صفعة القرن والشارع العربي

كاظم الموسوي
2020 / 3 / 7

في لقاء تلفزيوني في محطة أجنبية ناطقة بالعربية مع ضيف من القاهرة سالتني المذيعة أسئلة وضعتها في باب استباق "جس النبض" أو معرفة التوقعات لما سيحصل في الشارع العربي بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقته التي حملت عناوين مختلفة متناقضة مع موضوعها وهدفها، وبحضور طرف واحد من اسمها، دون حساب أو سؤال عن رد فعل الطرف الثاني رسميا، وما يتبعه من موقف الشارع العربي والإسلامي عموماً. كان جوابي سريعا: سينتفض الشارع العربي مدينا ورافضا لكل ما أعلنه الرئيس الأمريكي وإدارته ولمن توافق معه ومن يتخادم معه فيها، وسترين ذلك بتنامي الغضب الشعبي والاحتجاجات في كل الوطن العربي والعالم الإسلامي، واولا طبعا في فلسطين. واردفت بسؤال آخر عن رموز معروفة كانت تقود التظاهر، غير موجودة حاليا، وان الإدارة الأمريكية اختبرت الشارع بإعلان القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي والسيادة على الجولان وغيرها ولم نر ما تقوله. فاضفت لها، صحيح ما قلتيه ولكن الأحداث تتوازى مع ادوار الشخصيات البطولية والكاريزمية وتتراكم هذه الحالات بتوفر ظروف محرضة معها، وصحيح تعاني الجماهير الشعبية الان ظروفا قاهرة، في الأغلب الاعم، من حصار اقتصادي وتجويع وخنق واضطهاد واستبداد سياسي وغير ذلك، الا أن كل الحراكات الشعبية التي اندلعت في أكثر من بلد عربي رفعت مع مطالبها المشروعة علم فلسطين وشعارات تدافع عن قضية الشعب الفلسطيني. وهذه ستخرج، ربما ليس اليوم أو غدا ولكن الشارع العربي لن يصمت وستندلع انتفاضة في فلسطين وخارجها. ونلتقي ونتحدث عنها. أغلبية المؤتمرات والأحزاب السياسية والاتحادات والهيئات الشعبية في الوطن العربي وخارجه أصدرت بيانات استنكار وإدانة وشجب للصفقة وما حملته، يوم اعلانها (2020/01/28). وهذه المنظمات السياسية لها جماهيرها واعضاؤها ولن تكتفي بالمواقف المكتوبة.
دعوت الى خطوات تقوم بها الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية تثبت فيها أعمالها الاحتجاجية والاضراب والاعتصام في مواقعها ومؤسسات عملها التي تؤثر في صناعة القرار والإتجاه السياسي. لاسيما الاتحاد العام التونسي للشغل والمغربي وغيرهما ممن أصدر بيانات ومواقف واضحة، خاصة نقابات عمال النفط والغاز و الموانيء والمواصلات الاخرى وغيرها. ولاشك أن أعمال هذه الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية تعكس أفعالا مخلصة لقناعات وايمان بالقضية الفلسطينية ورفض أي مشروع لتصفيتها وانكارها.
مواقع التواصل الاجتماعي شاركت بالتعبير عن الشارع العربي ورفضه الحازم لصفقة ترامب - نتنياهو، وخططها العدوانية، واسهمت في إبداء رأي عام إلكتروني ومن مواقع مختلفة عن الموقف العام من خطة ترامب وصفعته للشعوب العربية والإسلامية جميعا، والشعب الفلسطيني خصوصاً.
التظاهرات التي غطت الشوارع العربية، في اغلب العواصم والمدن من مشرق الوطن العربي مرورا إلى أقاصي مغربه، وفي كل المخيمات الفلسطينية فيها، وحتى بعض العواصم الخليجية والتي بعضها حضر ممثلون لها الاحتفال الرسمي باعلانها، خجلا وتواطؤا واستلاب إرادة وخيار وطني، بينت عزيمة شعبية وإرادة صلبة في دعم القضية الفلسطينية ورفض الصفقة والمخططات الصهيوامريكية. وقدمت بخروجها الكبير وشعاراتها وحجمها والمشاركات فيها صورة أخرى لرفض الشارع العربي وإصراره على الوفاء للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. وقالت كلمتها ورأيها في الإعلان الأمريكي ورفضها القاطع، سواء في الخطب والكلمات التي قيلت فيها أو في الشعارات واللافتات التي رفعتها الجماهير ، مع كل ظروفها وحتى مع تغيرات المناخ وصعوبات البيئة.
