مصر والفرصة الحضارية البديلة: بين الازدهار والاضمحلال

حاتم الجوهرى
2020 / 3 / 14

في أوقات معينة من حياة الجماعات البشرية دولا أو أمما تكون هناك "لحظات مفصلية"، تحكم مصير ومآل تلك الجماعات لفترة طويلة مقبلة من الزمن، عادة ما يكون هناك دائما اختياران رئيسيان أمام تلك الأمم وصناع القرار فيها، اختيار سهل وميسر يقول بـ "التكيف" مع الأمور والظروف "السائدة" ومجاراتها وضبط كل مقدرات وموارد أمة ما، وفق محددات الحاصل و"النمط السائد" أو الذي في اتجاهه ليسود.

ثم هناك الاختيار الثاني الأصعب الذي يقوم على رفض ومقاومة والصمود في وجه "النمط السائد"، والتمسك بمنظومة "قيم أعلى"، ترفض "النمط السائد" أو الذي في طريقه ليسود. الاختيار الأول يؤدي لاضمحلال حضارة أمة ما وزوالها من الوجود لفترة من الزمن وزوبانها، والاختيار الثاني يستحضر الازدهار واستعادة ماا للأمة من احتمالات للازدهار والتفوق الحضاري.

التيار الأول: الاضمحلال/ الاستلاب
مصر الآن في "لحظة مفصلية" وخطيرة للغاية من حياة الأمم، تواجه ظرفا تاريخيا صعبا بوجود جماعة/ جماعات حضارية أخرى تسعى لاستيعابها، وهناك تياران رئيسيان يتدافعان بالفعل على عدة مستويات في الإدارة السياسية الحالية التي على رأسها السيد عبد الفتاح السيسي، أولهما تيار الاضمحلال الذي يروج لفكرة "الاستلاب" للآخر الحضاري والخضوع له ويبرر أن ذلك باسم: التحديث/ الغرب المتقدم/ أمريكا المهيمنة/ الصهيونية التقدمية/..، وأيضا بحجة موازية تقوم على: قصور الذات العربية/ وعجزها عن إنتاج تمثلات سوى الأصولية والتشوه/ والدعوة لحتمية للانسلاخ عنها!!

خرافة رخص تكلفة "الاستلاب" للآخر
وهذا التيار يزين رخص تكلفة "الاستلاب" والخضوع للإرث الحضاري لآخر، ويقول أن تكلفة الاضمحلال الحضاري زهيدة للغاية، والخضوع للهيمنة سيكون عائده عظيم وسخي جدا، فقط على مصر أن تفكك مزيدا من مفاهيم "الأمن القومي" وتماسكها الجماعي، وتعمل لخلق "تنخيب زائف" لا يقوم على "الفرز الطبيعي" لأفضل العناصر الموجودة في المجتمع، خاصة بتصعيد النخب الذاتية المشوهة و"المائعة قيميا" ذات "معامل الرفض القيمي" المنخفض للانتهازية والفساد، ولا مانع عندهم من "مستودع الهوية" والتزاماته الخاصة بمصر.

التيار الثاني: الازدهار/ استعادة الذات
أما التيار الثاني الحاضر بقوة رغم نفوذ تيار الاضمحلال و"الاستلاب" للآخر الحضاري، فهو تيار الازدهار أو "استعادة الذات" الحضارية والتمسك بـ "مستودع هويتها" والتزاماته، وهذا التيار تفرض طبيعة المرحلة على المنتمين –بطبيعتهم- لاختياره الشتات والتهميش نوعا، يقوم هذا التيار على فكرة مفاهيم "الأمن القومي" وتماسك الجماعة المصرية، والتأكيد على "الفرز الطبيعي" لأفضل عناصر المجتمع المصري، وفتح الطريق لـ"الكتلة الجامعة" التي تتوحد بطبيعتها مع "مستودع هوية" الذات ورفض "التنخيب الزائف".

خرافة التكلفة العالية لـ"استعادة" الذات
ينادي هذا التيار بضبط ومعيرة مميزات "الدمج والتسكين" المركزية في يد الإدارة السياسية الحالية، ويقوم على تصحيح وحوكمة معايير بناء "التراتب الاجتماعي" المصري، ووقف سياسة "إدارة التناقضات" وخلقها بداخله لتفكيك تراكم "الفرز القيمي" المتوحد مع "مستودع هوية" البلاد، ويرى هذا التيار قدرة موارد البلاد ومخزونها الحضاري على مواجهة التحديات والازدهار. وهذا التيار على شتاته يصمد بقوة في وجه دعاوي تيار الاضمحلال ومبررات "الاستلاب" للآخر الحضاري، وتزيين فكرة غنائم الهزيمة والخضوع للهيمنة والدوران في فلك الآخر الحضاري.

