حياتى فى الشعر - صلاح عبد الصبور ( الخاتمة )

خالد محمد جوشن
2020 / 3 / 25

ظل المسرح الشعرى طموحا يخايلنى سنوات حتى كتبت مسرحية
( مأساة الحلاج ) وتوخيت ان افلت من تحت عربات شكسبير التى راودتنى فى التجارب السابقة ، ولا ادرى ان كنت نجحت ام لا

وكتابة مسرحية شعرية تثير فى نفس الشاعر عديدا من الاسئلة التى لم يكن الشاعر القديم من سوفوكل الى شكسبير يعنى بها ، فقد كان الشاعر القديم يكتب مسرحه شعرا لان المسرح لا يكتب الا شعر

سواء اكان تراجيديا او كوميديا ، او تاريخيا او معاصرا، حيث لم يكن المسرح النثرى قد اكتسب حق الوجود والعجيب ان المسرح الشعرى الان يبحث له عن وجود


ولو كنت رايت القضية كما يراها بعض النقاد الذين يزعمون ان الشعر لا مبرر له على المسرح ، وان المسرح الشعرى بقية متحجرة من عهد قديم ، ولكنى لم اكن ارى الموضوع من هذه الزاوية ، وكنت ارى ان الشعر هو صاحب الحق الوحيد على المسرح

ولو نظرنا فى تراث المائة سنة الماضية من المسرح لوجدنا صراعا حادا بين المسرحية الثرية والمسرحية الشعرية ، واعلام هذا الصراع من كتاب المسرح الشعرى والنثرى يتمثلون فى ابسن وسترندبرج وتشيكوف وبيراندلوا وبيتسى واونيل واليوت وغيرهم وفيهم كتاب للشعر والنثر على السواء ولعلهم فى هذه التنويعة الفريدة يطرحوا هذا السؤال

هل مازال للشعر مكان على المسرح ؟

وكثيرا من النقاد يقولون ان الشعر ينبغى له ان يهبط من على المسرح ، لان المتفرج لم يعد يستطيع ان يرى السوقة وهم يتحدثون شعرا، وقد يكون الاب الكبير لهذا الاتجاه هو ابسن ، ووجهة نظرهم الخاطئة جاءت من نظرهم الى جانب واحد من مسرح ابسن هو المسرح الاجتماعى مثل بيت الدمية والاشباح

وليست هذه المسرحيات الا جانب من جوانب ابسن ، لان له مسرح اخر تترقق فيه روح الشاعرية

اما عمالقة المسرح النثرى الاخرين فما اكثر الشاعرية فى اعمالهم ، اليس تشيكوف شاعرا من ارفع طراز ، الا تفيض مسرحية النورس بالشاعرية المرسلة والمتحدثون بها ليسوا نبلاء ولا ابااطرة ولا انصاف الهة بل هم رجال ونساء عاديون ، وحتى برنارد شو فى مسرحه الفكرى كثيرا ما نجد فيه روح الشعر
عموما فان لغة النثر الرفيع فى المسرح هى كلغة الشعر تماما كلاهما لغة غنية مليئة بالايقاع مكثفة بالدلالات

ويضاف الى ذلك عنصر الرمز الذى حرص كبار المؤلفين على الاستعانة به حتى لاتصبح المسرحية مسطحة ، والرمز يتمثل اول ما يتمثل فى الشعر وهنا لعلنا ندرك ان فى كل مسرح عظيم لونا من الشعر او لونا من الشاعرية

ان المسرح ليس مجرد قطعة من الحياة ولكنه قطعة مكثفة منها ، والشاعرية هى الاسلوب الوحيد للعطاء المسرحى الجيد،

ويكفى ان يقراء الانسان مسرحيا معاصر كأوجين اونيل ليدرك كيف استطاع ان يقترب من روح الشعر فى معظم اعماله المسرحية ، رغم انه يكتبها نثرا

اما السؤال الثانى فهو عن الشكل المسرحى الذى اوثره؟

لقد ازدحمت الحياة المسرحية بانواع التجديدات مثل تجديدات العبث وتجديدات بريخت وقد اقررت اكثر الشكال تقليدية وهو اكثرها خلودا ، وذلك هو شكل التراجيديا اليونانية
بطل وسقطته
وهذه هى مسرحيتى
والسقطة سقطة تراجيدية كما فهمتها من ارسطو، نتيجة لخطأ لم يرتكبه البطل
ولكنه فى تركيبه
وباعث الخطأ هو الغرور وعدم التبصر
وسقطته الحلاج هى مشهد البوح بعلاقته الحميمة مع الله
وباعثه هو الزهو بما نال ، وحين ارتكب هذه السقطة اباح للناس دمه ، بل واباح الله دمه ، اذ افشى سر الصحبة ، فسقطت مرؤته امام الله
رعاك الله يا ولدى ، لماذا تستثير شجاى
وتجعلنى ابوح بسر ما اعطى
الا تعلم ان العشق سر بين محبوبين
هو النجوى التى ان اعلنت سقطت مرؤتنا
لانه حينما جاد لنا المحبوب بالوصل تنعمنا
دخلنا الستر ، اطعمن وشربنا
وراقصنا وارقصنا، وغنينا وغنينا ( اولى بضم الغين )
وكوشفنا وكاشفنا ، وعوهدنا وعاهدنا
فلما اقبل الصبح تفرقنا
تعاهدنا ان اكتم حتى انطوى فى القبر

لقد جرجر الحلاج من زهوه الى حتفه، ولكن ذلك كله ليس الا بناء وشكلا
اما القضية التى تطرحها فقد كانت قضية خلاصى الشخصى، فقد كنت اعانى حيرة مدمرة ازاء كثير من ظواهر عصرنا، وكنت اسأل نفسى السؤال الذى سأله الحلاج لنفسه ، ماذا افعل؟

وهنا انارت المسرحية قضية دور الفنان فى المجتمع
وكانت اجابة الحلاج هى ان يتكلم ، ويموت ، والحلاج عندى ليس صوفيا فحسب ولكنه شاعر ايضا، والتجربتان الصوفية والشاعرية تنبعان من نبع واحد ، وتلتقيان عند نفس الغاية ، وهى العودة بالكون الى صفائه وانسجامه بعد ان يخوض غمار التجربة

كان عذاب الحلاج طرحا لعذاب المفكرين فى معظم المجتمعات الحديثة ، وحيرتهم بين السيف والقلم ، بعد ان يرفضوا ان يكون خلاصهم الشخصى باطراح مشكلات الكون والنسان عن كواهلهم ، هو غايتهم ، ويؤثروا ان يحملوا عبء الانسانية على اكتافهم
وكانت مسرحيتى الحلاج معبرة عن الايمان العظيم الذى بقى لى نقيا لاتشوبه شائبة، وهو الايمان بالكلمة
ملاحظة من عندى
هكذا تم استعراض كتاب الشاعر الكبير والفيلسوف والمفكر صلاح عبد الصبور المعنون ( حياتى فى الشعر) ولكن ذلك لا يغنى عن قراءة الكتاب كاملا، وهذا هام للغاية
ثانيا ان القراءة تكتمل عندما نقرأ اشعار صلاح عبد الصبور ودرة اعماله فى نظرى هى مأساة الحلاج
وسيكون لنا مقال حول السيرة الذاتية لصلاح عبد الصبور قريبا