ورغم كل الضغوط واحيانا التهديدات أصدرت أغلب الحكومات العربية بيانات، تشجب فيها الانحياز الأمريكي الكامل للمشروع الصهيوني والعمل على تصفية القضية الفلسطينية. وباضعف الايمان استنكرت الصفقة واعلنت تضامنها مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. وعبرت عنها بشكل عام جامعة الدول العربية واجتماعها الاستثنائي وبيانها الختامي. ومن ثم لحقه اجتماع البرلمانات العربية في عمّان وما حصل فيه من مواقف صريحة وادانات كاملة.
رغم أن جامعة الحكومات العربية والبرلمانات العربية لا تعبر فعليا عن حقيقة المشاعر الشعبية والمصالح القومية بشكل كامل وفعلي، الا انها قدمت ما استطاعت إليه سبيلا. وعبرت عن هموم عربية وتطلعات اكبر من مشاركات وتخادم بعض حكامها مع الصفقة والمخطط الصهيوامريكي. وبالتأكيد لم يحصل هذا لولا ما حدث في الشارع العربي والإسلامي من حراك شعبي احتجاجي، وهو انعكاس إيجابي ولو لفظي في صورته وإعلانه.
في الواقع كشف الشارع العربي والإسلامي في أكثر من موقف ومؤتمر وبيان وتظاهر واحتجاج حكمه القاطع في مصير الخطة الصهيوامريكية، وأنه لا يمكن للصفقة أن تمر، وأن الصفقة أو الصفعة أو المؤامرة الجديدة المتجددة من وعد بلفور مرفوضة بالكامل وانها لا يمكن أن تكون فعلا وان الشعب الفلسطيني سيقبرها كما فعل مع ما سبقها. وان ظروف اليوم لا تتوافق مع سابقاتها، فالثورة التقنية ووسائل الإعلام والاتصال ستلعب ايضا دورا في نقل رفض قطاعات إجتماعية واسعة للصفعة والرد عليها بما يليق بها، وتضعها في مزبلة التاريخ.
ومع وضوح الأمر من أن الخطة أو الصفقة جريمة منذ أول تسريب أو خطوة لها، والموقف الشعبي منها واضح ايضا، الا أن هناك نقدا حادا لما يواجهها، باسمها وعنوانها وخطواتها، منه ما يتعلق بتشوش التقييم الموضوعي لها، وارتباك التقدير السليم لإمكانيات المواجهة العملية. وقد يكون للبعض من النقد حجته في ضعف ما حصل عما كان عليه في تواريخ سابقة، أو صمت مقابل محاولات تطبيع وحث على التنازل والتراجع عن الثوابت الوطنية والقومية والإسلامية والدولية. وقد تكون للأوضاع الفلسطينية الداخلية ما توفر فرصة أو مجالا لها. ومن هنا ورغم ما أعلن من تقارب أو تفاهم سريع بين الفصائل الفلسطينية في الرد الموحد على الصفعة والعمل المشترك بإسقاطها عمليا. يصبح السؤال الملح في ضرورة الوحدة الوطنية الفلسطينية اولا وتعزيزها عمليا، وقراءة جدية لدروس التجربة التحررية الفلسطينية، وانتفاضات الشعب الفلسطيني ودور القيادات والفصائل فيها والبرنامج الواضح في المقاومة الشعبية بكل أشكالها واساليبها. وان تكون الصفقة تحديا مصيريا جديا آخر لا يمكن مواجهته دون الموقف الموحد والإرادة الجامعة والخيار المشترك. ولا بد من الوعي بهذا الدور وهذه المهمة والخطو بها بتنسيق كامل وفعال. إذ لا يمكن مقابلة التحدي بوضع أُستثمر لإعلان الصفقة واستخدم لتمريرها والتعويل عليه في اجراءاتها، وسيكتب التاريخ مسؤولية من يضع العراقيل ويمارس التواطؤ ضمنا والتفرج علنا والصمت غالبا. فالوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية ليست مطلبا ملحا، وحسب، وانما ضرورة رئيسية للمواجهة والمقاومة والتصدي الحاسم. متكاملة بوعي ناضج لمهمات المرحلة التحررية على ضوء برنامج وطني جامع، وتواصل قوي مع الشارع العربي الذي يتحرك بالتوازي للدعم والاسناد.. وهنا الوردة فلنرقص هنا.. ومعا!.