المشهد السياسي في العراق بعد الاعتذار

كاظم الموسوي
2020 / 3 / 17

بعد اعتذار رئيس الوزراء المكلّف محمد توفيق علاوي عن تشكيل حكومة انتقالية جديدة، في أول آذار/ مارس 2020 أعيدت الأزمة السياسية إلى بداياتها. ختم الاعتذار اقتناعه بعدم تمريرها في مجلس النواب، تحت مسمّى عدم توفّر النصاب، (وهذه لعبة تشير إلى ما وراءَها من خطط وضغوط وتأثيرات. تكشَّف بعضها على الأقل وفُضح من كان يتناقض مع نفسه، في مواقفه والادّعاءات التي يزعمها إعلامياً ويخالفها فعلياً). وبالتالي، أرجع الاعتذار العراق إلى ما كان عليه قبل التكليف. أضاف رئيس مجلس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، «تفرّغه الطوعي»، لتصبح السلطات الثلاث، رئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة، بوضعها الحالي، معلّقة ومرتكزة على مواد دستورية جرت مخالفتها وتجاوزها أكثر من مرة. وتداخل كلّ من القائمين بها، بحسب خطط منه أو مفروضة عليه، في إبراز دور له في صناعة الأزمة، علماً بأنّ الرئاسات جاءت بصفقة واحدة وتوافق ومؤشرات ليست لصالحها، يجري الحديث عنها والتنابز في أوساط القوى السياسية وتحالفاتها. كل هذا يحصل، مع استمرار الاحتجاجات والحراك الشعبي في الشوارع، من دون تنسيق فعلي بين المتظاهرين والحراكيين وبين أصحاب القرار السياسي في حسم الموقف في العراق، داخلياً وخارجياً.
جعل الاعتذار، وحتى ما سبقه من مسار التكليف، المشهد السياسي في العراق مفتوحاً بلا آفاق، وأمام تحديات خطيرة، تسجّل مسؤوليات جسيمة على أصحاب القرار السياسي فيه، من قوى سياسية في السلطة أو في ميادين الحراك السياسي الشعبي. وهي تتطلّب تجاوز الأسس التي قامت عليها العملية السياسية، منذ عام 2003 إلى اندلاع الحراك الشعبي في عشر محافظات، غالبيتها السكانية فعلياً هي حاضنة قيادة الدولة وأهم مؤسساتها ضمن التقسيم الطائفي، والذي رفضه الحراك أو انطلق ضده، لما نتج عنه ومنه من مظالم لم يستطع إغفالها أو الصمت عليها.
أصبح الصراع السياسي، فعلياً، بين قيادات الأحزاب السياسية التي تحوّلت إلى طرف في العملية السياسية، أمام طرف الشارع، رغم وقوف جهات أخرى داخل كل طرف منهما موقف المتفرّج، ووضع اشتراطات لها عليه. وقد جعلت هذه التطوّرات الوضع مركّباً، فلا قدرة لأيّ منهما على التغيير المنشود ولا الإصلاح الموعود، إذ ظلّ كلّ طرف متمسّكاً بحجّته ومتذرّعاً بأوضاع لم تعد قادرة على الاستمرارية والنجاح من دون تنازلات أساسية، رغم التشابك، في أحيانٍ، بينهما.
الانقسامات، عمودياً وأفقياً، داخل الطرف الأول، عقّدت من إيجاد الحل أو تمهيد الطريق إليه، فلا الكتل السياسية أو التحالفات بينها، ولا الضغوط الخارجية عليها، مكّنتها من الاتفاق وتحمّل المسؤولية الوطنية. وظلّت الجهات المكوّنة لهذا الطرف بحسب التقسيم المحاصصاتي للاحتلال الأميركي وحلفائه ومتخادميه، متشبّثة بمواقف تتناقض مع التطورات السياسية والاستحقاق الوطني. فالجهات الكردية، ولا سيما رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مسعود البرزاني، وضعت شروطاً تعجيزية تُفشل ما حمله المكلّف من هدف تشكيل حكومة مستقلّين تكنوقراط، ومن خارج المسؤولين الرئيسيين في الأحزاب المتنفّذة، وكذلك بعض الجهات المحسوبة على المكوّن السني، برئاسة رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، التي توافقت مع قيادات أربيل وجهات أخرى تتناقض مع الادّعاء بتجاوبها مع أهداف ومطالب الميادين المحتجّة، وشعارات الحراك الرئيسية، في معارضة الطائفية والمحاصصة المؤسّسة على أسسها.
