بحيرة البجع 2

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 3 / 25

من جديد، كنت معها في مظاهرة اعتبرتها أنا حاشدة، لكنها عبرت عن استيائها بحركة من فمها المغري حيث جذبته إلى الجانبين، وهي حركة أصبحت أعرف أنها تُعبر بها عن استيائها. مظاهرة بنحو خمسة آلاف شخص موضوعها يخص المعضلة البيئية العالمية، بالنسبة لي حاشدة مثيرة للرأي العام و للسلطة ومن شأنها أن تـشكل عامل ضغط إذا تكررت بنـفس مطالبها، وهي المناهضة للرأسمالية وأهم شعاراتها تمحورت حول المعضلة البـيئية، معضلة بمعنى أن الصناعة وعصر الصناعة برمته أصبح عنوانا للموت وليس للحياة، بل أصبحت الصناعة وما تـفرزه من أدخنة وحرارة وأضرار بيئية كارثية سيرا حثيثا وصناعة بشرية للقيامة القريـبة جدا. فعادة ما نـذكر القيامة كمخيال أو حقيقة دينية ولكنها بعيدة زمنية، أما الآن فنحن نسير حثيثا نحو تـدمير الأرض برمتها في السنوات القـليلة القادمة، ووجه المعضلة يكمن في التعود على وعي منجزات الصناعة و عقيدة التـقدم والربح والقوة الاقتصادية والهووية الوطنية على حساب الإنسانية...
صورة للأرض وهي تُـدمع وسط دخان كثيف ارتسمت في مساحته مدخنة مصنع،وبترول أسود اللون ينتـشر حول الأرض نابع من برميل بترول كُتب عليه "الطاقة القاتلة"، ورُسمت باخرة تـلقي بمادة سوداء اللون هي تلك المادة التي تـزيل فيها نفاياتها البترولية الزيتية الملوثة للبحار.. الصورة كبيرة الحجم.
من جديد، أخذتـني معها إلى اجتماع في منظمة "الشعلة الغيفارية"، تحت شعار "الثورة العالمية الإنسانية"، وأدبيات المنـظمة تـتلخص في إتباع طريق غيفارا ولكن ليس بوسيلته أي بالثورة المسلحة، وذلك ليس انطلاقا من مبدأ رفض العنف والإرهاب الثوري، فالإرهاب الرأسمالي الامبريالي في النهاية هو أشد أنواع الإرهاب الذي عرفته البشرية، الحرب العالمية الثانية وأهوالها الناتجة في النهاية عن صراع امبرياليات هي بنفس العقلية الهتلرية، عقلية الجنس الأرقى والآخر الذي يجب محوه أو استغلاله نافية الصفة الإنسانية عن كل شعب مختلف في ثـقافته وتاريخيته بل في لون بشرته. فهذه ليست مجرد عقلية إرهابية بل هي الإرهاب ذاته. الإرهاب هو الجنس الأبيض الرأسمالي الامبريالي. هو الذي محق ملايين بالأوبئة من سكان أمريكا الأصليين والأفارقة. هم أعداء شعوبهم أصلا برغم بشرتهم البيضاء. أمام ذلك وغيره، فإن نفي خيار الثورة المسلحة الغيفارية يعود لسبب وحيد وهو الفشل المؤكد لها باعتبار التـقدم الهائل للتـقـنيات الأمنية، إضافة إلى توفر مساحات تسمح بالعمل السياسي الذي من شأنه تحقيق أهداف الوصول إلى الاشتراكية العالمية ولو بعد عقود من الزمن. يـبقى التحدي الأساسي هنا هو إشكال التـنظيم و بناء الأفكار وطرق الفعل السياسي الفاعلة وكيفية الانتـشار في الأرض، وهو ما يمثل عامل تحدي كبير للقوى الاشتراكية في العالم..
كان الاجتماع يضم عددا من الأشخاص يفوق العشرين. الملفت انه جمع بين الهندي والياباني والكولمبي والأرجنتيني والفرنسي والايطالي والاسباني والتونسي والمصري والعراقي. الملفت كذلك انه لا يوجد زعيم. الملفت كذلك أن عدد الإناث هو تـقريـبا بنـفس عدد الذكور. أما الأعمار فجميعهم شباب لم يتجاوزوا الخامسة والثلاثون..كان فرح اللـقاء يعبر عن خلق أجواء من الصداقة بـينهم وهو ما يعمق الصلة بـينهم أكثر من علاقة الرفاقية المعروفة في التـنظيمات اليسارية.. كانوا يسألون بعضهم عن حيواتهم الخاصة وعن آخر مشاغلهم، كما كانوا يضحكون بغزارة و يسخرون من بعضهم بروح فكهة، وهو ما يجعلك تـتـلمس روح المصداقية والأخوة فيما بينهم.. ثم حين أعلن وجه أصهب اللون ذو شعر أصفر اللون كثيف عن بدء الاجتماع، إنقـلب الجميع إلى منـتهى الجدية في تبادل الأفكار والكلمات..
