بين حجر كورونا الوقائي وحجر النساء التعسفي

نساء الانتفاضة
2020 / 3 / 18

منذ حوالي ثلاثة أشهر والعالم مستنفر بكل طاقته لمواجهة فيروس كورونا وأفضل مواجهة لهذا الوباء هي بالحجر والبقاء في المنازل بشكل إجباري، ما خلق حالة من القلق والهلع لدى المدن التي أصبحت بؤر للمرض في كل العالم.

الحجر الصحي الخاص بوباء كورونا فرصة لخلق مقاربة بين آثار هذا الحجر على البشر وبين الحجر الذي يمارس على النساء منذ آلاف السنين والى يومنا هذا، وتبعاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث أن الفرق بين الحجرين، أن الأول من أجل الصحة العامة للبشرية وهو على الغالب وقتي بينما الثاني حجر تعسفي استغلالي رجعي في بلدان عديدة خصوصا في مناطق الشرق الأوسط ومنها العراق.

إنها فعلا لفرصة عظيمة أيها السادة لنحس ونلتمس ونعيش حجم البؤس والمعاناة التي تعيشها النساء، من انتهاكات وتهميش لدورها في المجتمع والدولة، لأنها مستبعدة من عملية اتخاذ القرارات وتقرير المصير لها وللمجتمع بشكل كامل.

هنالك فروع وأنواع لحجر النساء وتختلف هذه الأنواع بحسب الدولة والمجتمع الذي تعيش فيه المرأة، لكن لو سلطنا الضوء على أوضاع النساء في العراق والمنطقة فأن عملية الحجر تبدأ من داخل العائلة، فالنظام الأبوي داخل الأسرة المدعوم من السلطة الذكورية ويبدأ ذلك الحجر عندما يتقرر إن ترتدي المرأة زيا معينا كما يحدث في أغلبية البلدان في المنطقة مثل إيران والسعودية وأفغانستان والعراق.

إن المجتمعات الأبوية مبنية على أساس واحد هو امتيازات الذكر واضطهاد المرأة، ان حجر النساء داخل الأسرة وعدم السماح لهن بالعمل والتعليم او التعبير عن الرأي او استغلال الموارد الاقتصادية من طاقة عمل النساء لصالح الرجل ما هو إلا انتهاك لحقوق النساء في العيش اللائق، وان تبعية المرأة للرجل وأدوارها الثانوية مقابل أدواره الأساسية ما هي إلا قمع للحقوق والحريات وتبرير العنف المسلط على النساء تحت مظلة الأعراف والتقاليد والقوانين والدين.

تخضع حياة المرأة لسيطرة الرجل من بدايتها إلى نهايتها. فكل امرأة لها ولي أمر ذكر، عادة ما يكون والدها أو زوجها، ولكن في بعض الحالات يكون شقيقها أو حتى ابنها هو الذي له سلطة اتخاذ العديد من القرارات الهامة بدلا عنها.

ولو انتقلنا إلى المجتمع لوجدنا قوانين الدولة والعشيرة ورجل الدين تفرض حجرا من نوع آخر على النساء، فالقوانين التمييزية التي تشرعن قمع المرأة وتضطهدها متواجدة في كل مفصل من مفاصل المجتمعات الذكورية وسلطاتها، حيث يجري سن قوانين تمييزية جديدة تبرر قمع المرأة وقتلها تحت مسميات (جرائم الشرف وغسل العار)، كما أن هنالك الكثير من القوانين التعسفية و الأعراف العشائرية الرجعية التي تتعامل مع النساء والفتيات كأنهن دون مستوى الجنس البشري، وليس كانسان مستقل كامل الأهلية ويجب أن يتمتع بكافة الحقوق.

علاوة على ذلك تحرم المرأة من معظم خدمات التعليم، والحقوق والرعاية الصحية الأساسية، كذلك فقوانين الأحوال الشخصية التمييزية تسمح بتعدد الزوجات وتعمل على تعريض النساء للتشرد والحرمان من السكن والجوع وتدهور صحة المطلقات والمنفصلات عن أطفالهن، وغالبا ما يبرر هذا الاضطهاد والقمع والحجر بأعراف شيخ العشيرة أو رجل الدين وحتى قوانين الدولة المستنبطة من هذه الأعراف.

والنوع الأخر من الحجر هو الحجر الاقتصادي، فكل ما ينتج عن النظام الذكوري الرأسمالي الذي يمتهن المرأة ويعنفها ويجعلها سلعة وأداة للمتعة فقط، هو بالفعل مقصود من اجل بقاء النساء تحت هيمنة الرجل لخدمته وإعادة إنتاج القوى الرأسمالية من جديد، والحجر الاقتصادي وتعطيل نصف طاقات المجتمع شيء فضيع ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين.

من الجدير بالذكر إن فيروس كورونا خلف الآلاف الضحايا وخلق حالة من الرعب والهلع على مستوى الكرة الأرضية لمليارات البشر من الرجال والنساء والأطفال، لكن ماذا عن نصف هذه المليارات التي تعاني مسبقا رعب الامتهان والشعور بالدونية فقط لكونهن نساء

ماذا عن آلاف النساء اللواتي ينتحرن سنويا على مستوى العالم! نتيجة الحجر الذكوري المسلط عليهن من قبل إبائهن او أزواجهن، او من خلال الضغوط والترهيب الممارس من قبل السلطات المختلفة في المجتمع او الدولة.

إن الفوبيا والرعب والأمراض النفسية الأخرى أغلب ما تصيب النساء، حيث يعانين من اضطهاد مزدوج كونهن نساء واضطهاد القوانين التعسفية التي تحد من فاعليتهن كانسان وفي العقوبات التي تجعل حصة المرأة مضاعفة، من كل هذا البؤس.

قد لا أكون على صواب عندما أرى أغلب ضحايا كورونا من الرجال دون النساء، لكنني اعتقد إن ذلك نتيجة قرون من الحجر والتعود عليه جعلنا لا نأبه كثير للحجر الذي يفرض حاليا.

على البشرية إن تعي جيدا أن السجون والأغلال التي صمموها للنساء يجب إن تنتهي، وما كورونا، ذلك الوباء الذي يهدد البشرية، إلا مؤشر للجميع عن حجم ما تعانيه النساء من اضطهاد وقمع وحجر إجباري مستمر منذ قرون، ويجب العمل على إنهائه والخلاص منه.

كنساء مازلنا نناضل من اجل العيش بحرية ومساواة وكرامة، ولا بد من إلغاء كل أشكال التمييز القانوني والاقتصادي والاجتماعي ضد المرأة، وإلغاء جميع القوانين التي تحط من قيمة النساء او تمتهنهن، ونرفض بشدة ثقافة المنع وسياسة الحجر على الحريات الخاصة والعامة .

في النهاية تحارب النساء جنبا إلى جنب مع الرجال وباء كورونا، متمنين للبشرية الخلاص منه وهو ينتشر بسرعة في مختلف بقاع الأرض، ولا يمكن إن يحدث ذلك إلا بتضافر جهود الجميع نساء ورجالا في هذه الحرب.