تزيد في تعقيد المشهد السياسي، هذه الانشطارات السياسية وتطوّرات الأوضاع العامة في البلاد، فضلاً عن أنه ليس هناك مسعى جادّ للتقريب والتوافق والحلّ من دون قناعة حقيقية بالإصلاح أولاً والتغيير هدفاً. مرور كلّ تلك السنوات والأوضاع، أكدت أنّ العملية السياسية، برمّتها، لم تعد قادرة على الاستمرار، ولا بدّ من بديل لها يوفر إمكانية الوصول إلى حلّ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أيضاً. الأزمة متشعّبة، والتدخلات الخارجية أخذت تتعمّق في التطوّرات على جميع الأصعدة. تبيّن، بالإجمال، انتهاء عرس العملية السياسية التي تكوّنت بقرارات إدارة الاحتلال ومع نفوذه العسكري ومخطّطاته الاستعمارية في الهيمنة والتحكّم في شؤون البلاد والعباد. ونبّه الحراك الشعبي ــــ الذي اندلع في أواسط العام الماضي، ونُظّم بعدها في تاريخ الأول من تشرين الأول / أكتوبر، ومن ثمّ في الخامس والعشرين من الشهر وإلى الآن، مع تموّجاته ومشاركة قطاعات مختلفة فيه ــــ إلى انتهاء تلك الفترة من العملية السياسية. كذلك، توضح هذه التطورات، بشكل صارخ، فشل العملية السياسية، وأنّ أسسها التي تستند إلى نظام المحاصصة الطائفية والإثنية والفساد المالي والإداري وشحوب الحسّ الوطني والاعتماد المنظّم على التدخلات الخارجية والتأثيرات الأجنبية، غير قادرة على التجاوز والتجديد. مع وضوح فشل الذين تبارزوا على الظهور في المشهد في تقديم أنفسهم، كرجال دولة حقيقيين والاهتمام بالمصالح الوطنية وتغليبها على غيرها. وهذه لوحدها تصبح قراراً وحكماً وإدانة، ينبغي تفعيلها قانونياً وأخلاقياً، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، لتأخذ السلطات معانيها والدولة اسمها ويعافى البلد بأيدي أبنائه وبناته، ووقف الهدر والخسران والخطط العدوانية، الداخلية والخارجية.
اللافت للانتباه، ما صدر عن جهات سياسية في طرفَي المشهد الحالي، ففي الوقت الذي تعلن فيه بعض لافتات التظاهرات في الميادين رفضها للمكلّف ولمن رُشّح قبله، بذريعة عدم التطابق مع شروط وضعتها لتكليف رئيس مجلس الوزراء، ولم ترشح أسماء يمكن الاعتماد عليها في هذه المهمة، تتمايز القوى والكتل السياسية الحاكمة والمعارضة في «تفسير» مواقفها. وقد نقلت وكالات الأنباء تصريحات متضاربة، من بينها تصريح لقيادي في «التيار الصدري»، في 2 آذار/ مارس، اتهم فيه أطرافاً سياسية بالوقوف ضد التشكيلة الوزارية التي قدّمها رئيس الوزراء المكلّف، وقال إن «بعض الأحزاب السياسية التي تعتبر الحقائب الوزارية دكاكين اقتصادية، سعت بكل ما تملك للإطاحة بحكومة علاوي، لأنه رفض إشراكهم في كابينته الحكومة الجديدة». وأضاف أنّ «الأحزاب السنية والكردية أعلنت، بشكل واضح وصريح، تمسّكها بالمحاصصة ورفضها التنازل عن الاستحقاقات»، لافتاً إلى أن «هذه الأحزاب اشترطت تمرير الحكومة مقابل الحصول على التمثيل الحزبي وليس المكوّناتي». وأشار القيادي في «التيار الصدري»، إلى أن «هذه الأحزاب تناست التضحيات التي بذلها المتظاهرون، من أجل تشكيل حكومة مستقلّة، وأصرّت على الاستمرار في النهج المحاصصاتي والطائفي».
جاء ذلك قبل أن انتقد مستشارٌ إعلامي لمسعود البرزاني، في تغريدة على موقع «تويتر»، في الثاني من آذار/ مارس أيضاً، خطاب المكلّف المعتذر، ومبرّراته للاعتذار عن تشكيل الحكومة الانتقالية، والتي عزاها إلى الضغوط السياسية التي تعرّض لها. وقال إنّ «علّاوي يحاول تعليق فشل آليته في تشكيل الوزارة على شمّاعة الضغوط السياسية، مدعياً بأنه دفع ثمن عدم تنازله لها». وخاطبه مباشرة، بالقول: «لا أبداً، فقد قدمت كل التنازلات لكنّها جاءت في الوقت الضائع، وتمّ رفض نهجك وآلياتك حرصاً على العراق لكي لا تتفرّد أنت ومن أرادك قائداً للضرورة».
بعد كل هذا، إلى أين يتجه المشهد السياسي في العراق..؟!. تراكم الأخطاء لا يوصل إلّا إلى تفاقم الأزمة واستمرارها، إذا لم يحتكّم الجميع إلى العقل والحكمة والمصلحة الوطنية بحرص ونزاهة وإخلاص وصدق وحرية واستقلال وكرامة... المشهد السياسي الحالي في العراق، يدقّ ناقوس خطر وإنذار مبكر، فهل يعي من يهمّه الأمر ويستدرك النتائج والتداعيات؟!.