صادرات النفط إلى كردستان العراق تمنح الاكراد السوريين شريان حياة مالي

سعد السعيدي
2020 / 3 / 10

محمد حسين من السليمانية ورواز طاهر وكاثي أوتن من أربيل وجمال ناجي من الفلوجة مع فريق تحرير تقرير نفط العراق (*)

ترجمة سعد السعيدي

تتدفق الالوف من براميل النفط يومياً من سوريا إلى إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي ، في تجارة غير شفافة عملت لعدة سنوات كشريان حياة مالي للحكومة التي يقودها الأكراد في شمال سوريا وجناحها العسكري ، قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقد تطورت التجارة منذ أن بدأت لأول مرة العام 2014 ، حيث ما زال الغموض يلف الكثير من التفاصيل. لكن الصادرات توفر حاليا عشرات الملايين من الدولارات شهريا وفقاً لتقرير نفط العراق استنادا على مقابلات مع مسؤولي النفط في سوريا ، ومسؤولي الحدود في العراق ، وتجار النفط والوقود ، ومشتري الخام في كردستان العراق ، والمسؤولين العسكريين الأجانب.

وقال زعيم سياسي بارز في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا المعروفة باسم روجافا "لدينا النفط ونبيعه لمن يشتري. إنه سوق حر ، ويمكن لأي شخص أن يتاجر في أي شيء يملكه... تتم إدارة عائدات النفط من قبل الإدارة المستقلة لشمال وشرق سوريا. وتستخدم كلها لتوفير الخدمات والأمن في مناطق هذه الادارة".

تقوم روجافا أيضاً باستيراد المنتجات المكررة ، حيث توفر مصدرا رئيسياً للوقود إلى شمال شرق سوريا الذي يفتقر إلى بنية التكرير. تأتي هذه الواردات من إقليم كردستان وفقاً للعديد من المشاركين في التجارة ، ومن العراق كذلك وفقاً لما قاله شيخ عشيرة في محافظة الأنبار مطلع عليها ، وتحقيق لهيئة النزاهة العراقية الذي اتهم أربعة موظفين في معبر ربيعة الحدودي لتسهيلهم تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية.

من الواضح بأن الامر يتعلق بملايين الدولارات لكل من ادارة روجافا والوسطاء المشاركين في هذه التجارة الذين يشاع عن توافرهم على صلات سياسية. ووفقاً لأحد تجار النفط وآخر يعمل في تصفية الخام السوري ، تبيع سلطات روجافا النفط مقابل 60 دولاراً للطن (حوالي 9 دولارات للبرميل) ، ليعيد التجار بيعه بين 240 و 260 دولاراً للطن (اي حوالي 35 دولاراً للبرميل) إلى مصافي التكرير في كردستان العراق محققين ربحا كبيرا. وقد قدم مختلف المشاركين في هذه التجارة من المسؤولين روايات متباينة حول ما إذا كان قادة حكومة الاقليم يسهلون بنشاط تجارة الخام والوقود مع روجافا أم انهم فقط يسمحون لمجموعة اطراف مستقلة لان تستغل الحدود المفتوحة. وعندما سئل عن مشاركة حكومة الاقليم في التجارة ، قال متحدث باسمها : "ليس لدي أية معلومات للأسف".

تضع تجارة الخام والوقود بين روجافا وكردستان العراق حكومة الاقليم في خضم مواجهة جيوبوليتيكية معقدة. إذ تعتبر الحكومة التركية بان (قسد) هي فرع لحزب العمال الكردستاني الذي بدوره يُعتبر منظمة إرهابية من قبل كل من الولايات المتحدة وتركيا ، حتى على الرغم من أن (قسد) كانت أيضا شريكاً رئيسياً للجيش الأمريكي في حملته ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

والحكومة التركية هي أيضاً شريك اقتصادي رئيسي لحكومة الاقليم ، كونها تسيطر على الطريق الوحيد للاخيرة لتصدير النفط الخام.

في تشرين الاول 2019 ، استغل الجيش التركي الانسحاب الأمريكي الجزئي من شمال سوريا لشن هجوم ضد (قسد). وقد بقي الجيش الأمريكي في بعض المناطق الغنية بالنفط في سوريا التي يسيطر عليها الأكراد. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين في تشرين الثاني 2019 خلال اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "النفط بيدنا ، وقد قمنا بتأمينه. لقد تركنا قواتنا هناك فقط لاجل النفط".

خام المحمودية

وقال العديد من كبار المسؤولين الأكراد السوريين ، سواء من المتعاملين حاليا في تجارة النفط الخام أم ممن بدأوا التعامل به عندما تم الاتفاق حوله العام 2014 ، بان مصدر الخام السوري هو حقلي الرميلان وجبسة. وقد قدم مسؤولون مختلفون من المشاركين في هذه التجارة روايات متضاربة حول كمية النفط الخام المتجه إلى العراق والطرق المستخدمة.

وقال سليمان خلف وزير الطاقة السابق في روجافا الذي قدر بانه لا يمكن حاليا لرميلان وجبسة من إنتاج أكثر من 120 ألف برميل/ اليوم انه "بعد إبعاد إرهابيي داعش ، بدأنا في إصلاح معظم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية ، ويمكن رفع الإنتاج إذا كان بالامكان تصديره. وطرق التصدير كانت دائما تمثل مشكلة لنا".