كان ذاك الاجتماع بالنسبة لي عبارة عن كتاب حي يملؤك شغفا. الكلمات ولكنها بأصوات مفعمة بالحرارة والمصداقية إضافة إلى العمق. هناك تـقدم فعلي ولكن التـقدم في الذكاء الإنساني وبالتالي في الذات الإنسانية وليس في خارجها أو انجازاتها أساسا. تلك الأفكار من شباب لم يتجاوز الخامسة والثلاثون في عمقها، وسعة اطلاعهم وتمثلهم للتاريخ وإرادة فعلية في تجاوزه، تركت عندي انطباعا أن إنسانية جديدة بالفعل هي بصدد الولادة. فالروح العالمية الإنسانية واضحة حتى من خلال اختلاف الجنسيات الموجودة، ولكن ذاك الاختلاف المعترف به بل المُعتـقد فيه كشرط أساسي نحو بناء اشتراكية عالمية إنسانية بمختلف رواسبها الثـقافية المعترف بها بينيا، يمثل حقيقة اتجاها مضادا لكل تمركز حول الذات. لقد قرأت كتابا في نحو أربع ساعات تـقريـبا مرت بسرعة مذهلة..
وكانت "صوفي، بحيرة البجع" مثيرة للاهتمام عند الجميع. صوتها الرقيق جعل الجميع يركز انتباهه أكثر فهو أرق صوت في المجموعة، لكن مضمون كلماتها كذلك. أتـذكر جيدا كلماتها في تلك الأمسية. تحدثت عن تطوير العمل في المنظمة بحيث تـتـشكل لجنة من شخصين لجمع التبرعات المالية حتى من بعض الرأسماليين، وقد قالت:
ـ في النهاية نحن ضد الرأسمالية ولسنا ضد الرأسماليين. المشكلة في النظام الذي هو أفكار وتـشابكات وعلاقات ومعايير للنجاح تـتـفـق مع رغبة شبه غريزية بحكم هيمنـتها في التاريخ وهي الرغبة في الملكية والرغبة في اكتـناز الأموال. هي رغبة غير إنسانية ولكن تاريخ الانحراف البشري للشرهين جعل من تلك النزعة كأنها هي الظمأ الإنساني الأبدي للارتـقاء، بينما ما من ارتـقاء فيه وإنما هو العجز أو الخوف من الاتحاد مع الذات الطبيعية أو العجز عن الارتـقاء إلى العـقل. إن تلك الكائنات المشوهة طبيعيا وربما هي التي تعاني من ضعف جنسي، وهنا ابتسمت كما ابتسم الجميع، هي التي دفعت بكل قوة عبر التاريخ لاصطناع رغبات موازية أو مصطنعة يتمثل إغراؤها في اكتساب الوسائل والقدرة على تملك الأشياء بما فيها العبيد وهم الإنسان الذي رضي أن يخضع و ان يوهم بتحوله إلى شيء... وبإمكاننا أن نقـشع ذاك الاصطناع أو ذاك الوعي الزائف حتى لدى الرأسمالي المثـقـف أو المُتعب من تشييء ذاته في عالم ما يُسمى الأعمال. ساعتها نحول جزءا من قدراته التملكية لصالح قضيتـنا.. لماذا نحن بحاجة إلى كثير من الأموال؟ لأن نضالنا عالمي. يجب أن نـقـذف بأنفسنا ككتلة واحدة صماء في كل بقعة من الأرض اشتعلت فيها قضية مظالم إنسانية. نقذف أنفسنا باسم منظمتـنا وبأفكارنا التي نطرحها بكل وضوح في الهند وباكستان والكونغو وتشيلي وإسرائيل..هكذا يمكن للشعلة الغيفارية أن تـنـتـشر في الأرض.
وعند نقطة إسرائيل أخذت فتاة عراقية جميلة بعينيها السوداوين الكبيرتين وشعرها الأسود الغـزير الكلمة وأوضحت أنها فلسطين وتحديدا المطروح كقضية نضال إنساني هو فلسطين وليس إسرائيل، وان قضية التحرر الفلسطيني هي في قـلب معركة الإنسانية الجديدة للتحرر من الامبريالية العالمية.
