من دروس مأساة اللاجئين في المنطقة الحرام بين تركيا واليونان

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 3 / 10

تتواصل مآسي اللاجئين بخاصة منهم النساء والأطفال وأولئك المضارين في صحتهم. ففي وقت كانت دول الاتحاد الأوروبي أقفلت حدودها، بالاستناد إلى حلول بديله عقدت في ضوئها اتفاقات مع تركيا، دفع السيد أردوغان بأفواج من آلاف اللاجئين إلى المناطق التي تشكل خطراً على حيواتهم وهو يعلم سلفاً بحقيقة الحدود المقفلة.. لكنه لم يأبه حتى بحيوات الناس وحقوقهم يوم أومأ لقوى عنصرية تركية لتزيد الضغط بارتكاب مختلف الاعتداءات على طالبي اللجوء كي تدفع بهم نحو الحدود المغلقة..
إنّ اللعبة السياسية واستخدامها اللاجئين ورقة الضغط على أوروبا لابتزازها كيما تدفع مزيد أموال لأطماع الحاكم التركي وفلسفته الأخوانية الإسلاموية تتم كما هو مكشوف للعالم أجمع بدفع جموع من اللاجئين ما يمثل مقامرة بأمن الناس وحقوقهم وحيواتهم! وهو ما جرى ويجري اليوم في المنطقة الحرام بين البلدين...
لإن اللاجئ الذي لا حول له ولا قوة أمام عنف الأزمات التي تطحنه من حروب دموية يشعة ومن كوارث اقتصادية واجتماعية ليس لهم سوى السعي من أجل ظروف عيش آمنة مستقرة، لم يجدوها في بلدانهم ولا في بلدان الممر..
اليوم يتعرض اللاجئون للبلطجة والعنف في تركيا وفتح باب أحادي لهم كي يكرهونهم على العبور إلى أوروبا؛ بما يفيد استخدامهم ورقة ضغط وابتزاز لحصد مزيد أموال ولإيجاد منافذ سياسية للإفلات من صراعات أخرى تدور ميدانيا عند تخوم تركيا المندفعة هي الأخرى لضخ الأموال والأسلحة والأعتدة لقوى إرهابية واحتلال أراضٍ بدل مشاركة المجتمع الدولي لحل المشكلة ولاحترام سيادة دول الجوار...
ويتعرض اللاجئون لاستقبال بالقنابل المسيلة للدموع وحتى بالأسلحة الأمر الذي تبرره الحكومة اليمينية اليونانية مستثمرة الموقف الأوروبي ولكنها لا تملك مبرراً في ممارستها القمعية وإطلاق اليد لقرارات التخلي عن المحددات الأممية لاستقبال اللاجئ كما تقطع المخصصات المالية النورة الضئيلة عنهم وتضعهم بمعازل لا تتوافر فيها الشروط الصحية كما أن تلك الحكومة تطلق للقوى النازية فرص الصدام مع المتضامنين مع اللاجئين فتتسبب بحرائق تظل مقيدة ضد مجهول!
إن الكارثة المقابلة لاختلاق أزمة انتقال اللاجئين بدل معالجة مشكلاتهم باتت تفتح البوابات واسعة أمام تشكيلات النازيين الجدد وصنع تحالفات مخصوصة لا تكتفي بمعاداة اللاجئين ولكنها تضخ الكراهية والعداء وسط الجمهور الأوروبي كما تضخ أيضاً الخطاب والهوية العنصرية وسط شعوب القارة. وقد ساعد في هذا حكومات يمينية المنحى كما هو الحال في اليونان.
إنَّنا نشارك عددا كبيراً من المنظمات الأوروبية وتلك الأممية والمحلية في أنشطتها الميدانية لمكافحة تلك النزعات العنصرية وخطاب الكراهية وفي إصدار أشد بيانات الإدانة لمنحى الحكومتين التركية واليونانية وسلوكهما، كما نؤكد هنا الحل الموضوعي البديل المتجسد في أنّ رؤية قوى اليسار الجذري الأوروبية تمثل ذاك الحل الناجع عبر دعوتها لانهاء السلوكيات العنصرية وسياسات العداء والكراهية، وكذلك العمل من أجل تمكين اللاجئات واللاجئين من الوصول إلى الاستقرار بصورة قانونية مشروعة؛ فضلا عن تحويل المبالغ الفلكية المخصصة للعسكرة نحو تمويل المشروعات التنموية اقتصاديا اجتماعيا وسياسيا، إلى جانب لجم ظاهرة تصدير السلاح لمناطق الصراع والأزمة وأكثر من ذلك تسريب السلاح نفسه لقوى إرهابية عبثت وتعبث باستقرار البلدان وأمن شعوبها ما يدفع بتلك الحشود ويعرضها للمعاناة ولأشكال الابتزاز والتجيير.. بوقت يظل النهج السلمي والتعايش واحترام الآخر سبيلا ناجعا قويا لمجابهة مشكلات الإنسانية جمعاء..
إننا لا نرى في دعم السيد أردوغان والخضوع لابتزازه مدخلا للحل. كما لا نرى صوابا في ترك اللاجئين لرحمته إلا كونه منحه فرصا مضاعفة للعبث وتجيير الأوضاع لأشكال من الابتزاز.. يجب أن يكون لأوروبا منطقها القائم على الاستقلالية ورفض الخضوع للابتزاز ووضع الحلول المثلى في التعامل مع الأزمات العاصفة بصورة تنهج منهج المساعدة على صنع السلام والاستقرار وتوفير الأمن لشعوب مازالت تؤكد كفاحها من أجل حياة حرة كريمة مستقلة بعيدة عن عصف العنف والكراهية وتخندقاتهما.. ولعلنا نرى بوضوح مآثر شعوب العراق وسوريا ولبنان وتمسكها بسلمية كفاحها رفضا للعنف ولأشكال التدخلات وبحثا عن وسائل تطمين السلم الأهلي بخلاف فلسفة الجندرمة والعنصريين الترك وما يختلقون من اسباب غدامة الحروب المحلية وترحيل أزماتهم نحو الخارج..
فلتتخذ شعوب أوروبا طريق السلام والالتزام بمنطق القوانين الحقوقية الأممية وتكبح جماح التسلح والصرف غير الموضوعي على تطوير الأسلحة وأدوات العنف وخطاب الكراهية.. لنكن بثبات مع الخبرات التي منحتنا إياها الحرب العالمية الثانية ووقائع الحروب الإقليمية أي رفض الوقوع بأحابيل وأباطيل الكراهية ونزعات التسلح المتوحشة..
إن المرصد السومري لحقوق الإنسان ومعه الحركة الحقوقية أمميا ومحليا تنادي بصوت موحد أنْ: عاش السلام.. عاش التمسك بمنظومة الحقوق والحريات ولتندحر قيم العداء والعنف والكراهية ولنوسع معالجاتنا معا وسويا في هذه الموضوعة التي نراها كما كرة الثلج تشكل مخاطر لا على مجموعة لاجئين ولكنها تهدد البشرية جمعاء واولها شعوب الاتحاد الأوروبي واهتزاز ثقافة السلام والتعايش فيها.. فلنكن معا وسويا لأجل الإنسانية بلا تمييز أو اختلاق لأسباب صراع وصدام.. فهل نتبنى ذلك قبل فوات أوان!؟