المدجج بالتأويل، الشاعر عبد الفتاح بن حمودة حالة شعرية خاصة

نائلة الشقراوي
2020 / 2 / 24

عشبة لكل فم للشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة والصادر عن أطياف الثقافية سنة 2019 هي مجموعة نصوص انتقتها مجلة نصوص من خارج اللغة واصدرتها تماهيا مع جوهرها الثائر عن السائد .هل يجوز ان تليق مفردة الثورة فقط بمجمل تلك النصوص أم تلك المفردة هي مجرد اختزال لعالم أوسع تأخذنا القصائد اليه لمقاربة الحقيقة دون أن نستعين بأجنحة إيكاروس فنحترق قبل بلوغها .؟عبد الفتاح بن حمودة أجنحته اكثر متانة من الشمع والريش وأكثر قدرة على التطويع والتوظيف ،انها الأسلوب واللغة كما يقول سارتر "لا يستخدم الشاعر الكلمات بحال ولكنه يخدمها" الثورة اذن تبدأ عند الشاعر على الاسلوب واللغة ويتخد منهج التحديث كحالة خاصة تشبه كثيرا حالة ادونيس في كتابته لقصيدة النثر ،اذ لا تعد قصائد الديوان نموذجا وانما انموذجا لكاتبها فقط و تدرس دون مقارنة مع السابق .حين نتناول قصائد الديوان بالتحليل نجد أن المذهب المنهج الشكلاني(وهو مؤثر ايضا في التحليل البنية) هو الأقرب في التعاطي معها إذ ان النصوص تجذبنا وبقوة الى البحث عن مواطن الجمال بها من الخارج اولا ثم من حيث البنى فالشاعر تخلى عن المعمار الهندسي للنص (شطرات أو جمل عمودية)وكتب نصا شعريا هندسته شبيهة بالنص السردي ،لكنه ليس سردا بل قصائد نثر وبامتياز .إن التخلي عن تلك القيمة في كتابة الشعر والتي يلجأ ،إليها شعراء النثر للإيحاء بأن المكتوب هو شعر والذي يسهل على القارئ تمعن كل صورة شعرية على حدة مع كل نقطة توقف تسمى قفلة من شأنها ضمانة الإيقاع وإيجاد ترابط بين النص وموسيقاه ،تلك التقنيات كلها تخلى عليها عبد الفتاح بن حمودة و عوضها بأدوات الربط ،الفواصل والاستفهام ، ليصبح النص وحدة جمالية كاملة من حيث المبنى والمعنى الذي لا يرهق القارئ كثيرا اذ ان الشاعر لم يغرق نصوصه في رمزيات فجة لمجرد الاستعراض اللغوي والفني وانما كتب النص المكثف الذي يدس المفردة في غير محلها ظاهريا لكن حسن التوظيف يجعلها وكأنها تناسلت منها وتفرعت لتخلق عالمها الفني وبصمتها الخاصة بالشاعر ،فكانت القصيدة من عبد الفتاح حمودة كما قالت سوزان برنار ( قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور) وليس هناك اكثر شفافية من البلور ،وتلك هي المفارقة ،نص شفاف سهل جدا إدراكه وتمثله رغم كثافة المعنى و لغته المبتدعة والبعيدة عن الرمز الكثيف الذي يضعنا في مأزق السيريالية تلك الصفة والتقنية التي تنفر البعض من قصائد النثر ،وعنها قال الشاعر معرفا مضامينها واهدافها في قصيدته رجل هندي (كلمات مثل أعشاب أو بذور أو مرثية في النجوم أو تغريبة لهندي أحمر ) ،كما يقول في قصيدة العشبة والبذرة (الكلمة نوعان ،نوع مثل العشبة التي تحرق اليد وآخر مثل البذرة التي تلسع الظهر ) من هذه التعريفات الموجزةالتي لم يكتبها الشاعر ليشرح بها مفردة وانما حتى يفهم الآخر تجربته ورؤاه إذا ما اعطينا لكل كلمة منه ابعادها القريبة قبل البعيدة فكما قلت الشاعر ليس اشكالية غامضة وانما هو رؤية متجسدة تحتاج فقط إلى آلية تأويل تثبت جدوى الانزياح الدلالي بمختلف أشكاله و الذي يعتمده في كتابة نصوصه والتي هي في نفس الوقت حجة شعريته .
عبد الفتاح بن حمودة شاعر التأويل ، لم يقبل بالواقع على علاته بل ويصل حدود الكفر به وهو على تلك الحال عبر تحويل كل ما فيه الى النقيض أو التعامل معه بقفازات تنسجها حروفه الخاصة التي تجعل من الكتب اواني والأقلام ملاعق يتناول بها المعرفة أو مصباحه المنتصر على العتمة، هو شاعر يبحث عن النور بكل ما فيه من أبعاد ،يبحث عن إضاءة من الداخل يريدها أن تغزو الخارج حتى لا يحتاج الشمس التي ترسل أشعتها للجميع ومع ذلك لا يدركونها ولا يستشعرون حقائقها ،والجدير بالذكر ان علاقته بالشمس ليست عادية فهو يذكرها كثيرا يجعلها كشاهد على حالاته ،يرنو إليها كثيرا ،يحادثهاو يطلبها لكنه يبصق عليها في الأخير .عكس اللهب المقدس و الضوء الذي يحكي عنه كهدف ومطلب نهائي (سألت بستانيا قال العشبة ،عشبة الضوء سألت حطابا قال الشجرة شجرة الضوء ،سألت فلاحا قال الزهرة زهرة ضوء ،سألت شاعرا قال الكلمة كلمة الضوء) الشمس والضوء هما حقيقة واحدة ظاهريا لكن كما البذرة والعشب الثنائية التي حيرته ولم يعرف ايهما يختار وايهما ينتهي به الى الحقيقة فإنه ظل على رفضه للبداهة التي يقبل عليها العامة .و مع هكذا شاعر لا يقبل بالتأويل العام للظواهر وللوقائع بمختلف عناصرها المادية والمعنوية نسلم بأحقيته في يكون الشاعر الذي يكتفي بتأويله الخاص فيسلك النهج الذي يتواءم مع فكرته وإحساسه بها ، _فالنور داخله ولا جدوى من البحث عنه خارج المادة_ لذلك هو يسعى الى اثبات رؤاه و يخروج بالنص عن سياق المتوقع حتى لا يكرر البصمة التي يحاول غيره من الشعراء الاشتغال عليها فتأتي رغم جدية المحاولات مزيفة .