التدافع بين الفرصتين الحضاريتين: الاستلاب للآخر واستعادة الذات
اقتراب لحظة حتمية الحسم وتقرير المصير
بيت القصيد في هذا المقال هو أن "اللحظات المفصلية" للدول والأمم والجماعات البشرية (كمثل اللحظة الآنية التي تمر بها مصر والدول العربية مع حلم "التغيير/ الربيع العربي" والثورة على عجز/ وبنية "دولة ما بعد الاستقلال")، تحمل بداخلها فرصتين متدافعتين إحداهما للازدهار والأخرى للاضمحلال، وأن وقت المناورة بين الفرصتين يكاد ينتهي، وتقترب لحظة الحسم والوضوح.
بشائر الاضمحلال والضغط لتمريره، ومعه "خطاب الاستلاب" في مصر والوطن العربي كثيرة الآن، يضغط تيار "التكيف" مع "النمط السائد" حضاريا لفتح الطريق إعلاميا وثقافيا لدعاة خطاب "الاستلاب"، ويسعى لتحويل "الاستلاب" لقاطرة تعيد تشكيل بقايا "النخب المنهزمة" من معارك القرن الماضي في مصر والوطن العربي..
في حين يعمل ويستمر في العمل تيار الازدهار ومعه خطاب "استعادة الذات" في ظروف صعبة للغاية، ويراقب محاولات "التفكيك" ومحطات الهزيمة ومساعيها، وما أسهل على بعضهم من غواية التحول لصوت "احتجاجي" معارض، والتوقف عن حمل المسئولية "الجماعة المصرية"، وتقديم البدائل لتيار الاضمحلال وخطاب الاستلاب ومساعيهما. تيار الازدهار و"استعادة الذات" يسعى للعمل خارج "المناطق المحروقة" إرث الصراع التاريخ، الذي هو نتاج القرن الماضي بين اليمين واليسار العربيان..


مفاصل التدافع والحسم بين الفرصتين الحضاريتين
صفقة القرن/ سد النهضة/ ثورة يناير العظيمة
تيار الاضمحلال سيزين قبول بنود "صفقة القرن"، والتكيف مع "سياسة الصنبور المتحرك" وقبول "سد النهضة" كما هو، وسيزيد من القطيعة مع مطالب "ثورة يناير" ومشروعها لتجاوز مرحلة "دولة ما بعد الاستقلال" وبناء دولة المؤسسات و"المجتمع الفعال".
تيار الازدهار يسىعى بكل قوته للتحذير من "صفقة القرن" ومخاطر "الصنبور المتحرك" عند منبع نهر النيل، وينادي باعتبار ثورة يناير "لحظة مفصلية" تضيف للأمن القومي المصري ورصيده، ويقول بوجود فرصة حضارية بديلة تقوم على الازدهار وتحول "الثورة المصرية" لنموذج حضاري جديد، يتجاوز "المسألة الأوربية" وتبعاتها ويرشد العالم من خلال "منارة أمل" جديدة، بتقديم نموذج لـ"الثورة القيمية" الواضحة في العالم بعيدا عن إرث "المسألة الأوربية" وتمثلاته المستهلكة عالميا وعربيا ومصريا.

مؤشرات ترجيح فرصة الاضمحلال
هل ينقلب الاختيار في الللحظة الأخيرة
الفرصة الحضارية واحتمالها البديل تضيق للغاية الآن بالنسبة إلى مصر، سيتعين على الإدارة السياسية الحالية أن تحسم أمرها وأمر البلاد لفترة زمنية طويلة قادمة، وإ كانت هناك بعض المؤشرات المقلقة الدالة على انتصار الإدارة السياسية الحالية لتيار الاضمحلال و"الاستلاب". لحظة حسم الاختيار بين البديلين من جانب الإدارة السياسية الحالية تقترب للغاية، وتطرق الأجراس بشدة موجعة يكاد المرء معها أن يصم أذنيه، تضيق فرص المناورة وإمساك العصى من المنتصف، يكاد ثقل قراءة المؤشرات في اتجاه "الاستلاب" والاضمحلال أن يكون كحمل الجبال أو أشد وطأة على النفس، متابعة المؤشرات تجبرك للأسف أحيانا على الصمت الطويل، ضوء المسئولية من فرط شدة محدداته ترغب فيه بإغلاق عينيك ولو لوقت قصير، لتستريح من عناء ما تراه وشيكا وآيلا للسقوط.

كل الأمنيات
ألا نفوت الفرصة الحضارية البديلة
كل الأمنيات ألا تختار الإدارة السياسية الحالية ما تزايدت مؤشراته بشكل مقلق، ولا تستسلم لغواية مبررات "الاستلاب" الحضاري للآخر الأمريكي/ الصهيوني، ومن يزينون خيار الاضمحلال والتبعية له. "استعادة الذات" والازدهار الحضاري له تكلفة أرخص كثيرا مما يحاول البعض ترويجه، إعادة الضبط والمعايير لبنية "التراتب الاجتماعي" المصري أفضل كثيرا من "إدارة التناقضات" وخلقها فيه، كمسار لبناء "المجتمع الفعال"
في يد الأمم وصناع قرارها، تكمن الفرصة الحضارية والفرصة الحضارية البديلة، تكلفة كل منهما تقوم على فهم واستيعاب المآلات، أحيانا ما يكون البصر ومدد الشوف مؤلما للغاية، أحيانا ما يكون إغلاق العينين عن الواقع مجرد راحة مؤقتة وموجعة.. وتكتفى مغمضا بالحلم والأمنيات، والأمل الذي لا ينقطع أبدا.