نيرون يغني ، وروما تحترق … !!

جلال الاسدي
2020 / 3 / 16

خرج الشعب الإيطالي في روما وفي كل المدن على الشرفات … في سكون الليل يضلهم صمت مهيب … مجروحون جرحاً ادماهم ، ومتأهبون يملأهم الأمل والتحدي لمواجهة القادم من الغيب ، وهم يغنون ويرقصون ويضربون بالطناجر ، ويغني من يستطيع ، ويطلق من يمتلك صوتا اوبراليا عريقا في فضاء روما الشاسع … ليمسحوا بإرادتهم وحبهم للحياة أي ظل للخوف والضجر الذي بدء يزحف إلى مجالهم الحيوي ، وتتلوى بعض الشابات رقصا … كما تتلوى الافعى على أنغام الحاوي … ! مستسلمين للذت الأمل بالمستقبل … !
أستطيع ان اطلق عليها رقصة الوجع والألم التي يعاني منه الايطاليون هذه الأيام … ولا شئ كالهم يمتص السعادة ورحيقها الشهي … !
من يمكن ان يتخيل يوما ان تخلو روما وغيرها من المدن الإيطالية الجميلة المزدحمة باهلها والسائحين ، وكأنها مدن اشباح يتمدد فيها الفراغ والخوف والأسى … !
ومن يمكن ان يتخيل يوماً ان تخلوا جداول البندقية الخالدة ومدينتها الجميلة عروس البحر وحلم الخيال ومهد الجمال … المدينه الرومانسية النبيلة الساحرة المعاني … من الجندول الذي يتهادى ببطء وهدوء وسلام وهو يحمل العشاق من الغيد … سمار الليالي من ارجاء الدنيا ؟
ولكن الغناء كالبكاء ، والرقص المذبوح لم يكن الا وروما تحترق ليس على يد نيرون هذه المرة ، وإنما على يد من هو العن واكثر جنونا وفتكا وعربدةً من نيرون !
روما روما ! أيْ روما العزيزة
ما كنتِ ، وما كانت هيئتك ؟
والناس تتلوى هناك … من وحش مجنون يفتك بهم ويشعل ناره في كل احشائهم ثم يدلق الخمر في فيه مستمتعا مهللا جذلا ، ويغني كما يغني اهل روما ، ولكن بنشوة وجنون نيرون لا من اجل طرد شبح الخوف والرعب والضجر … !
وهكذا : روما روما روما ....
, أرض روما هي أرض النزاع والحب .
وتبقى الكلمة الخالدة التي قالها بروتس قبل انتحاره :
رومــــا !
وسيبقى الشعب الإيطالي الطيب بصموده يغني للحياة وعشقها ، وسيصفو الجو حتماً ويتفشى الدفء والنقاء ثانيةً … حتى يلفظ نيرون الثاني آخر انفاسه ليلحق بالأول ملعونا … وينتصر حب الحياة على لعنة الموت ، ويبقى التشبث بالحياة العزيزة وحبها واجب أصيل ، ويصدح صوت الحب الرافع بالإنسان إلى ذروة عالية في فضاء الكون ليطرد كل ما هو شر ، ويعم الخير ارجاء روما واهلها ليضئ الأمل في القلوب … كل القلوب … في كل العالم ، وليخسأ الخوف والموت والظلام واشباحهم إلى الأبد !