بالرغم من مرور 28 سنة مازال السؤال معلقا..لماذا اغتيل فرج فودة؟

أمين المهدي سليم
2020 / 3 / 3

يتردد هذا السؤال كلما حلت ذكرى اغتياله أو عند رحيل أحد أعضاء محكمة التفتيش التكفيرية الإخوانية الرسمية التى أحلت دمه في يناير 1952 في معرض الكتاب في القاهرة، ونقابة المهندسين في الإسكندرية، أو كلما نشبت ملاسنات بين مدعي التنوير وبين التكفيريين، ولا أقول محاورات لأن ثقافة الحوار مفقودة في ظل غياب المعارف الحرة وحرية البحث، فضلا عن ضياع قيمة الحقيقة والحرية والإنسانية أصلا في الفضاء العمومي في مصر.
إذا صدقنا مؤقتا الفرضية الشائعة عن أن اغتياله كان بسبب حربه على "الإسلام"، أو نقده المرير للإسلام السياسي أو للشيوخ وللخطاب الديني الوهابي المتشدد، كل بحسب جهة تقديم السبب. في اعتقادي أن هذه مجرد الشجرة التى تحجب الغابة، إذ لايعقل أن نظام يوليو العسكري الذى يعتبر الإخوان المسلمين وطوائف الاصوليين والسلفيين المتطرفين ومنظمات الإسلام السياسي الإرهابية، وحتى الأشراف والطرق الصوفية والجمعية الشرعية، كل هؤلاء هم الاستثمار السياسي الاستراتيجي طوال 68 سنة منذ الإنقلاب العسكري الإخواني في يوليو 52، وأحد أهم أدواته في مواجهة مقاومة الشعب ومجتمعه المدني للتسلط والهزائم والقمع الوحشي والفشل لهذا النظام. لايعقل أن هذا النظام دفع هؤلاء مع مايسمى "هيئة علماء الأزهر" وشيوخ النظام من أمثال متولي الشعراوي ومحمد الغزالي ومحمود مزروعة ومأمون الهضيبي، لوضع خطة متماسكة للتكفير ثم التنفيذ لاغتيال فرج فودة، وأن ذلك لأسباب دينية أيا كانت.
في سياق المنطق السائد يمكن فهم فبركات وتلفيقات محمد عمارة المتوتر المكفهر دوما، والمتحول بين العصور مثل عديدين مثله، هذه التلفيقات من نوعية أن المغدور قال عن إسرائيل :"قتلاهم شهداء، وشهداؤنا قتلى"، رغم أن فودة فقد أخيه في حرب اكتوبر، وعين محمد عمارة بعدها في 4 مناصب رسمية في الأزهر وغيره وفي السعودية بعدها، أو فتاوى والأحكام المأجورة الإرهابية لشيخ النظام منذ أيام عبد الناصر وحتى وفاته محمد الغزالي بالاضافة إلى شهادته الضالة المضللة في المحكمة، وبالمناسبة تلقى تهنئة من مبارك بعد الشهادة في المحكمة في 1993، وكافأه بجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في 1996، وكذلك يمكن فهم هجوم احد كتاب النظام الإسلاميين مثل فهمي هويدي في جريدة الأهرام، ولكن هذا المنطق يطرح سؤالا هنا : لماذا كان هجوم كتاب النظام وصحفه غير الإسلامية إذا؟ مثل عزت السعدني في ص 3 في الأهرام وبعنف فج مقيت؟ والعديد من الكتاب والصحف الناصرية واليسارية مثل الأهالي وفي مقدمتهم صلاح عيسى الذى فبرك ولفق أيضا معلومات اتهامية لفودة مثل تصدير "ليف" استحمام لإسرائيل!، لماذا تدخل هؤلاء بقوة في هذه الحملة ولأسباب مختلفة ومتنوعة في مقدمتها "التطبيع"؟، وكل هؤلاء من منابر وكتاب النظام.
سؤال آخر في هذا السياق أيضا يخص الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية المباحثية، والتى لها أيضا فرع مخابراتي عسكري، اليس غريبا أن يتذكر فجأة وفي التسعينات رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ التى نشرت مسلسلة في الأهرام فقط قبل أكثر من 32 سنة، وبعدها مباشرة وقعت محاولة الإغتيال، وعلى نفس منوال فرج فودة، ولكن بسلاح أبيض يتناسب وشيخوخة نجيب محفوظ، وبشباب ريفي بسيط جاهل لايقرأ ولا يكتب، أى كباش فداء زائدة عن الحاجة الاجتماعية. ولابد من اضافة أن عمر عبد الرحمن عندما ارتكب التحريض والتخطيط للإرهاب في الولايات المتحدة، وخلال المحاكمة وبعد الحكم بسجنه مدى الحياة كان المتكفل بمصاريف المحاماة الباهظة ومصاريفه طول الوقت هو السفارة المصرية بواشنطن، وعندما توفي تكفل السيسي بمصاريف شحن جثته إلى مصر، وقدم العزاء لأسرته، وأرسل مندوبا رئاسيا للجنازة!.
