عن مسلسل الخيبات والخراب والخيانات في مستنقع مصر العسكري في انتظار الإنهيار الكبير..السودان وسد النهضة كمثال

أمين المهدي سليم
2020 / 3 / 7

"الخرطوم تتحفظ على قرار عربي بالتضامن مع مصر والسودان في ملف سد النهضة" و "السودان: إثيوبيا صديقنا الحقيقي الذي نحتاجه.." و "أمريكا تخطر السودان بانهاء جميع العقوبات الاقتصادية".
إذا أضفنا إلى هذه المواقف مقابلة البرهان لنتنياهو في 3 فبراير الماضي في عنتيبي، ثم أضفنا أيضا الموقف الإثيوبي الإيجابي من الثورة السودانية ضد الحكم العسكري الإخواني، سيتشكل لدينا مسلسل مترابط ليس في حقيقته سوى نتائج لمقدمات طويلة استهلكت 7 عقود تقريبا، يمكن تجريدها دون خلل كبير في أربع حلقات : أولها سياسات جمهورية يوليو العسكرية في أفريقيا وخاصة في القرن الأفريقي والسودان وكامتداد لنفس سياسات اللصوصية والقمع الشعبوية "الوطنية" الداخلية، ثانيا النظام العربي وتوجهاته القومية والوحدوية، ثالثا الدائرة الإسلامية والأيدلوجية الدينية في كافة تلوناتها ومايطلق عليه طروحات معتدلة أومتطرفة أوإرهابية، وكلها كانت أدوات رسمية وإن تخفت أو تسترت أحيانا. رابعا العلاقات السرية مع إسرائيل والتى كانت فاعلا قويا لايقلل منها عنصر الخفاء، ولكنه يصبغها بصبغة خاصة لايجعلها من المقدمات المحسوبة وتحتاج إلى موضوع خاص لتقييمها. ليس من التعسف في اعتقادي أن نطلق على الدوائر الثلاثة الأولى أنها دوائر العقم والفشل والتخريب والفراغ الكبيرة، وفي كل جوانبها الإنسانية والأخلاقية والسياسية والإستراتيجية، ليس لأنها سياسات أبوية فوقية وتسلطية، بل لأنها فاشيات فارغة ليس فيها مايمكن أن تقدمه للعلاقات الاجتماعية الأفقية بين الشعوب أو بين الشعب الواحد لأنها كلها خصما من اسس الاجتماع الإنساني. إذ كانت السياسات المصرية تعتمد على سياسة فرق تسد الاستعمارية ودعم الإنقلابات العسكرية والنظم الديكتاتورية ضد الشعوب، ولم يكن النظام العربي مختلفا عن ذلك حتى أنه يمكن القول أن الجامعة العربية ليست إلا ناديا للمجرمين والطغاة، ولم تكن الدائرة الإسلامية في حقيقتها سوى فراغا كبيرا ليس له أي أسس ثقافية ولا اقتصادية ولا اجتماعية ولا سياسية، فقط خطاب مبهم غامض باسم هوية اكراهية مزيفة، وكان ساحة للجدل والنفوذ بين جناحي النظام العربي الاقطاعي بفرعيه البترودولاري والعسكري، واستخدموا فيه كل الوسائل بما فيها التطرف والإرهاب الإسلامي. ولم تزد أدوات جمهورية يوليو وفاعليتها عن استخدام الأزهر والعمائم المأجورة ومدينة البعوث والفكر الجهادي، بجانب أعمال المخابرات القذرة وتدبير الإنقلابات، ولم تكن هوامش التعاون الاقتصادي أو العلمي أو الاجتماعي وكل مايتعلق بمصلحة الشعوب لها تأثير يذكر.