في السابق عندما كانت تحصل حكومة الاقليم على الكثير من النفط من كركوك ، "كان النفط الخام يتدفق إلى السوق المحلية لتكريره من حقول أخرى في كردستان العراق" حسب مالك مصفاة التكرير البسيطة: "من حقول خورمالة وطق طق وعين زالة وطاوكي". ولكن عندما فقدت حكومة الاقليم السيطرة على باي حسن وآفانا ، حولت الانتاج في تلك الحقول الأخرى من السوق المحلية إلى التصدير.

وقال مالك المصفاة انه "بعدما استعادت قوات الأمن العراقية السيطرة على حقول [كركوك] النفطية ، وفر لنا الخام السوري امكانية الحفاظ على أعمالنا".

وقال تاجر محلي للوقود والنفط الخام "السوق المحلي لا يتلقى الخام من خورمالة ولا من طق طق أو طاوكي. تقوم حكومة الاقليم بضخ كل الخام من هذه الحقول إلى انبوب التصدير. ما هو متاح لسوق التكرير الآن هو خام المحمودية".

إن عملية شرائه سهلة نسبياً ، حسب ما ذكره مالك المصفاة والتاجر المحلي. يلتقي الباعة والمشترون في سوق غير رسمي لتجارة الوقود يشار إليها ببساطة باسم "البورصة" ، حيث يتفقون على الحجوم والسعر. ثم يودع المشتري مبلغ الشراء في حساب بنكي أو حساب صرافة. قال مالك المصفاة "يجب أن تدفع ثمن الخام حتى قبل ان تستلمه. ولا يمكنك طرح أسئلة مثل من سيأتي به ومن أين. فعندما يحين الوقت ، سيصل الخام إلى عتبة بابك".

قام مسؤولون مختلفون بتقديم تقديرات متفاوتة لحجم التجارة الكلية والتي تقلبت على مر السنين. يقول مسؤول كردي سوري بارز مشارك في هذه التجارة بانها "حوالي 45 الف برميل يومياً". وقد قدر مسؤول عسكري أجنبي رفيع معدل التصدير بانه يتراوح ما بين 25 الف ب/ ي و 35 الف ب/ ي. وقال تاجر نفط في كردستان إن البورصة وحدها ترى ما بين 7 آلاف و 11 الف ب/ ي.

وقال مالك المصفاة بانه "من المستحيل تقدير عدد براميل الخام التي تأتي من سوريا على أساس يومي لأن الواردات تجري بعيدا عن الاعين".

الحدود المخترقة

ثمة كميات صغيرة من النفط الخام والوقود تعبر ايضا الحدود العراقية السورية في محافظتي نينوى والأنبار الواقعتين تحت السيطرة العراقية.

جذبت تلك التجارة بعض التدقيق من هيئة النزاهة في بغداد التي أعلنت في 13 شباط بأن أربعة موظفين في معبر ربيعة الحدودي قد أدينوا بتهمة تهريب النفط الخام والمنتجات المكررة. وقالت الهيئة في بيان بانهم "قد سهلوا التهريب ... بالتلاعب بأوراق التصاريح حيث سهلوا تهريب 1500 صهريج".

لا يزال غير واضحا ما إذا كان يدخل خام سوري الى العراق أم أنها مجرد منتجات عراقية مكررة يتم نقلها بالشاحنات إلى روجافا. وقال عبد الرحيم الشمري عضو البرلمان العراقي من محافظة نينوى ، بان كلي الخام والوقود ينقلان من العراق إلى سوريا.

كان امر التهريب سراً معروفاً منذ أكثر من عامين ، بما في ذلك عند معبر القائم الحدودي وفقاً لما قاله شيخ عشيرة في محافظة الأنبار والذي لديه معرفة مباشرة ببعض اطراف هذه التجارة. وقد تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأن المستفيدين من التهريب يزعمون بانهم يضمون مجموعات قوية شبه عسكرية لا تريد الكشف عن دورها. وقال الشيخ بانه "لا يمكن لاحد أن يرفع اصبعه" لوقف التهريب ، "لا قوات الأمن ولا مجلس المحافظة".

وقال بان طرق التهريب قد تغيرت مؤخراً رداً على تطورين: الضربات الجوية الأمريكية على طول الحدود ، وتعيين اللواء ناصر الغنام رئيساً لقيادة عمليات الأنبار التي تنسق بين قوات الأمن العراقية في المحافظة. واضاف الشيخ انه بينما كان هناك ما يتراوح بين 100 إلى 150 صهريج يمر عادة عبر المعابر الحدودية الرسمية كل شهر ، صاروا الآن مضطرين لاستخدام طرق أكثر سرية.

لا يزال غير واضح من أين يأتي الخام والوقود في العراق. وقد حاول تقرير نفط العراق الاتصال بالمسؤولين في مختلف المصافي التي يشاع أنها مصادر وقود هذه التجارة ، لكنهم رفضوا اجراء المقابلات لهم.

وقال شيخ الأنبار بان "عمليات تهريب النفط ... تكسب المال للأشخاص المؤثرين. ويخشى الكثيرون على حياتهم لذلك لا يمكنهم الحديث عنها".


(*) مقالة نشرت بالانكليزية بتاريخ 19 شباط 2020 على موقع تقرير نفط العراق