إذا وضعنا كتابات فرج فودة ونجيب محفوظ في معايير الفكر النقدي للإسلام كمعتقد إيماني، أو النافي له كدين، أو النقد الفج الشخصي للنبي محمد، أو ضمن تصنيفات الكتابات الإلحادية أو اللادينية في التاريخ الحديث للثقافة المصرية، لن تنطبق عليهم كل هذه المعايير التى تنطبق على العشرات من الكتاب والمفكرين من معاصريهم، ذلك أن كل مؤلفات فرج فودة تنطلق من داخل الإسلام نفسه وليس من منطلق فلسفي أو وضعي، وكان دائم الترديد للشهادتين وكثيرا ماكان يقول عبارات مبجلة للإسلام والقرآن. وكان نجيب محفوظ أقرب إلى المتصوفة في خطابه العام.
إذا وضعنا في الاعتبار أن الموقف الرسمي والأمني من الشخصيتين كان رافضا لهما، فقد منعت رواية أولاد حارتنا من النشر في مصر بقرار جمهوري من عبد الناصر وبعد تقرير مرفوع من الشيخين الإخوانيين وأعضاء النظام الخاص سيد سابق ومحمد الغزالي. ورفضت لجنة الأحزاب الموافقة على حزب المستقبل الذى قدمه فودة مرتين، ورفض الأمن طباعة ونشر كتابه "زواج المتعة"، والأنكى أن الأمن سحب الحراسة على فرج فودة قبل اغتياله ب 10 أيام، وكان هو مندهشا من هذا التصرف، وخرج وزير الداخلية القاتل النصاب عبد الحليم موسى ليدلس (بعد الاغتيال) ويقول أنه هو أي فودة الذى طلب رفع الحراسة.
التورط الرسمي لنظام العسكر في الجريمتين واضح كالشمس؛ فما هو الدافع ثانية؟، أعتقد جازما أن الدافع هو نفسه الرابط بين الشخصيتين، وهو الرابط الذى أوردهما في قائمة المقاطعة العربية البعثية تحت إدارة نظام حافظ الأسد الطاغية المجرم الإنقلابي بائع الجولان وتوأم نظام عصابات يوليو في مصر، والذى يربط معهما أشخاص آخرين تعرضوا لمحاولات اغتيال بدني ومعنوي وحصار لمثل د.عبد العظيم رمضان، ومثل كاتب هذه السطور. هذا الرابط هو الإيمان بالسلام كهدف والتفاوض السلمي كأداة في حل الصراع العربي الإسرائيلي، وتبني الحوار والتعايش المدني والتعاون المشترك مع الشعب الإسرائيلي، وتداخل المصالح كحل لإيقاف الخسائر والتدهور في القضية الفلسطينية ونيل حقوق الشعب الفلسطيني. وهنا يجب أن نلاحظ أن هذا نفسه كان دافع جنرالات الكنوز الاستراتيجية لاغتيال السادات، لأن علاقات السلام والانفتاح على الشعوب الأخرى يقوي الشعوب والمجتمعات، والسلام كقيمة إنسانية وأخلاقية يستدعي قيم الحرية والتقدم والمساواة، وهذا عدو الاقطاع العسكري رقم واحد، ولذلك فور اغتيالهم للسادات شرعوا في عسكرة علاقات السلام مع إسرائيل، وأعادوا تجديد التحالف مع اليمين التوسعي الإسرائيلي، وقدموا كل ماتيسر من تنازلات، في مقابل ابعاد الشعوب عن المشهد.
هذه القضية هى أخطر قضية على مستقبل النظام العسكري الخائن المنحط في مصر، وهى توجه كاشف لتاريخ خياناتهم وتحالفهم وعلاقاتهم السرية مع اليمين التوسعي الصهيوني، والتى بدأت منذ الإنقلاب العسكري الصهيوني في يوليو 1952، وانتهت إلى يد سفاح لص فاسد وخائن عسكري معد مسبقا هو السيسي. (اللينكات في الكومنتات) #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي