الحماية القانونية للمعطيات الشخصية بالمغرب دراسة – مقارنة

عزيز باكوش
2020 / 2 / 25

الحماية القانونية
للمعطيات الشخصية بالمغرب
دراسة – مقارنة
تقديم : عزيز باكوش

في تقديم سامق خص به الدكتور محمد بوزلافة عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس هذا الإصدار المتفرد في مجال الحماية القانونية للمعطيات الشخصية بالمغرب ، نقرأ أن البحث هو في الأصل أطروحة جامعية تقدم بها الباحث عبد المجيد كوزي لنيل شهادة الدكتوراه في الحقوق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس . ويتوخى من خلاله معالجة موضوع ذي راهنية كبرى وطبيعة خاصة، اعتبارا للتطور الرقمي الذي عرفه العالم والذي اقتحم بلا استئذان العديد من المجالات، وترتبت عنه الكثير من الانعكاسات، منها ما رافقه من المخاطر المهددة للحق في الحياة الخاصة بفعل الاستعمال غير المحدود والاستغلال المفرط للمعطيات الشخصية للأفراد والجماعات. لذلك يؤكد د. بوزلافة على أهمية الجدل الفقهي والقانوني الذي عرفته المعطيات ذات الطابع الشخصي ، والآثار الخطيرة للثورة المعلوماتية، ومفعول الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت)، ودخول تكنولوجيا الإعلام والاتصال في أدق تفاصيل ممارساتنا الإدارية والاقتصادية والقانونية على الصعيدين الوطني والدولي، بالنظر إلى التحولات التكنولوجية العميقة الواقعة بمختلف أرجاء المعمور .
لذلك ، حاول الباحث عبد المجيد الكوزي من خلال الدراسة التي أنجزها أن يستعرض تمظهرات الحق في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وتجلياتها في المجال المعلوماتي ، مبرزا التأصيل التاريخي انطلاقا من الحياة الخاصة في بعدها التقليدي والحديث، وصولا للمعطيات الشخصية في المجال المعلوماتي زمن الأنترنيت والعولمة ليؤكد أن الحياة الخاصة تبقى محصنة ولا يمكن الحد منها إلا بقانون .

ويؤكد من خلال الدراسة وتحليل فالمعطيات الشخصية من حيث طبيعتها القانونية أنها تحتاج لمزيد من الحماية والتقنين أمام ما يشهده العالم الرقمي من تحولات على مختلف الأصعدة خاصة في مجالات المعاملة التجارية، حيث أصبح للمعلومة كمعطى شخصي قيمة اقتصادية يصعب تجاهلها
ويمضي الباحث موضحا الجهود الدولية والإقليمية التي تمخضت عنها اتفاقيات وإرشادات توجيهية أوروبية وعربية في مجال حماية المعطيات لمواجهة التهديدات التي تطال الحياة الخاصة للأفراد والمخاطر المحدقة بهم جراء التطورات الغير مسبوقة في تاريخ البشرية في المجال التكنولوجي وارتباطها بالشبكة العالمية للمعلومات "الانترنيت ليخلص في النهاية إلى أن طبيعة النظم المعلوماتية وعلاقتها بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تحتاج لمزيد من التقنين ، وذلك أمام هول التحديات التكنولوجية المتنامية يوما بعد يوم ، فبقدر الحاجة لمشاريع التنمية والبحث عن إيجاد فرص جديدة لتشغيل العاطلين، بقدر الحاجة لتطوير منظومتنا الإدارية والقانونية لمواكبة التحديات الرقمية.
أما على صعيد الموارد البشرية ،فيؤكد الباحث عبد المجيد الكوزي على أن الجانب المؤسساتي في الدراسة أخذ منه جهدا كبيرا في تحليل مقتضيات القانون 08-09 حيث يعتبر عدد الأطر والأعوان العاملين باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي غير كاف ويحتاج لموارد إضافية مؤهلة ومتخصصة لحل العديد من الملفات التي تصل للجنة الوطنية من مختلف القطاعات والمؤسسات العمومية وشبه العمومية ومؤسسات القطاع الخاص. وخاصة تلك العاملة في مجال ترحيل الخدمات ، وأيضا على مستوى تركيبة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي . وأنها لا تضم في تشكيلتها ممثلا عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان ،ولا ممثلا للمجتمع المدني الذي أعطاه دستور 2011 صفة الشريك الأساسي لتحقيق التنمية كما تعتبر الدراسة عدم وجود قاض أو قضاة بالصفة ضرب لمصداقية اللجنة الوطنية واستقلاليتها . أيضا تمثيلية قضاة المجلس الأعلى للحسابات لايمكن تغافله لحماية الحقوق الاقتصادية للدولة والأفراد وحماية التجارة الإلكترونية .
وتسجل الدراسة ملاحظات غاية في الأهمية على مستوى الطبيعة القانونية للجنة الوطنية كما تسجل أيضا كثرة الاستثناءات على مستوى التواصل الوطني والدولي ودور القضاء في حماية المعطيات.
كما تقدم الدراسة مقترحات لما تراه مناسبا وضروريا لتطوير القانون وإخراج اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من واقع الكمون نحو أفق عالم حيوي يتمتع بالاستقلالية الواقعية ، وتحمي الحقوق والحريات ، بداية من تكثيف الجهود في مجال التربية على حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من خلال العديد من الحملات التحسيسية لفائدة المواطنين والمواطنات من أجل نشر الوعي المعلوماتي لدى مستعملي الأنترنيت وتعريفهم بالمخاطر المحدقة بهم وبمعطياتهم الشخصية خاصة لدى الأطفال.
في خاتمة الكتاب يعتبر الباحث المعطيات الشخصية من أهم عناصر الحياة الخاصة باعتبارها عنوان كرامة الإنسان باعتبار أن مبدأ حماية المعطيات الشخصية يشكل مبدأ من مبادئ حقوق الانسان ،والمغرب كباقي دول العالم يتوفر على إطار قانوني يستجيب للمعايير الدولية ذات الصلة بحماية المعطيات الشخصية من خلال القانون 08-09 وملتزم بتطبيق الاتفاقية الدولية 108 في المصادقة النهائية على البروتوكول الإضافي للاتفاقية والذي صادق عليه مجلس أوروبا . كما يتوفر المغرب على لجنة وطنية قدمت العديد من الاجتهادات الفقهية من خلال مداولتها ومستفيدة من مستجدات الاجتهاد القضائي في أوروبا والذي يعود له الفضل في تحيين القوانين الأوروبية والتي وجدت صداها واضحا في القانون الأوروبي RGPD الذي دخل حيز النفاذ بالمغرب منذ ماي 2018 بغية تحقيق التوازن المطلوب بين الضرورات الاقتصادية والحماية الأمنية والحق في الحياة الخاصة
ويخلص الباحث في نهاية المطاف الى التأكيد على ضرورة تطوير الاليات الوطنية والدولية لإصدار توصية اممية جديدة تواكب العالم الرقمي في مجال حماية المعطيات وتتجاوز الاختلالات السابقة على المستوى الدولي والدولتي مع الإصرار والامر انه بإمكان اللجنة الوطنية لحماية مراقبة المعطيات ذات الطابع الشخصي ان تكون قاطرة لتطوير الاقتصاد الوطني اذا تم تجاوز العديد من المعيقات التي تحول دون اقناع العديد من المهتمين بجدواها كمؤسسة للحكامة والتقنين المنصوص عليها دستوريا .(وقد تم قبول هذا المقترح وقررت اللجنة الأممية لحقوق الانسان تعيين مقرر خاص بحماية المعطيات الشخصية )
ويضيف العميد في تقديمه للإصدار أنه بفضل الطموح الكبير في بناء دولة القانون والمؤسسات، اعتمدت المملكة المغربية استراتيجية وطنية هادفة للأمن الرقمي وحكامة الأنظمة المعلوماتية وتحيين الترسانة التشريعية، من خلال إصدار مجموعة من القواعد الحمائية المتكاملة، من أجل خلق توازن بين الأهداف المرصودة ومتطلبات المغرب الرقمي لدعم خلق فرص الاستثمار الوطني والأجنبي من جهة، ومن جهة أخرى لتحقيق الأمن القانوني في شقه المعلوماتي، وبالتالي التصدي لكل الممارسات التي تهدد السلامة المعلوماتية والأمن التكنولوجي وحماية الحقوق والحريات وفي مقدمتها حماية الحياة الخاصة تماشيا مع مقتضيات الدستور المغربي .

ومن ناحية ثانية يعتبر عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس بكل نزاهة وموضوعية،إن مؤلف الأستاذ الدكتور عبد المجيد كوزي وفق إلى حد بعيد في سبر أغوار موضوع " الحماية القانونية للمعطيات الشخصية بالمغرب "ودراسته دراسة مقارنة مستفيضة، ليس من خلال تحديده الآليات والضوابط القانونية لهذه الحماية، عن طريق بسط المرتكزات التشريعية للحياة الخاصة في المجال المعلوماتي، ومناقشة مدى تأثير البعد الدولي في توفير الحماية الكاملة للمعطيات الشخصية، وتوضيح التحديات الإدارية والاقتصادية والقانونية التي تواجهها حماية المعطيات الشخصية بالمغرب، فحسب، بل لبسط و بيان الآليات المؤسساتية لتوفير الحماية المذكورة للمعطيات الشخصية، من خلال دراسة الآليات القانونية الناظمة للحماية في شخص اللجنة الوطنية لمراقبة المعطيات الشخصية، وإبراز الدور الرقابي للقضاء في مجال الحماية، وعرض آفاق التوجه الدولي الجديد.

ويرى في القراءة المتأنية لهذا المنتوج الفكري، أهمية المجهود المبذول فيه، سواء على مستوى عمق التحليل، أو على مستوى تحيين وتطوير كل المعلومات والمعطيات المرتبطة بموضوع الدراسة، والتي تتميز بوقوفها على آخر المستجدات الواردة في النظام الأوربي الجديد لحماية المعطيات الشخصية، والذي دخل حيز التنفيذ بالمغرب سنة 2018، إن الأمر يتعلق بدراسة تتميز بجديتها وأبعادها الحقوقية، الأمر يجعل من هذا المؤلف بحق مرجعا قانونيا مهما يزخر بالمعطيات والأحكام القانونية الموثقة والدلائل المرجعية على المستويين الوطني والدولي، وقيمة مضافة للخزانة القانونية بالمغرب وبالوطن العربي أيضا، وأرضية قانونية وعلمية ستنير الطريق للباحثين والطلبة والممارسين في مختلف الحقول المعرفية وشتى مواقع المسؤولية.

وإذا كان المؤلف الدكتور عبد المجيد كوزي،قد تفوق في الإحاطة بشكل كبير بجميع الإشكالات التي يثيرها موضوع الدراسة مجيبا عن سؤال الحماية القانونية للمعطيات الشخصية، ودور الدولة في تحقيق التوازن المطلوب بين الضرورات الأمنية والحق في الحياة الخاصة. فإن نشر ودعم هذا البحث الأكاديمي الجاد من قبل جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية هو دعم للجامعة المغربية وللمنتوج الحقوقي الوطني المميز، سيشكل مساهمة قوية في تعميم وإشاعة الوعي القانوني بأهمية حماية المعطيات الشخصية خاصة، والحقوق الرقمية عامة؛ وبالتالي المساهمة في التفكير في تطوير الإطار التشريعي الخاص بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. يقول العميد .

** الدكتور عبد المجيد كوزي دكتور في الحقوق أستاذ باحث في التشريع والقوانين الرقمية ومتخصص في المعطيات الشخصية والجرائم المعلوماتية.
خريج جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية القانونية الاقتصادية والاجتماعية بفاس خريج المعهد الدولي لحقوق الانسان بستراسبورغ والمعهد العربي لحقوق الانسان بتونس، عضو المجلس الوطني للمنظمة الوطنية لحقوق الانسان وعضو الشبكة المغربية للحق في الحصول على المعلومة RMDI.
صدر للمؤلف كتاب :حرية التعبير وضمان حقوق الإنسان :دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون . وقريبا سيصدر كتابا في موضوع : المصلحة الفضلى للأحداث في نزاع مع القانون ، دراسة تحليلية لمقتضيات المسطرة الجنائية والقانون الجنائي والعمل القضائي