بحيرة البجع

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 3 / 23

كنت على حدود غيبوبة الوعي، أعاني من اهتمامي بالأفكار والحقيقة. ذاك العالم الذي كان يتمثل لي أرواحا تجذبني بخيط من اللذة والغبطة التي تبزغ في قلبي. كان عالما كل ما فيه جميلا محملا بعبق البدايات الساحر، بالبراءة التي لازالت تـفـوح من السماء. كنت ساعتها في بداية طريق تكون ما يُسمى المثـقـف. بدأ العالم يزدوج بين عالم الظاهر وعالم المتخفي، ولكن بسحر عظيم للمتخفي المتسامي المراوغ.
كنت على حدود الغيـبوبة أسير هائما، أبحث عن شيء ما دونما أن أدركه تحديدا. الأجواء باردة والشمس مشرقة، والمدينة كأنها أنثى متبرجة بعد أيام متـتاليات من مطر وسحب ورياح. انـقـشع كل ذلك، وكنت من بين الخارجين للعب كالأطفال أو الزهو باشراقة الشمس. لكن ليس ذلك فقط. لم أتصل بأي من أصدقائي وإنما سرت هائما. عبرت الجسر وماء النهر يجري بخريره الممتع. مشيت كثيرا ثم استـقليت سيارة أجرة وتوقـفت عند حدود ما يمكنني أن أدفع من مال. استأنفت مشيي في طريق جميل هادئ تحيطه الأعشاب والأشجار، مجانب لمجرى النهر. مازلت إلى اليوم أسمي تلك المنطقة ببحيرة البجع عنوان تلك السمفونية الرائعة للموسيقار الروسي "تشايكوفسكي". إلى هناك قادتـني الأقـدار إلى قيامتي، ثورتي، اندفاعي..
كانت هناك لوحدها، لوحدنا. غطت رأسها بقبعة من الفرو سوداء اللون وشعرها يتدلى من أطرافها. جالسة على مقعـد خـشبي طويل من تلك المقاعـد المتـناثرة على طول هذا الطريق النهري الجميل. كان مخصصا لهواة ممارسة رياضة الهرولة وبين الحين والآخر تجد أحدهم أو إحداهن بدراجة هوائية. بين يديها كتاب جميل وعلى غلافه صورة رجل في غاية الوسامة والجمال. هنا تـشابكت في داخلي عدة مشاعر أو أفكار. كتاب وهو في ذاته يتصل بي لأني من عشاق الكتب، وبالتالي فهو يشكل عنصر ارتباط معها. أنثى أنيقة وجميلة تـثير إحساس الإعجاب. ثم نظرتها والتـقائي بعينيها في نظرة مروعة بحق. نظرة اختطاف ساحرة. نظرة عجيـبة هزت كياني. نظرة مشعة ذات عذوبة خارقة، جعلتـني أرتجف، ولأول مرة في حياتي ترتعش ركبتاي وكأن جسدي قد أحسست بثـقـله وتـثاقـله.كأن تلك النظرة أوقـدت رغبة في التخلص من ثـقـل الجسد الذي بدا ساعتها برغم كوني نحيف.
هي كذلك تـفاجأت. لاحظت ذلك من خلال الذهول الذي انتابها هي بدورها. ثم ماذا بعد؟
الارتباك. قلت :
ـ أنا أحب الكتب كذلك. الصورة على غلاف الكتاب جميلة. من هو؟..
قالت:
ـ أرنستو تشي غيفارا. المسيح الجديد..
عالم جديد. كأنها نزلت من السماء لتخطفني. الملائكة يهربون من ضجيج المدن. يا لسحرها، هي و "غيفارا" النائم بين راحتي يديها الدافئـتين الرقيقتـين...
كان ذاك الوجه الذي بين يديها في حقيقة الأمر يسبح في السماء كالأنبياء. إنه ذاك الثوري الأسطوري الذي نجح صحبة رفيقه "فيديل كاسترو" في القيام بثورة على الدكتاتور العسكري "باتيستا" ممثل الامبريالية الأمريكية ومصالحها في كوبا. تلك المصالح المترافقة مع التـفـقير والتجهيل والاستعباد والقمع للشعـوب. نجحت الثورة وأصبح الرجل الثاني في الدولة الجديدة واضطلع بالبناء الاشتراكي الجديد، وناضل لأجل الحفاظ على الطهورية الثورية في الدولة الجديدة، ثم ضاقت روحه من السلطة، لأنها أكبر من أن تحاصرها جدران الوزارات. نـزل من جـديد إلى الأرض ليشعلها ثورة عالمية دائمة لأجل الاشتراكية وتحرير الشعوب من الظلم والاهانة والامساواة. نزل إلى الأرض ليرتـفع نجما في السماء..
مُذهل. الثورة. السلطة. الثورة من جديد. بصوتها وسحر حضورها الملائكي..الثورة حصلت بالفعل في داخلي. أصبحت أنا تلك اللحظة. ذاك الآن الذي تأبد في أعماقي كبؤرة مشعة بسحر خالد.