لماذا يُعطِّش بعض العرب حروفاً عربية بعينها … ؟

جلال الاسدي
2020 / 3 / 18

بداية : ما هو التعطيش … ؟
هو مصطلح أراه مناسبا لوصف هذه الحالة التي سندخل في تفاصيلها … استعملته للتعبير عن تغيير أو لوي أو تحوير الأصوات لبعض الحروف العربية بسبب الصعوبة على تعود نطقها لانها اصوات دخيلة على المتكلم ، وليست موجودة في لغته الأم … !
ولنبدأ أولًا بمصر كنموذج واضح والعودة لاحقا إلى جذور هذه الظاهرة … بعد الغزو العربي الاسلامي إلى مصر بقيادة سعد بن ابي وقاص ، واحتلاله لها في زمن كانت فيه السيطرة والعزة والمجد للاقوى ، وفعله الافاعيل التي نحن اليوم لسنا بصددها ، وما قام به العرب المسلمون في ذلك الوقت
بفرض دينهم ولغتهم وثقافتهم على سكان ليس مصر وحدها وإنما سكان كل الأراضي التي طالتها وأسقطتها سنابك خيولهم ، وما وصلت اليه سيوفهم الشرسة البتارة !
إذن فرض العرب الغزاة دينهم العربي الإسلامي الجديد ، ولغتهم وثقافتهم في التداول اليومي والتعليم وكل مناحي الحياة … إلخ متعمدين إلغاء وطمس كل ما له علاقة بحضارة وثقافة ولغة الشعوب المستعّمَرة ، وبالخصوص هنا على كل المصريين الأقباط سواء من تخلى منهم عن دينه ودخل في الدين الإسلامي الجديد ، أو من لم يدخل ودفع الجزية اتقاءً لشرهم … وهكذا !
وبما ان بعض الاصوات في اللغة العربية الجديدة لم تكن موجودة في لغتهم القبطية ، فوجدوا صعوبة في نطقها وتعويد السنتهم على التأقلم معها مما اجبر عجز السنتهم على تعطيشها لتمشية الحال … مثلا : حرف ( الجيم ) عند المصريين يلفظ ( گيم )وعند السوريين وغيرهم يلفظ ( چيم ) … وحرف القاف في ( قال ) مثلا : يلفظ / آ /وتقرء الكلمة / آلَ / عند معظم الشعوب المعطِّشة للحروف ان صح التعبير !
والأمثلة كثيرة على الحروف التي يعطشها الإخوة في معظم الدول العربية اليوم ! وقد تبدو هذه هوية أو عنوان مميز ومميِّز ومحبب للإخوة في ارجاء الوطن العربي …
بمعنى ان العربية لم تكن اللغة الأم للمصريين أو السوريين أو غيرهم قبل الاحتلال العربي لمصر وسوريا وغيرهما من الدول العربية ، وعندما فُرضت عليهم واستعملوها في التداول اليومي عجز لسانهم ، ولم يستطيعوا نطق بعض حروفها لصعوبتها أولًا ، ولان بعض أصواتها جديدة ودخيلة عليهم ، ولم تكن موجودة في لغتهم الأم ثانيا ، فاضطر لسانهم الى تعطيشها ، حتى تحولت إلى عادة ملازمة لهم ، وهكذا استمر الحال حتى انتقل من جيل إلى آخر وذاب الكل … حتى العرب الأصليين الذي صاحبوا الحملة على قلتهم اندمجوا ، وتحول الجميع إلى شئ واحد وثقافة واحدة إلى يومنا هذا وسيستمر إلى الأبد ، فأصبح بمرور الزمن شئ عادي وسمة مميِّزة للنطق عند المصريين وغيرهم ، وحقيقة لا تسترعي حتى الانتباه والاهتمام !
في دراسة علم الأصوات في اللغة الانگليزية في الكلية يعانى بعض الطلبة العرب من صعوبة نطق أو لفظ حرف الپي p مثلا لانه غير موجود في اللغة العربية الأم فيلفظون people مثلا beoble … مما يجبر الأستاذ على ان يأتي بشمعة ويشعلها ويطلب من الطلبة ان يقتربوا منها ويلفظوا الصوت
/ پَ / حتى ترتعش النار فيها ليعلم الطلبة كيف يفرقون بين الصوت / بَ / b / وبين الصوت / پَ / p/ … !
حتى بعض العرب اليوم في دول الخليج وفي غيرها يلفظ سوڤيت … سوفيت لانه لم يتعود على الصوت/ ڤَ / v / لعدم وجوده في لغته الأصلية … ومهما حاولت ان تعدل عنده اللفظ لن تستطيع لتعوّد لسانه وإدمانه على نطق الأصوات الدخيلة … معطشةً ! وهذا ينسحب ايضا على الاوربيين أو الغربيين عموما فهم مثلا لا يستطيعون لفظ الصوت / ضَ / فيعطشونه إلى / دَ / إلى آخره والأمثلة كثيرة … !
