القديسة كورونا ومأزق النظام العالمي

فيصل بلوش
2020 / 3 / 25

من براثين المحنة الكورونية انكشفت حقيقة المناعة الصحية والسلوكية للبشرية في معادلات : الفطري/المكتسب، الوجود/الالغاء ،القوة/الضعف ،الصحة/السقم ، التقدم/التأخر ،التفوق/الإخفاق ،الفوضى/النظام لتتعرى عاجزة وهشة أمام إهانة الجائحة اللامتوقعة ...

عبر لحظات التمرين الكوروني وجدتْ النُّظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية النيوليبيرالية التي قدمت للعالم نفسها كطروحات للرفاه والخلاص ،وجدت نفسها مفضوحة وهشة ومتواضعة جدا إن لم يكن كبرياؤها قد سقط رمزيا وفعليا امام كائن بيولوجي لامتعين ،هذا إن لم تكن قد تهاوت وجرفت معها سخافة وتفاهة مقولات من قبيل العظمة والوفرة والنموذج الحذاثي و القوة ونهاية التاريخ والتبجح بها في مهرجانات الانماء ومؤشرات التنمية وكدا بالمقارنات والمقايسات الإستعراضية بين النظم والامم...

فأن تتزحزح الهندسة الإجتماعية وترتبك الكمياء الاقتصادية بفعل الرجة الكورونية ،وأن ترتبك شبكات العلاقات الوظيفية والتفاعلات العضوية وتتوثر ، وتصير مسافة الامان دمفهوما جديدا في ظبط التواصل والسلوك البشري في حيزه المكاني والزمني مع الكائنات و الجمادات ..

فبالرغم من القساوة والصرامة التي تبديها ،ورغم الآثار الحادة التي تُحدثها في عدد شُهداء المرحلة الانتقالية ومعوزيها ..، يمكن القول ان " القديسة كورونا " تسطّر ببطءٍ وبحزم لمتغيرات نظام عالمي مغاير لما هو قائم ، تحولات قد تلحق القيم السياسية/الاجتماعية/الاقتصادية المعاصرة ..

لاشك ان حجم الارتباك الدي احدثته وتحدثه اللحظات الكورونية في النفسي والاجتماعي والاقتصادي والجيوسياسي ،سيعزز الطروحات والمقولات التي تؤسس قراءاتها على " أطروحة الفوضى" التي ترتب مفعولها و آثارها في الاحذاث المصيرية الكبرى ، مقابل غض الطرف عن أطروحة النظام التي تتهاوى وتتاوارى مع كل إرتفاع لمنحنيات المحنة .

إنها عملية قلبٍ للمفاهيم النيولبيرالية وانقلاب على الأوليجاركية العالمية وما راكمته من ثقافة الغطرسة و اللاتكافؤ ...عملية هدمٍ للنموذج وللنمط المسيطر ، لإعادة هندسة ظوابط أكتر ترشيدا للبنى المؤساستية وتجويدا للعلاقات البينية العامة والعابرة للحدود ..وترسيخا لقواعد الشراكة والتعاون و الأمان ..

فترة مفصلية في السيرورة التاريخية ،يكون معها لزام إعادة النظر والقراءة في المقاييس التي وضعتها النظريات الاجتماعية والسياسية وخطّتها المقاربات الفلسفية الوجودية منها والمثالية والبنيوية ..،لإعادة ترميم وبناء شبكة الانساق المادية والمعنوية التي تتمعْير بها المراتب وسلاليم النشأة والتطور والتمضهر..

هناك جيل من الأفكار يتبلور ، سيعتمد الآليات والمقاربات التي خطّتها المحنة الكورونية لرسم مسارات وتصاميم تتجه في مشاريعها لترتيب الفوضى وكنس العبث وإعادة تقويم التفاهة والتطرف والغطرسة القائمة في النظام العالمي ...

حينها ستعي البشرية المعاصرة بقيمة الرجة التي أحدثثتها القديسة كورونا ، لتتربع موقعها ضمن لائحة العظماء ممن غيروا مسار البشرية في التاريخ والجغرافيا ..
فهل كانت الارض في حاجة لوباء من صنف كورونا ليتنقى ويتطهر ما في السماوات وما في الأرض و لدفع البشرية الصناعية والنيوليبيرالية المتوحشة للإتسام بأخلاق نظام التوازن القيمي و البيئي !