كما أذكر كلمات ذاك الأصهب وهو ايطالي الجنسية. تكلم تعقيـبا على كلمات "صوفي" أو بالأحرى مواصلة لكلماتها حول انتـشار المنظمة، وهو يستبق الأمور في الحقيقة ولكنه وضع أساسا متينا للمنظمة كي لا تكون مثل المنظمات الشيوعية السابقة وكي لا تكرر أخطائها القاتلة التي أضعفـتها، بل انه أسهب في الحديث عن ذاك الخطأ القاتل في رحم التجربة الستالينية التي أعدمت عقولا ومناخا من العمل المتنوع والحيوي الذي كان من شأنه أن يجعل التجربة الاشتراكية اشتراكية بالفعل وإنسانية بالفعل وتكتسح العالم.. قال "اندريا" بهذا الخصوص:
ـ سأسرد عليكم تاريخا قاتما من قتل الرفاق. جنائزية الشعلة الحمراء ابتدأت في الواقع من مطلب بدا في الوهلة الأولى انه معقول وهو التخلص من الخونة والجواسيس داخل الحزب أو المنظمة. التخلص بالقتل وسأسرد عليكم تاريخا من الإرهاب الشيوعي الايطالي داخل المنظمة الشيوعية ذاتها... وهكذا فالمسألة التي تبتدئ من الاتـفاق على قـتل عنصر تأكدت بالفعل خيانته، تـتـدحرج إلى تحول القـتل إلى شبه عادة بحيث تـتضخم وتـقـترف الجرائم في حق أكبر المخلصين الصادقين. لماذا؟ هناك سبب واضح يمكننا الاتـفاق عليه وهو أن القـتل يبقى جريمة والجريمة عبارة عن هوة سحيقة كلما نزلت فيها خطوة كلما تدحرجت بك إلى الأسفل أكثر فأكثر، وفي النهاية هناك أناس بعقول ومناخ عام أصبح إجراميا متسمما وبالتالي التحول إلى مسخ إنساني باسم الأممية الإنسانية الاشتراكية..نحن لا نريد أن نتحرك بالأسماء وإنما بالفعل. يجب أن نحترس دوما من كلاب الغريزة التي تنبح داخلنا. القوة التي ننشدها هي قوة العقل..
وردا على تعقيب الاسبانية التي نسيت اسمها والتي قالت في النهاية إن المنظمة بحاجة إلى حماية نفسها من المندسين، قال "اندريا" متحمسا ولكن بنبرة هادئة نسبيا :
ـ يجب أن نحدد بوضوح: ماذا نريد؟ من خلال الغاية تتحقق الوسائل..هل نريد السلطة؟ يا رفاق هل تريدون السلطة؟
هتـفوا جميعهم:
ـ تبا للسلطة..نحن ضد أي سلطة..
هنا ابتسم الايطالي، كما ابتسمت أنا.. إكتـشفت حينها فقط أني كائن ضد أي سلطة وان السلطة لا يمكن أن تمثل لي أي مشروع عمل لأجلها..
قال "اندريا":
ـ إذن، في منظمتـنا لا توجد أسرار ولا توجد قيادة أو زعامة، إلا نحن المتواجدون هنا. في الحقيقة نحن نمثل النواة الصلبة للمنظمة.. يمكن أن نعتبر أنفسنا جميعا قيادة المنظمة، ولكننا لن نتـفق على أي بناء هرمي بما أننا لا نعمل لأجل السلطة.. نحن نريد أن نخلق ضجيجا في العالم كي لا ينام الأوغاد على أجساد الفقراء والمظلومين والموهومين.. هذا ما نستلهمه من غيفارا العظيم.. انه أنكر السلطة بعدما تمكن منها. إننا لن نناضل من اجل التمكن من أي سلطة.. بالتالي فكل أفكارنا وتـنظيمنا وعملنا سيكون مكشوفا للجميع.. في هذه الحالة لن يكون لدينا مندسين أو جواسيس.. لدينا الأفكار والعمل على الأفكار ونرحب بتداول الأفكار ونعيش حياة الارتـقاء إلى المعقول الأسمى إنسانيا.. على ماذا سيتجسسون إذن ونحن كضوء الشمس.. سيعتـقدون أننا نريد قـلب أنظمة حكم وسيتوهمون حولنا كثيرا وسيبعثون من يسترشد عنا.. صحيح..لكن وضوحنا وشفافيتـنا وإيماننا القوي بإنسانية جديدة وحبنا للجميع ورغبتـنا في شفاء جميع الأنفس بمن فيهم من جعلوا أنفسهم أعدائنا هو سبيلنا الوحيد لأجل الإنسانية والانتـشار في العالم لنحدث مزيدا من الضجيج الذي سيتحـول إلى واقع إنساني جديد..
حين صمت "اندريا" وتأكدوا من إتمامه لكلماته، صفقوا جميعا مبتسمين وبعض الفتيات أدمعن لشدة التأثر بمن فيهن "صوفي بحيرة البجع".. مثـلت تلك الكلمات هدفهم بوضوح وتساوق غايتهم مع وسائلهم الإنسانية بوضوح. إنها في الحقيقة حجر الزاوية ليس للشعلة الغيفارية فقط، بل للإنسانية الجديدة.. الإنسانية المُـضادة للسـلطـة في ذاتها ولذاتها..
بعد مغادرتـنا للاجتماع المذهل ذاك، قلت لصوفي، بحيرة البجع :
ـ شكرا وألف شكر.. لقد إمتلأت روحي بأمل حقيقي في إنسانية جديدة..
بمثل ما امتلأ قلبي هياما بها وحبا فيها وعشقا لكل ذرة من ذرات كيانها الملائكي الساحر العجيب..