رواية النهار راح للدكتورة رجاء بوستة ،رواية تحتفي بمبدأ الاسرة، قيمة مجتمع

نائلة الشقراوي
2020 / 3 / 8

تقديم رواية النهار راح :
الباحثة نائلة الشقراوي :

حين نختار الكتابة الروائية يكون هم الكاتب أن يتحكم بسير الأحداث و وتحرك الشخوص الرواية على ركحها. احيانا تكون النهاية متوقعة واحيانا يأخذه السرد الى ما لا يتوقع .النهار راح عنوان الرواية وهي نفسها الجملة التي تكررها البطلة كثيرا ،احد شخوص الرواية هي الأم و ككل ربات البيوت التونسيات تكون العائلة هي محور اهتمامها والنجاح في إدارة شؤون البيت والأسرة من أولوياتها فيتحول الانجاز الى هاجس يهدده عامل الزمن ،الاسرة بالرواية هي نموذج للعائلة التونسية بتطلعاتها ومشاغلها واهتماماتها وشبكة العلاقات الموسعة التي تعيش فيها .وعلى هذا الاساس بني سرد رواية النهار راح ليكون جوهره المجتمع التونسي واقعه وقضاياه ولتكون جميلة هي الوطن الذي يحضن الجميع .ولهذا فإن الرواية كانت حاملة في جوهرها لعدة مبادئ تؤمن بها الكاتبة حول الاسرة والتعليم والاخلاق والزواج ،حاولت ان توزعها على شخصيات روايتها فحمل البعض منهم الملامح النفسية والفكرية التي ارادتها ،كاتبة كرجاء بوستة التي امتهنت طيلة عقود مهنة بالغة الإنسانية كالطب، وان ما نمتهنه سوف نمارسه بكثرة بديهيا وهذا يعني انعكاس وترسخ ادواته على العقل الباطن فكلما ترسخت ادوات المهنة فيه كلما تداخلت مع الأسلوب ،لذلك رجاء بوستة شرحت الواقع ادبيا وعلميا و كان محرك قلمها الاساسي ما تربت عليه وما كرست حياتها لفهمه ولإرسائه فهي تؤمن بقيمة العلم، وبأن الاسرة المتوازنة لابد ان تحافظ على الروابط التي تجمعها بالأسرة الموسعة من الجد الى الأحفاد حتى تسهل المحافظة على القيم وتدعيمها ،هذه النظرة المثالية والواقعية التي يجب ان يكون عليها المجتمع بأكمله لابد من البحث فيها قبل نقلها حتى يظل مجتمعنا التونسي على ماهو عليه من تجانس رغم التهديدات و التغيرات .في بيتنا سكنت ألفة هو العنوان الثاني للرواية واستعمال فعل سكن في الماضي هو إشارة الى ان الأمر متصل بتاريخنا الاجتماعي فنحن هكذا نتشارك افراحنا واحزاننا .واستعمال الماضي إشارة لما طرأ من تغيرات على مجتمعنا تحكيها الكاتبة مضمنة بذكاء في أحداث روايتها تباعا ،تلك التغيرات بعضها يهدد وجودنا الخاص والبعض الآخر يهدد الوطن ككل .وهنا كانت جملة النهار راح التي قد يفتتح بها اليوم أو تنطقها جميلة لتنهي حوارا ما بينها وبين أحد من العائلة تذكيرا لهم بما علق من واجب لابد من إنهائه .الزمن فوبيا تتملك البطلة ،تحاول ان تتغلب عليه ان تنجز اكثر ما يمكن من المشاغل المتعلقة بأسرتها الموسعة ،سباق محموم مع الزمن تكثر بموجبه الحركة عند الشخصيات مما يعطي ديناميكية على السرد وحيوية في الحوار تصوره الكاتبة تصويرا سينيمائيا يوحي لنا ان العمل كتب على هذا الأساس أو ليكون سيناريو لعمل درامي.الرواية نموذج جيد للأدب الواقعي ،نظرة الكاتبة للواقع كانت قريبة جدا من أي قارئ يسهل عليه ان يجد نفسه في التفاصيل الدقيقة منه التي برعت الكاتبة في وصفها مما يجعلنا نقول بأنها رفعت نفس شعار المناصرين للأدب الواقعي "الادب في سبيل الحياة " لكن لم تكتب الواقعية الساذجة المستعينة بالتصوير الفوتوغرافي الجامد للواقع و الخالي من الاسلوب الأدبي الذي يبقى جوهره الأساسي الجمال في الاسلوب والتعبير ،وهو ما يذكرنا بأسلوب نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة. فجاءت لغة السرد جامعة ما بين العربية السليمة القريبة من مستوى كل القارئ والعامية التونسية العذوبة خاصة في الخطاب المؤلف للحوار .

