في ذكرى ريتشل كوري : كيف نحول ذكرى شهداء الحرية والإنسانية والعدل والسلام إلى طاقة ملهمة

أمين المهدي سليم
2020 / 3 / 17

في مثل هذا اليوم 16 مارس في سنة 2003 وقفت الجميلة ريتشل كوري وهى فتاة أمريكية يهودية في عمر الزهور 24 سنة تقريبا مرتدية سترتها البرتقالية ضمن وفد من "هيئة التضامن العالمية من أجل الشعوب .I.S.M" في حي السلام في رفح الفلسطينية ممسكة بميكروفون في وجه جرافة إسرائيلية ضخمة في محاولة لمنعها من هدم منازل الفلسطينيين، ولكن الجرافة سحقتها تحت الجنازير لتستشهد في لحظتها.
لا أريد أن أقول كلمات تقليدية في مثل هذه المناسبة تتلاشى بعد لحظات كخيط دخان، ولكن أريد أن اشير إلى نقص كارثي غاب عن الثقافة العربية وعن الجانب العربي خلال الصراع العربي الإسرائيلي، وهو عدم وجود قوة أخلاقية مستقلة تحدد وتفرز بين ماهو دعاية وخرافات وحشد وتعبئة وبين ماهو حقيقي وإنساني وأخلاقي وسياسي وتاريخي، وأيضا بين سلوك أنظمة اقطاع عربية عسكرية وعشائرية وحكومات عربية استبدادية مجرمة وفاشلة ومعادية للحرية وللحداثة ولشعوبها أولا وبين ماهو مصلحة للشعوب.
كان غياب هذه القوة نتيجة غياب المثقف الحر المستقل الذى يحدد الاتجاه والبوصلة في أوقات الكوارث المتلاحقة وهذا التاريخ العربي الرسمي المشين المهين والبشع، ونتائجة الفاضحة المستحقة الحالية. وللإنصاف لابد من التنويه إلى أن هذه القوة الثقافية الحرة المستقلة كانت موجودة في مصر قبل إنقلاب عصابات قطاع الطرق العسكرية الإخوانية في يوليو 1952 وسحقه للشارع السياسي وللثقافة الحرة، ومثلها خير تمثيل حزب الأحرار الدستوريين ويسار الوفد والطليعة الوفدية وبعض التيارات الاشتراكية ومن الأشخاص محمد حسين باشا هيكل وأحمد باشا عبود وإسماعيل باشا صدقي، وكانوا جميعا يطالبون بعدم اللجوء للحل العسكري وقبول قرار التقسيم مع اجراءات متنوعة بين سياسية واقتصادية للتعامل معه في محاولة مستقبلية منطقية للتخفيف من خسائره.
بعد الحرب الفاشية الكارثية غير المشروعة التى أوصلت إلى هزيمة مذلة ومستحقة ولأوضاع كارثية، تشكلت بعدها جماعة أنصار السلام في 1950، وكان أمينها العام المحامي يوسف حلمي ومن أعضائها معلم الأمة طه حسين وسيزا نبراوي ومحمد مندور وعزيز باشا فهمي وكامل باشا البنداري وإبراهيم طلعت واحسان عبد القدوس ود.خالد محمد خالد ورئيس اتحاد عمال مصر يوسف المدرك وعشرات من الشخصيات البارزة في كل المجالات وصلت إلى 12 ألفا في بداية الإعلان، ولكن لابد للإنصاف من القول أن الشيخ جابر التميمي انضم إلى الحركة وكان من الإخوان المسلمين اللذين كانوا مع الملك وباقي القوى الفاشية من أمثال عبد الرحمن عزام وعزيز باشا المصري وعلي باشا ماهر من أهم الأسباب الأساسية في الوصول إلى الكارثة.
وليس مستغربا القول أن الفاشي الإخواني زعيم عصابات قطاع الطرق العسكرية جمال عبد الناصر اعتقل أغلب جماعة أنصار السلام وطرد المتمصرين منهم إلى خارج البلاد.