لماذا تعطِّش الكثير من الشعوب العربية الحروف في اللغة العربية ؟ سؤال قد يجرنا إلى مناحي أخرى وهو الأهم … فقبل الدخول في تفاصيل الموضوع دعونا نسأل : هل ما نطلق عليهم اليوم بالعرب هم كلهم فعلا عرب اصليين أم عُرِّبوا ؟ بمعنى إلغاء قوميتهم الأصلية أو تنحيتها جانبا ، وإحلال قومية المحتل مكانها … الجواب البديهي والذي لا يحتاج الى مجهود فكري : لا … لم يكونوا عربا وإنما عُرِّبوا وأُسلموا ان صح التعبير بالقوة وبحد الدين والسيف !
وهذه حقيقة من حقائق التاريخ لا يختلف عليها اثنان ، وهذا ديدن كل محتل ينوي الاستيلاء والاستيطان إلى الأبد في الأرض التي يحتلها ومصادرتها وابتلاعها ، وهذا ما فعله الاستعمار الفرنسي في العصر الحديث عند احتلاله للجزائر … فقد عمم اللغة والثقافة الفرنسية على الجزائريين وتحولت الجزائر إلى ولاية فرنسية ، وألغيت اللغة العربية وثقافتها من التداول تماما الا ما ندر ، وحلت مكانها اللغة والثقافة الفرنسية ، فكانت هي لغة التداول اليومي والثقافة والعلوم وكانها لغتهم الاصلية ولا لغة عندهم غيرها ، فكان معظم الجزائريون اذا لم يكن كلهم لا يتكلمون العربية ، وان تكلمها البعض فلا يحسنوها ، واستمر الحال معهم حتى اضطر الجزائريون ومن بعدهم العرب على اعادة تعريب الجزائر ثانية بعد التحرير عن طريق إرسال مدرسين ومعلمين من بعض الدول العربية إلى الجزائر … لماذا … ؟ لان فرنسا كانت بصدد ابتلاع الجزائر ، وضمها نهائيا إلى فرنسا واعتبارها جزء لا يتجزء من فرنسا الكبرى … !
المعروف ان هناك نوعان من الاستعمار : الأول استعمار اقتصادي مادي جشع مؤقت لحلب ونهب البلد ، والاستيلاء على ما يستطيع من خيراته مع بقاء هويته الوطنية كالاستعمار الانگليزي ، وآخر ثقافي وهو الاخطر لانه بقصد البقاء والضم وإلغاء الهوية الوطنية للبلد المحتل وإحلال هوية وثقافة ولغة المستعمِر كالاستعمار الفرنسي …
الأجانب من طليان ويونانيين ويهود وغيرهم الذين كانوا يعيشون في مصر الملكية وحتى بداية الجمهورية كانوا يتكلمون اللهجة المصرية بصعوبة فيضطرون إلى لوي الكلمات وتعطيش الحروف بطريقة تثير سخرية المصريين ، وشهيتهم المفتوحة دوما إلى التنكيت وخفة الدم الغالبة على الشخصية المصرية على طريقة كلام المصريين الأجانب من أصول غير عربية … قبل دخولهم عالم الكآبة بعد ذلك … ! وربما كان هذا تكرار لموقف وسلوك العرب بعد الاحتلال العربي الإسلامي قبل الف واربعمائة عام وسخريتهم من المصريين الأقباط في لويهم للكلمات وتعطيشهم للحروف في بداية تعلمهم اللغة العربية الصعبة … من يدري ؟!
أما بالنسبة للعراقيين فلا يوجد اثر واضح وقوي على التعطيش الا النادر ، والسبب كما اعتقد هو أولًا قرب البلد من الجزيرة العربية ، ودخول الكثير من العرب حتى اصبحوا هم الأكثرية على حساب القلة القليلة من أهل العراق الأصليين من سريان واراميين واثوريين … إلخ من الأقوام التي كانت تعيش في العراق قبل الاحتلال العربي الإسلامي ، وثانيًا ما قام به خالد بن الوليد عند احتلاله للعراق ، فقد قتل اكثر من سبعين الفا من أهله وفر الناجون بارواحهم وعوائلهم إلى أماكن أخرى بعيدة عن بطشه وبطش جنوده !
اخيرا :
قد يقول قائل ما الداعي الى نبش أشياء قد ماتت وشبعت موتا ! ونحن نقول لا ينبغي لها ان تموت … لان الموت يجوز على البشر ولا يجوز على الأفكار ، ومهمتنا ان نسلط الضوء عليها … فان أصبنا كان بها وان اخطأنا فيكفي اننا قد حاولنا بنية صادقة ، ولا خاب من سعى … !