حديث عن عائشة: الفصل الخامس عشر/ 1

دلور ميقري
2020 / 3 / 25

شهران مرا على حِداد عيشو، وكانت ما تنفك تعيش في دوامة من الوهم، هيأت لها باستمرار أن رجلها الراحل سيظهر فجأةً أمام عينيها مثلما كان أمره في أيام الحرب العظمى، حينَ قاد في الجبل عصابة ضمت بعضَ المتخلفين عن التجنيد. آنذاك، كان يتسلل إلى منزل أبيها كي يبدد إشاعات مصرعه في معركة حصلت في يوم أسبق. أما الآن، فإن الرجل ثوى جثمانه في مقبرة الحي، المحدقة بمقام مولانا النقشبندي، وإمكانية عودته إلى الحياة ضربٌ من الخيال. لكن الكثير من مشاعر المرء تستند إلى الأوهام، طالما أنها تسند صاحبها في مواجهة الواقع المرير. ومع أن عيشو لم تكن ذات طبيعة رومانسية، فقد تحتم عليها أن تستسلم لوهمها، الذي بدا لها أشبه بالواقع.
الصيفُ قد حل في الأثناء، وكسا أشجار اللوز في حديقة الدار بحلة خضراء بدلاً عن تلك الربيعية، البيضاء. بغيَة إخراج ابنتهما من حالة الحزن والكآبة، اقترحَ الحاج حسن على امرأته أن تسافرَ معها إلى الزبداني. كان الوقتُ عقبَ العصر، جلسا خلاله في الإيوان يشربان القهوة على أنغام زقزقة العصافير. قالت سارة، فيما تمرر أمام وجهها مروحة صغيرة من جريد النخل: " والدتي بدأت تضيّعُ الرشدَ، وليسَ من المستحسن لنفسية ابنتنا أن تراها بهذا الوضع ". ثم استدركت: " لو أنها ترافق رابعة إلى عمّان، لتساعدها في محل إقامتها الجديد وتروّح عن نفسها لفترةٍ ما. ما رأيك؟ "
" موسي تعهّد إيصال رابعة، بيد أنه لا يستطيع الانتظار كثيراً هناك ولديه ما تعلمينه من أعمال "
" ليوصلهما ويعود، ثم نتدبر فيها بعد مَن يحل محله "
" من الصعب إيجادُ أحدٍ غيره، والأصعب أن نقنعه بالعودة مرة أخرى ليجلبها من ذلك البلد البعيد "
" بفضل السيارات، صارت مدة السفر قصيرة. وهذا قريبك صالح، يأخذ أحياناً زبائنه إلى درعا بسيارته، ولن يرفض طلبك أن يكمل طريقه إلى عمّان "، ردت سارة بطريقتها الملتوية في الإقناع. ثم تابعت فوراً، لما لحظت علامات الامتعاض على وجه رجلها: " لا عليك، يا حاج. أنا مَن سيتولى الكلام مع السيدة شملكان، وأعدك أن الأمور تجري على ما تتمناه ".
في ذلك اليوم، ذهبت سارة كي تبلغ ابنتها الكبيرة بما تم الاتفاق عليه مع الأب. وجدتها في حجرتها مع رابعة، وكانتا تتكلمان أيضاً في موضوع السفر. كما توقعته الأم، لاقى اقتراحها المعلوم استحسانَ وحماس كلتا الابنتين.

***
برو، زوج رابعة، كان أكثر تردداً وحذراً لما تعيّنَ عليه إبلاغها بنيته السفرَ إلى عمّان بهدف التطوع في سلك الدرك. بعيد انحسار أعمال الثورة، التجأ عدد من أقاربه إلى إمارة شرقي الأردن، وكان في مقدمتهم أحمد بارافي. وما لبثت الأخبار أن وصلت من هناك، عن قبول بعض أولئك الأقارب في الجيش والشرطة مع رواتب مجزية. كون سقف حياتهما العائلية متداعٍ، وجدت زوجة برو الاقتراحَ معقولاً ولم تخفِ سعادتها به. هكذا سافر الزوجُ لوحده إلى عمّان، على أن تلحقه رابعة فورَ تأمينه للعمل والمسكن. بالنتيجة انتقلت هيَ مؤقتاً إلى دار والدها، وكانت عيشو قد سبقتها للإقامة هناك مع بناتها الثلاث. لأول مرة تنام الشقيقتان في سرير واحد، بينما بناتهما يفترشون الأرضَ. قبل أن يستسلما للأحلام، تحادثتا مطولاً في شتى المواضيع: ذلك كان قبل أسابيع من سقوط زوج عيشو في معركة معربا، وما آلت هيَ إليه من ثم لحالةٍ من الصدمة والخيبة والكآبة.
من ناحيتها، كانت صغرى الشقيقتين قد أضحت شبه منعزلة مع فقدانها لصديقتها الأقرب. اضطرت لقطع علاقتها مع نظيرة، مباشرةً عقبَ فضيحة هروب هذه مع صهر زوجها. فعلت رابعة ذلك بناءً على أمر والدها، المعروف بعدم تساهله في المسائل الأخلاقية والدينية. لكنهما ما لبثتا أن اجتمعتا في عرس خاني، التي تزوجت أخيراً شاباً من عشيرتها الملية. كان حفل الزفاف بسيطاً، ولم تدب فيه الحرارة إلا مع نهوض نظيرة للرقص بصورة مبهرة. بعدما عادت لتجلسَ مرهقة، وسط تضاحك من حولها من النساء وتعليقاتهن، تقدمت إليها رابعة وعانقتها. تبادلت معها حديثاً قصيراً، فهمت منه أنها سعيدة في حياتها مع مَن أحبته. غبَّ إيابها للمنزل، بقيت رابعة تتقلب في الفراش مع أمنية بتحقق شيءٍ شبيه لما حصل مع صديقتها. مع ذلك، لم تجرؤ مرةً على البوح بأمنيتها للشقيقة الكبيرة، وظلت تكبتها في صدرها. إلا أنها فتحت الموضوعَ بشكل موارب مع عيشو، لما أخبرتها ذات مرةٍ بشكّها في مسلك زوجة شقيقهما سلو: " أغلب الظن أنّ هَدي أعلمت امرأة بَدو بخطبته لي، لأنني ألاحظ ملامح عدائية على سحنة المرأة كلما صادفتها عند باب الدار "
" شقيقتها حَني، سبقَ أن أدخلت في رأس امرأة آكو الراحلة أن خاني تسعى لانتزاعه منها. أرجو ألا تأكل هَدي أيضاً رأسَ المسكينة، زوجة بَدو! "، علّقت عيشو مطلقةً ضحكة ساخرة.

* مستهل الفصل الخامس عشر/ الكتاب الرابع، من سيرة سلالية ـ روائية، بعنوان " أسكي شام "