كورونا: البطل المضاد في الحضارة الغربية والبحث عن بديل

حاتم الجوهرى
2020 / 3 / 20

الحضارة الغربية توقفت منذ فترة عن الإيمان بفكرة البطل المثالي النبيل صاحب الأخلاق والمثل، وظهرت بها في فترة ما بعد الحداثة فكرة البطل- المضاد أو البطل العكسي، الذي يفعل ما يفعل من خلال منظومة قيم مضادة تقوم على الخروج على المجتمع ومنظومته، والانطلاق من فسادها أو من أزمة ذاتية خاصة بالبطل العكسي تعمل كمحرك له و لا تمت للأخلاق الموضوعية بصلة، واستحوذت هذه الفكرة على الحضارة الغربية وأصبحت "نمطا" يتكرر مثلما مع "الجوكر" وغيره من الأبطال الذين يتمثلون الفكرة المضادة للبطل التقليدي.

أعتقد أن فيرس "كورونا" سيضع الحضارة الغربية أمام أسوأ مخاوفها وأحلامها معا، جائحة كورونا ربما هي البطل المضاد الذي كانت تنتظره الحضارة الغربية، ليكشف قيمها الحقيقة بعيدا عن غشاء الرفاهية وأمام جماهيرها العريضة، تصريحات بريطانيا عن الانتخاب الطبيعي، وخططاب امريكا/ ترامب شديد القبح، والعجز الذي وصلت له إيطاليا، وتصريحات المانيا وفرنسا، ستخلق على الأقل تيار فكريا جديدا ربما كان يعيش في الهامش لفترة طويلة.

"السوبر هيرو" أو "البطل المتفوق" كان في حاجة دائما إلى "سوبر فيلون" أو "شرير متفوق" في الدراما الأمريكية، لكن ما بعد الحداثة شيئا فشيئا نقلت الدفة إلى مركزية "الشرير المتفوق" أو "البطل المضاد"، وظهرت صور كثيرة من البحث عن الخلاص عند هذا البطل المضاد/ المنهزم، بعضها كان يتمثل في قراره الالتحاق بنماذج حضارية أخرى، كما في أفلام "أفاتار" و"الساموراي الأخير" و"الراقص مع الذئاب" وغيرهم.

ربما سنشهد تزايدا في مساحة تيار الهامش الباحث عن ذاته في نماذج حضارية أخرى بعيدا عن الغرب (سواء الليبرالي أو الماركسي)، ربما سيتأثر المتن على المدى الطويل وفكرة المادية المفرطة التي تولد العدمية والعبثية (في الليبرالية أو الماركسية)، ربما ستتمكن نماذج حضارية أخرى -إذا وعت لذاتها- من الاستحواذ على مكان ليس بالهين في النمط العالمي السائد، في مرحلة ما بعد المسألة الأوربية.

هناك مؤشران رئيسيان يرجحا بداية تجاوز مرحلة المسألة الأوربية، هما النموذج الصيني والنموذج العربي، النموذج الصيني الذي طور بنية حضارية اقتصادية دون شكل إنساني أو ثقافي واضح تماما بعد، لكنه يتجاوز الأشكال التقليدية التي روج لها النموذج الغربي (الليبرالي والماركسي)، أما النموذج العربي فذلك بما قدمه من نموذج "ثوري قيمي" بحت يدعو للتمرد على تراكمات السياق التاريخي الخاص به، وعلى نخبته التي تشبعت بتناقضات المسألة الأوربية وجمدت المشهد العربي عندها منذ القرن الماضي.

هذان النموذجان العربي والصيني، يملكان الفرصة لتقديم نموذج عالمي جديد بشدة، فقط على النموذج العربي الوعي بذاته وتجاوز تناقضات الماضي والتصالح مع مشروع الثورات العربية، وإنتاج دولة جديدة تتجاوز دولة ما بعد الاستقلال إرث القرن الماضي، والبحث عن المشترك الحضاري والثقافي مع النموذج الصيني والعمل من خلال ذلك.

تتواكب أزمة كورونا مع مخططات أمريكية لمحاصرة النموذج العربي مستغلة تناقضات الأطراف به، وعدم وعيها بـ"اللحظة الآنية" وأهمية "التمفصل" حولها، وتستهدف المخططات هذه المرة مصر والضغط عليها لتمرير "صفقة القرن" من خلال مشروع "سد النهضة"، وهو ما يتطلب ضرورة استعادة المبادرة في هذا الملف والتأكيد على "قواعد الاشتباك" السياسي والعسكري القديمة، وبناء الجسور مع مشروع ثورة يناير وتجاوز دولة ما بعد الاستقلال وبنيتها، والتحول لدولة المؤسسات والمجتمع الفعال والفرز الطبيعي.

الحضارة الغربية في متنها تبحث منذ فترة عن ذلك البطل المضاد الذي ربما تجسده جائحة كورونا، فكرة المادية البحتة (الليبرالية أو الشيوعية) وصلت لنهايتها بوصفها ديانة عالمية جديدة حاولت نسخ كل ثقافات العالم خارجها واستياعبها بالقوة الناعمة أو الخشنة، وربما جاءت هذه الجائحة لتؤكد على أهمية استعادة المبادرة في النماذج الحضارية الأخرى، بالعمل المؤسسي والفرز الطبيعي لأفضل العناصر الموجودة في المجتمع، وإصلاح بنية "التراتب الاجتماعي" ومعيرة مميزات "الدمج والتسكين" المركزية في يد السلطة السياسية.

كان البعض على المستوى المصري والعربي يروج لخطاب "الاستلاب" للآخر الصهيوني والغربي، ويبرر لمشروع تفكيك الذات العربية نهائيا، و"مستودع هويتها" في قضية فلسطين تحديدا وفي قبول إملاءات "سد النهضة"، لكن علّ جائحة كورونا جاءت لتكشف أزمة المسألة الأوربية ومشروعها المادي (يمينا ويسارا)، جاءت لتقول أن العالم لم يتوقف عند اللحظة الأوربية وأن من أرادوا للمسألة الأوربية أن تتحول لديانة عالمية جديدة، عليهم أن يراجعوا أنفسهم، الفرصة مواتية رغم كل الصعاب لاستعاد الذات العربية و"مستودع هويتها".
لقد قدمت الثورات العربية نموذجا إنسانيا جاذبا ومتفوقا، فقط هو في حاجة للوعي به كقيمة مضافة للأمن القومي العربي، تزن كثيرا في مخزونه الحضاري الكبير وترجحه في لحظة عالمية جديدة، سيبحث الجميع فيها عن بديل.