شخصيات الرواية اختارت الكاتبة شخصياتها بذكاء فكل شخصية كانت حاملة لموقف ومبدأ ما ولقضية من قضايا الرواية ،فجميلة الأم هي تونس الجميلة ،رمز العطاء والحب ،جميلة التي لم تشعر يوما بالملل أو التعب من خدمتها العائلة إلا لما أحست بالخطر الذي يهدد شمل الاسرة حينها انهارت كل قواها وكادت تستلم للموت لو لا أمل ،أمل البنت المتخصصة في التاريخ والحضارة ذكرت اخوتها بماضيهم الجميل وطالبتهم بالتضحيات فكانت الصوت المستأنس بالماضي ليحيي الحاضر ،و استعانة الكاتبة بالتاريخ اخذ حيزا مهما في الرواية ، يذكرنا بأسلوب الكاتب المصري صنع الله ابراهيم فالكاتبة تستند للتاريخ وتقدم المعرفة دون أن يكون ذلك على حساب روائية الرواية الفنية ، فالروائي ليس مؤرخا وانما يوظف بعض الشواهد التاريخية التي لها تأثير على الشخصيات والفكرية لذلك أوكلت رجاء بوستة مهمة التوثيق لشخصية من داخل السرد هي سلوى التي تقدم المعلومة دون إسقاط .

تختلط الازمنة بالأمكنة دون أن يتدنى المستوى الفني للسرد أو تطغى المعلومة على احداث الحاضر .والجدير بالذكر ان الرواية التي تكتب الواقع المستند للتوثيق تعتبر مستقبل الرواية العربية اذ لابد من كتابة الذاكرة لمواجهة زوال الزمن بالتقادم .وقد يكون التاريخ هو عقدة الرواية لكن ليس كمعلومات ودروس وانما كوقائع متصلة بالاحداث ومؤثرة بها بدأ من أول هاجس خطر كان يتحكم بنفسية البطلة ،هاجس العدوان الصهيوني على حمام الشط وما خلفه من فوبيا ورعب لدى جميلة ظل يتحكم بانفعالاتها سنوات طوال ،وكذلك ارتباط العائلة بالمكان بمسقط رأس الأم طبربة بما فيها من معالم تاريخية تحدثت عنها سلوى كان دافعا للشعور بالانتماء والفخر للأبناء واهلهم ،المكان يتضخم في الشعور والعقل الواعي ليصبح مسألة وجود و عقدة الرواية الذي بدأت الروائية رجاء بوستة في بنائها مذ بداية الأحداث .هجرة الأدمغة هي الخطر المحدق بنا ،الوطن الذي كانت اولياته التعليم يفاجأ بنكران الجميل من ابنائه الذين يهبون طاقاتهم الابداعية ومعارفهم المتطورة للغرب .الكاتبة قبل ان تدين هذه المسألة ومن خلال التسلسل المنطقي للأحداث قامت بتعرية الأسباب والاشارة إلى ما يعيق طموح الشباب ويجعل الكفاءات التونسية تعجز عن تحقيق احلامها داخله فتتخلى عن جذورها مرغمة وتينع مواهبها في غير أرضها ،لم تعد مسألة الهجرة اذن تشمل من لا عمل له وانما عائلات الأب والأم فيهم إطارات طبية أو تعليمية تفضل العمل خارج البلاد لما توفره البلدان الأخرى من واقع أجمل لهم .ليتواصل الهاجس والخطر رغم بعض علامات انفراج الازمة الذي بدى من استعداد الدكتورة شادية للعودة لكن ماذا عن الآخرين.؟

قيمة رواية النهار راح تأتي مما اثارته من قضايا بأسلوب الواقعية الناقدة critical réalism التي يتوازى فيها خط السرد للأحداث مع السعي القيمي للكشف عن اسباب المشاكل المؤثرة بالمجتمع ،وتأتي من اسلوبها العفوي السلس الذي يجعلك كقارئ تتماهى مع الأحداث لتصبح أحد شخوص الرواية أو تألف الوجوه التي برعت الكاتبة في بنائها لنراها اقرب إلينا وجدانيا أو فكريا بما يجعلنا داخل إطار الصورة التي تنقل المشاهد.