إيطاليا تدخل مرحلة طب الحروب … !

جلال الاسدي
2020 / 3 / 21

دخلت ايطاليا المنكوبة بما يسمى بعسكرة الطب ، وإعادة صور مآسي الحروب المروعة التي يضطر فيها الكادر الطبي الى انقاذ ارواح من فيهم بقايا من رمق الحياة ، وترك الحالات الحرجة الى مصيرها المحتوم لضعف الإمكانيات .
يبدو اننا اليوم نعيش في عالم حقير لا يعترف بالمفاهيم الأخلاقية ، ولا يعير ادنى اهتمام لقيم الحياة المقدسة … فقد تكشف لنا بوضوح في هذه الأزمة الإنسانية المؤلمة بان لا شئ في اخلاقنا حقيقي ! …
انهزم كل شئ أمام هذا الفيروس اللعين حتى اعتى الايمانات الراسخة اهتزت ، وبعضها تراجع مرعوبا فزِعا أمام رائحة الموت … مؤثرا النجاة بنفسه !
لو كانت حرب أساطيل وبنادق ومدافع وطائرات لتكالب الكل في الاشتراك بها ، وتعاونوا فيها ايما تعاون على الإثم والعدوان !
أما ودروسا في الإنسانية النظيفة لدحر اشباح الموت فقد تعامى عنها الكثيرون ، وأسلموا سيقانهم للريح !
عندما يتحداك المستحيل ، وتقف عاجزا منكسرا عن مواجهته تكون أمام خيارين احلاهما مر … هل تترك شابا مقبلا على الحياة يموت ، وتسلبه حقا طبيعيا بحياة طويلة يحق له التمتع بها بلا منة من احد ؟
أم تنزع جهاز التنفس الاصطناعي من كبير السن ، وتسلبه حقه في الحياة هو الآخر ، وليس من يموت كمن يُقتل ! وهو الخيار الذي فضله الاطباء الطليان لاناس لاذنب لهم سوى ان كورونا انتهز فرصة خلو اجسادهم من المقاومة الطبيعية ، أو ضعفها التي استهلكتها سنين العمر الطويلة ومتاعبها ، واخترق اجسادهم الضعيفة الواهنة بسهولة وعبث بها ايما عبث ؟!
الطبيب هنا هو مالك هذا القرار الاصعب ، ولا ادري كيف يمكن وصف تلك اللحظات الخانقة التي تفصل بين الحياة والموت … بين منح الحياة وبين سلبها ، وكأنه خالقها ويملك الحق في ان يهبها أو يصادرها … !
لحظات قد يتحول فيها من كائن حي مدافع عن حق الحياة إلى حجارة قاسية لا احساس فيها !
اتظنها تمر بلا عواقب … ؟ ثمن تلك اللحظات غال يدفعه الطبيب من تأنيب وضغط الضمير ان كان حيا ! وقد يلعب في باله خاطر قد يتحول إلى هاجس مقلق … مرضي بانه ليس سوى قاتل رحيم مجاز … يعطيه قانون العجز الطبي الحق والمبرر في ازهاق روح واحياء أخرى … !
واين المفر من عذاب الأيام والسنين ، وكيف السبيل إلى التغلب على أوجاعها ونغزات الضمير المزعجة ؟… فهو هنا ضحية مواجهه صعبة للغاية مع الإنسانية وقيمها الخيرة ، والخيار صعب … صعب !
ومع ذلك سيعتاد عليها مع الأيام ويخف المها ، ولكنه لن يتلاشى أو هكذا يفترض … كما يعتاد الواحد الظلمة باعتياد النظر فيها … !
ان الهزات العنيفة في حياة البشر تعقبها انفراجة مؤكدة تفتح بابا واسعا … جديدا للحياة لتستمر في طريقها دون توقف … !