجة لسلوكهما ومواقفهما من انتفاضة تشرين وما تبعها من ردود فعل امتدت تاثيراتها الى أبناء ومريدي التيار نفسه، هذا عدا الرغبة بمخالفة المألوف والتمرد التي طبع عليها التيار وزعيمه.

قد يُقبل العالم مع وباء كورونا على تغييرات نوعية في كل شيء، لكن هل ستصل رياح التغيير القادمة الى ربوعنا وتجلي أدران الإسلام السياسي عن مجتمعاتنا؟

نأمل خيرا.

***

أضع مفردة دولة في العراق بين قوسين، لأن الدولة العراقية، منذ سنة 1979 على الأقل، سنة صعود صدام حسين الدراماتيكي للمواقع الاولى في الحكم، وهي تعيش حالة اضمحلال وتآكل تصاعدي ماجعلها شبحا لدولة بمؤسسات وهياكل صورية عاجزة