ولم يكن سلوك الكنز الاستراتيجي حسني مبارك ضد السلام وتنشيط ثقافة الحرب والعداء للسامية أقل من عبد الناصر، بل أنه تجاوزه في الإعدام المدني والجسدي لأنصار السلام، وعندما تأسست جمعية القاهرة للسلام استجابة لإعلان كوبنهاجن لم تكن سوى محاولة مخابراتية لاحتواء أنشطة أنصار السلام والحوار والتعايش، وكان كاتب هذه السطور عضوا مؤسسا بها، وعندما اكتشفت رفض كل الأعضاء لتحويلها إلى حركة ديموقراطية، ورفضوا فتح باب العضوية، وكانت المخابرات في نفس الوقت هى التى تحرض كتاب النظام وزبانيته ضدها، أدركت يومها أنها خطأ فادح لايجب أن يستمر.
وبالرغم من التحالف الكامل إلى درجة الذوبان بين نظام السيسي وبين اليمين الصهيوني الفاشي، إلا أن نفس السلوك ضد أنصار السلام والتعايش ونشر ثقافة الحرب والكراهية والعداء ضد السامية مازال بنفس الوتيرة، مدللا على أنه استراتيجية لجمهورية عصابات يوليو العسكرية ضد العلاقات بين الشعوب وضد روح السلام الداخلي والإقليمي والعالمي.
الذى يجعل كل هذه الخسائر مضاعفة ومستحقة أكثر أن هذه القوة الأخلاقية كانت موجودة طوال الوقت على الحانب الأخر اليهودي والإسرائيلي، والأغرب أن أحدهم وصل إلى سدة رئاسة الحكومة مع تفويض ساحق من الكنيست لصياغة مشروع سلام مع العرب (عندما اطالعه الآن تصيبني قشعريرة)، ويومها ولد أيضا التحالف بين قوى التوسع والحرب الإسرائيلية وبين أنظمة الحكم العربية الفاشية المعادية للديموقراطية والسلام والتقدم، وتحالف عبد الناصر مع بن جوريون لاسقاط المشروع ثم اسقاط شاريت وإنهاء حياته السياسية.
نفس التحالف هو الذى اغتال السادات ثم رابين ثم أسقط مشروع كلينتون/باراك للسلام، وهذا التحالف هو الذى يحكم الشرق الأوسط الآن ومشروعه العلني يتسيد الأجواء تحت عنوان "صفقة القرن".
لم تكف القوى الأخلاقية النابعة من الضمير اليهودي في إسرائيل والعالم عن التعبير عن نفسها؛ فقد خرجت المظاهرة الأولى والأكبر في العالم وفي تاريخ إسرائيل احتجاجا على مجزرة صبرا وشاتيلا ونجحت في محاكمة واسقاط وزير الدفاع شارون ورئيس الأركان روفائيل إيتان.
حديثا خرجت في إسرائيل المظاهرة الأكثر تميزا لمساندة ثورة 25 يناير، وسرعان ماتحالف نتنياهو والمجلس العسكري لتلويث الثورة بجلب شيخ الإنتحاريين يوسف القرضاوي، وبواسطة الإسلام السياسي في جمعة قندهار، وتدبير الهجوم على سفارة إسرائيل، كما خرجت أكبر مظاهرة في العالم ضد صفقة القرن في إسرائيل، وتخرج الاحتجاجات اليهودية ضد اليمين الإسرائيلي وزعيمه الفاشي بنيامين نتنياهو بشكل منتظم في إسرائيل والولايات المتحدة، وليست النجمة الجميلة ناتالي بورتمان والمرشح الرئاسي السناتور بيرني ساندرز وأنصاره من الأصوات اليهودية (65% من يهود أميركا) سوى أدلة في المتناول اللحظي على وجود هذه القوة النابعة من الضمير اليهودي وحركات السلام والحقوق الإنسانية.
كان الملهم لكتابة هذا المقال ذكرى تلك الروح النبيلة الشهيدة للجميلة ريتشل كوري.
#أرشيف_مواقع_أمين_المهدي