كان أول الهاربين علنا من الفشل والعقم والإفلاس لهذه الدوائر الثلاثة إلى الأمام وفي اتجاه خدمة المخطط الإمبراطوري الصهيوني لبنيامين نتنياهو هو النظام المركزي العسكري المصري المؤسس الأساسي لهذه الدوائر الثلاث، ودون أي مقدمات سياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية تماما مثل كل سياساته في الدوائر الثلاث الأولى، بل ان الحصاد في هذه المجالات في الدائرة الرابعة الصهيونية ظل بالسالب وضد السلام والتعايش والتعاون بين الشعوب وبما فيها الشعب الإسرائيلي.
إنذارات الفشل والأخطاء والجرائم بل والخيانات كانت كبيرة وكثيرة، ولكن المدركات وامكانية الحوار كانت أقرب إلى الصفر، وغير مرغوبة في أفضل الأحوال.
ثم انفجرت فجأة أزمة سد النهضة وكأنها ظهرت من العدم، وبالطبع ليس هذا صحيحا كما أثبت رصد كل السياقات والعودة إلى تاريخ التحضير الطويل، والذى يجد تفسيره فقط في العلاقات التى كانت سرية مع إسرائيل.
كان يمكن أن يمضي كل ذلك في سياقات الضوضاء وذر الرماد في العيون من كل الأطراف التى ليس من صالحها تقييم أو حتى ذكر هذه المقدمات إلى أن انفجرت الثورة السودانية ضد تحالف العسكر ةالإخوان؛ فطفا كل شيء على السطح، وكان ملاذ السودانيين من تراكمات فشل وتخريب الدوائر الثلاث الأولى مزيج من اللجوء إلى الثقافة الأفريقية العفية والأقرب إلى الحرية والحداثة والمساواة من كل الدوائر الأولى وبما لايقاس، ولكن كان بين طياتها مشروع سد النهضة، الذى يتضمن دورا كبيرا لإسرائيل ومن خلفها كل الفاعلين الدوليين اللذين يعتبرون المنطقة العربية الإسلامية منطقة كارنتينا مظلمة وموبوءة. ولهذا كان لابد من حضور الدائرة الرابعة وعلى نحو علني بعد أن أنهت مصر العسكر مرحلة السرية طبقا لشروط نتنياهو. وهكذا التحمت توجهات وسياسات مجلس السيادة السوداني بكل نتائج الدوائر الأربعة وتتالت المواقف شبه الصادمة، ومن بينها طبعا المكافئات التى تلقاها من الغرب، ولن تتأخر المكافئات من باقي الدول.
لم يكن لدى سيسي رئيس جمهورية الاقطاع العسكري المركزية المصرية مايرد به على كل ذلك سوى التوغل في الفشل والتخريب والتصريح بتهديد ضمني عقيم وكأنه يمضغ الفراغ :"مصر تواصل مساعيها لتعزيز جهود تحقيق الاستقرار والسلام بجنوب السودان" يقصد طبعا التدخل التخريبي في شئون السودان.
ليس غريبا بالطبع أن جمهورية الاقطاع العسكري المتسلطة على المصريين ستكون الخاسر الأكبر بالرغم من أنها مركز الدائرة الرابعة أيضا، ولكن لنفس الأسباب في خسارات الدوائر الثلاثة الأولى، لأن الدافع في كل المرات كان استمرار النظام الاقطاعي العسكري على حساب كل الشعوب وفي مقدمتها بالطبع الشعب المصري.
وهكذا تتلخص وضعية مصر في أن المجال المدني الذى هو الشعب والوطن والدولة تم تخريبه وتفكيكه بالكامل تشيع فيه نسخة تدين شرير ومتطفل ومتخلف ومنفر وقبيح، بوسطة جيش جبان حقير فاسد لحد التعفن منزوع الإنسانية والأخلاق والوطنية، لم يعد يصلح لشيء سوى أنه مجرد جهاز قمع وحشي ضخم، وأكبر شبكة مافيا وتجسس وتهريب وسمسرة وجباية وتخريب وخيانة مسلحة في التاريخ، ومجرد وحدة خدمات خلفية رثة لجيش الدفاع الإسرائيلي. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي