الفتنة أو إشكالية الإسلام برمته

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 2 / 23

إلى اليوم، وبعد أربعة عشر قرنا، لازال بعض المسلمين، يطلقون إسم "محمد علي" على أبنائهم. نذكر أن الملاكم العالمي في الوزن الثـقيل، الملاكم الأمريكي الأسود الأسطورة، كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور، المولود سنة 1942 والمتوفي سنة 2016،و الذي حين أعتـنـق الدين الإسلامي عام 1964، حول اسمه إلى "محمد علي كلاي". لقد قام بشحن المخيلة الإسلامية وتغذيتها من حيث تجسيده لفكرة القوة كملاكم ضخم وشرس وقوي، إضافة إلى كونه أمريكي نسبة إلى أقوى إمبراطورية في العالم اليوم.
محمد وعلي، هما الشخصيتان المحوريتان في المخيال الإسلامي المتأسس على لحظة تاريخية غير عادية، واستـثـنأئية. لحظة ماورائية في انعكاسها الحاد على الواقع البشري. فحين تـقول الإسلام فإنـك تقول محمد رسول الله وعلي ابن أبي طالب كرم الله وجهه. الشخصيتان المثـقـلتان بالمثل العليا. الرسول بما هو مبشر ونـذير وبما هو منـتصر في النهاية في بناء الحجر الأساسي لكلمة الله واكبر الواحد الأحد، الحي القدوس الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. الله العزيز الرحيم الجبار، كلم الإنسان. أرسل له خطابا. بعث نوره في الأرض عبر عقل الإنسان. الإنسان المتـوهج المتخـفـف من أثـقال الدنيا الطائر على حصانه كالبرق خـفيفا مقـداما مصمما بعناد، مقبلا على الموت غير مدبر عن طلب الشهادة ليكون من العـليـين، ليلتحق بالله في عليائه وهو يجاهد في العالم السفلي المرئي لإعلاء كلمته.
كان محمد رسول الله قد باغت العالم وفاجئه من كل ناحية. فاجئه بشخصيته الأخلاقية الغير عادية. فاجئه بإصراره وعناده في الحق. فاجئه بعبقريته السياسية كذلك. فاجئه بروح وفلسفة جديدة لا عهد لهم بها. فاجئه في مزج الدعوة إلى إلاه الرحمة بالسيف ليتخلل اسم الله في الأرض بالدماء فتكون الأرض هي ارض الله من خلال هذا الإنسان الفجائي المقـذوف فجأة. عامل المفاجأة ذاك، كان هو العامل الأساسي في انتصاره المبين الذي كان انـتصار الله. وفعلا، فـقد تمت صياغته على هذا النحو. حتى أن في إقبالهم على منازلة قريش في معركة بدر، قال لهم الرسول أن ملائكة قد بعثها ربكم ستحارب معكم. كان الله معهم، بمعنى أنهم جميعا كانوا يشعرون ويؤمنون أن جل ما يقومون به هو تـنـفيذ لإرادة الله، وان الله يكلمهم على لسان رسوله وانه يعيش معهم..يا لها من لحظة رهيـبة. لحظة مهولة. لحظة لا توصف في سحريتها..تخيل ذلك..الله يعيش معهم. يعتـقدون أن الله يعيش معهم ويكلمهم في جزئياتهم، بل يؤدبهم حتى في كيفية دخولهم على رسول الله، لأنه لم يكن مقـدسا بالنسبة لهم حينذاك بمثل ما أضفى عليه الإسلام اللاحق من قداسة أسطورية. كانوا يدخلون عليه دون استـئـذان، وكانوا يرفعون أصواتهم ويصيحون عليه، فكلمهم ربهم أن ينـتهوا عن ذلك وان يتعلمواالاحترام، وكانوا يتعلمون ويلتـزمون بكلمات ربهم..
ربما اليوم، في عالم اليوم المكتـظ يكون من الصعب تخيل ذلك..لكن في الصحراء. الصحراء الخالية لذاك الزمان. الأرض الصفراء المتهادية الجميلة الممتدة بنـفس اللون إلى ما لا نهاية لتـلتـقي بالسماء الامتـناهية في أفق النظر الممتـد. في تلك الأجواء. كان من السهل جدا أن يلتـقي الإنسان بالله، وان يتملكه الله. ومثـلما قال الباحث الياباني "ايزوتسو"، فالعـرب كانوا يؤمنون بالله قبل الإسلام ولكن أغلبـيتهم كانت تـشرك به أو تـتـقرب إليه من خلال الأصنام والأوثان. دلالة الأصنام في ذاتها هي دلالة التـشويه المادي للفكرة وجمودها. تلك الأصنام التي قام محمد رسول الله بنفسه في المباشرة بتدميرها بعد دخوله فاتحا مكة بجيش جرار. ولج إلى الكعبة وأسقط "هبل" و"اللات" و"العزى".
إنه داخل الكعبة أخيرا ليسقط الأصنام. ومن خلال سورة الضحى التي تـقـول : " وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ،فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"، فإنه بالإمكان تخيل الرسول داخلها أمام تلك الأصنام التي يمتلئ كرها لها. يمتلئ كرها لما تحمله من ذكريات شخصية كذلك. من شخص يتيم في مجتمع أبوي ذكوري بامتياز، بحيث أن الوضع الاجتماعي مرتبط بالأب. الرسول يتيم واليتيم مقهور في ذاك المجتمع. مجتمع الأصنام. القهر في الإذلال والاستعباد والاحتـقار، لأن أباه لم يكن ذو ثروة ليذهب ابن كثير في تـفسير قهر اليتيم في الاستيلاء على ماله فقط. المسألة مرتبطة بكيانه الاجتماعي برمته وبكيانيته النفسية. واضح أن محمد قد عانى كثيرا من قهر اليتم في هذا المعنى، لكنه عزيز نفس، وكان ممتلئا داخليا بالإحساس بقيمة نفسه. حبيب الأمة لقرون كان مغتربا عن مجتمعه القاسي. كان ينظر إلى أعمامه الأقربين والى المكيين بعين الإنكار لبخسهم قيمته التي يحس بها. وأكيد أن حساسيته في ذلك مفرطة، فهو فاقد كذلك لأمه التي كان من شأنها أن تعوضه بحنانها. يا الله ،انظر كم من سيرة الرسول مغيب. حاول أن تـفكر فيه إنسانا. حالة مفرطة من تـناقض حاد رهيب بين حساسية ورفعة جوانية تملأ كيانه وبين محيط خارجي معادي ومنتهك لتلك الرفعة. بل إن الإتيان في سورة الضحى بذكر " وأما السائل فلا تـنهر"، فانه يمكننا الاستـنـتاج انه عانى شخصيا حتى من الحرمان من الأكل ربما وانه حين كان يسأل شيئا من الغذاء كان يتعرض إلى النهر، خاصة وأن هناك رواية تقول أنه في طفولته كان يأخذ من الطعام الذي يقدمونه للآلهة في الكعبة، وأنه كان يأكله هناك، وذاك أمر مستـنكر تعرض جراءه للنهر والإهانة، إضافة إلى استهانته بالآلهة وإظهاره كفره بها . على ذلك لم يكن أكولا وكان كثير الصيام.. على كل. المعطى الذاتي الحاضر في أعمال البشر مؤكد، والإشارة في هذه السورة تجعلنا نتخيل عنصرا من عناصر الدوافع النفسية الكبرى لإصراره على النضال لأجل تأكيد قيمته في العالم، وحين انتصاره يقوم هو شخصيا بالولوج إلى داخل الكعبة والقيام بتحطيم الأصنام. حطم في الوقت نفسه ثـقافة الاحتـقار والهنجهية والأنانية القائمة على الجهالة والجهل بوضع الإنسان العام في الكون. حطم في نفس الوقت جميع ذكريات بؤسه الشخصي بين ربوع مكة وهو يحترق ألما لما يلقاه شخصيا من ذاك المجتمع الذي جعله يغترب عنه منذ البداية. اغتراب حاد جدا. لا أم تعوضه بحنانها. هشم الأصنام. هشم كل ذلك. هشم غربته وحطم الواقع الخارجي الجلف وحوله إلى واقع جديد متلائم مع قيم الرحمة والتساوي والعدل والأخلاق الرفيعة. حول ذاك المجتمع من عبادة الأصنام التي لا تـفعل شيئا سوى في إماتة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية والتـفكير الحي المتجدد، وبالتالي فمجتمع الأصنام هو مجتمع الأنانية والعنجهية والتـدني نحو البشري ضيق الأفق. حطم الأصنام ليعلو اسم الله بما هو تحرر من كل انانوية بشرية ضيقة مختالة كاذبة واهمة في قوتها.. لا قوة إلا بالله.. تخيل تلك اللذة في تحطيم الأصنام. تخيل ذاك الانتصار العظيم على جميع عوامل سلبه الشخصي. تخيل تلك الروح العظيمة التي حولت الواقع برمته إلى متطابق مع منطقه وتـفكيره في الأشياء الذي جعله غريـبا عنه، فينعزل في غار في جبل. الغار في الجبل أكثر استـئـناسا من ذاك المجتمع القاهر المُـذل لليتيم والناهر للسائل، برغم خطر الأفاعي والعقارب..
وهشموا جميع الأصنام والتماثيل. هشموا الأراجيز، وهشموا معها المادويات التي تعيق النفس التحررية تجاه الفكرة الخالصة النـقية الطاهرة. فكرة الله في الكون وفي أنفـسهم لتـنـقـذف في الوجود مشتعلة بنوره ناشرة نوره في الأرض. هشموا جميع النماذج. جميع التـشكلات السابقة. طهروا الوجود الإنساني من تعيـيناته السابقة التي غطت على وهج الفكرة الإبراهيمية..
في نفس لحظة تحطيم الأصنام، كانت هند تتألم بحزن، وكذلك أبو سفيان وجميع مسلمي الساعة الأخيرة. كانوا على التماس بين أصنامهم وعالمهم القديم، العالم الذي هم فيه أسياد بكل عنجهية وجهالة، وبين هذا الإسلام الجديد القوي الجبار الذي هشم عالمهم وفي نفس الوقت هم مجبرون على تـقبله. الإسلام الذي أعلى كلمة المستـضعـفين في الأرض. بدا أن اللحظة قد مرت، ولكنها خلقت خليطا ومزيجا لوعي مركب جديد...
أما علي ابن أبي طالب، فقد لخصه العلامة المفكر التونسي "هشام جعيط"، بوصفه في كتابه "الفتنة"، بالقول:
" نكسة علي وفشله في فرض نفسه في البداية، ثم فشله في الشورى، وأخيرا فشله في مقتل عثمان، حيث رأى نفسه وهو الرجل الإسلامي المجلل بالسابقات، يُـنازع على السلطة من جانب واحد من الطلقاء، أي ممن دخلوا الإسلام بالقوة وفي الساعة الأخيرة، وفي المقام الثاني، استـشهاد أبنائه بشكل رهيب، في ظل الأمويـين والعباسيـين على حد سواء، الذي جرى قـتـلهم بألف طريقة، بينما كانوا أبناء النبي بقدر ما كانوا أبناء علي. إن هذه النكسة الدنيـوية الهائـلة، استـثارت الشفـقة، وهي شفـقة تطورت إلى شبه ديانة مستـقـلة. ويمكن القول أن التـشيع، الذي يكاد يكون على تخوم الإسلام، كان أيضا شرف الإسلام".
لحظة الشخصية المحورية الثانية في تاريخ الإسلام كانت في الخط المضاد لمسيرة الشخصية الأولى في الإسلام. الشخصية التي تعبر عن السلب لتكتمل دائرة المعنى المثالي فتستمر الفكرة بحيويتها المثالية في التاريخ الواقعي. فالرسول محمد عنوان الانتصار وعلي ابن أبي طالب عنوان النكسة، ولكن بينهما تحددت الصيرورة للإسلام التاريخي بين واقعيته وأشكال وعيه المختلفة. وهو من رحمه كان مزدوجا بين الاهيته واستعماله للأدوات البشرية في الواقع. هو دعوة إلى الله الواحد الأحد وهو استعمال للحرب والدهاء السياسي في نفس الوقت. ذاك هو الديالكتيك الحي، الذي انتـقل بالقرآن نفسه من اختلاف واضح بين الآيات المكية والآيات المدنية، وذاك في غمار تجادله مع تغيرات الواقع. والحقيقة انه لولا السيف لما كان الإسلام دينا عالميا. " إن الإسلام ربما كان يبقى من دون الفتح، دينا محصورا في نطاق الجزيرة العربية"، مثلما قال هشام جعيط.
وامتدادا لثورته، كانت فترة أبو بكر الصديق فترة تمرين حي حقيقي على القتال من خلال ما سُمي بحروب الردة. في النهاية كانت قتلا للضعفاء من الناحية الحربية، أي تخلصا من الدخلاء على الحياة وفق الصياغة النيتـشوية، وإفراز لمجتمع عربي في غالبيته مقاتـل ومتـدرب على القـتال ولا يهابه. القتال وفق المنظومة المحمدية الجديدة التي تـقوم على الإنـتـظام والإصطفاف مثل الاصطفاف في الصلاة في المساجد والإلتـزام والإقـدام دون ارتـداد والقتال إلى ما لا نهاية، إلى الموت وما بعد الموت. حروب الردة كانت إذن غرسا للروح القتالية الجديدة. صناعة للآلة الحربية الجـديدة الرهيـبة على مستوى عالم ذاك الزمان برمته. ابتـدأ عهد الفتوحات في آخر أيام أبو بكر الصديق في العراق وفي الشام، و كان عهد عمر ابن الخطاب، الصارم القوي الفاروق الحاد كالسيف في الحق على نفسه وعلى الآخرين، عهد الفتوحات العربية الإسلامية المعجزة. الفتوحات الخاطفة والسريعة والمحـطمة لإمبراطوريات ذاك الزمان، الفارسية باحتلال أغلب الأراضي الإيرانية والبيزنطية في منطقة الشام. وبعدها كان عثمان ابن عفان ومقتله ومن بعده كان علي ابن أبي طالب. وهنا يقول هشام جعيط في كتابه الفتنة: " بينما دشن أبو بكر الفتوحات، فإن تلك الفتوحات لم تتوقف أبدا إلا في زمن علي الذي كان مدشن الفتـنة". وهذا بالضبط التموقع التاريخي الواقعي للشخصية المحورية الثانية في الإسلام، علي ابن أبي طالب...
تأسست الأحداث التاريخية للفتـنة الإسلامية إثر مقتل الخليفة الثالث "عثمان ابن عفان" في ثورة من قبل العراقيين والمصريين اللذين حاصروه في بيته في المدينة لثلاث أشهر، ثم قـتلوه شر قـتلة وتم جر جثـته فيما بعد على التراب ودفنوه ليلا دون جنازة.
عثمان الذي دشن سياسة الملك، بعد فترة سياسة الدعوة، ليـبدأ مع عثمان تاريخ السلطة المتسلطة التي ستـتحـول إلى استبدادية فيما بعد على مدى تاريخ الدولة العربية والإسلامية. ابتـدأ تاريخ السلطة القائم على العـصبية القبلية بمثل ما حدده وحلله العلامة ابن خلدون. لحظة عثمان ابن عفان هي لحظة بدء التـناقض مع الإسلام الأول، إسلام الطهر والنـقاء والمساواة الصارمة وفق معايير الإيمان والجهاد والأسبقية، إسلام الإتباع الطوعي القائم على الإيمان بالعقيدة والحب والاتجاه صوب بوصلة الله في الأفق الامتـناهي، وهو ما يعني إسلام الحرية، وهو الذي حقـق الفـتوحات الكبرى في فترة وجيزة، حيث أصبح الإسلام إمبراطورية من بلاد فارس إلى العراق والشام مرورا بالجزيرة العربية واليمن إلى غاية مصر. تلك الحماسة الإسلامية شبه الكونية حيث كانت متوجهة للناس أجمعين، للعالم بأجمعه، في طياتها لم تكن تعلم أنها أسست لواقع مادي لا عهد لهم به. واقع إمبراطورية وأموال مهولة. هذا الواقع الجديد كان بالضرورة يستـتبع خلق بنية سياسية جديدة، هي الملكية، التي تم تسميتها بالخلافة الإسلامية، لأنها ملكية إسلامية ذات طابع خاص متميز بشيء أساسي وهو أن الإسلام كدين لم يؤسس لسلطة كهنوتية بل كان ضدها بوضوح، وبالتالي كانت السلطة السياسية علمانية بمفهوم اليوم ولكنها في نـفس الوقت تكسي نفسها برداء الدين الإسلامي وتـلتـزم ببعض مفاهيمه.
هنا يتساءل هشام جعيط قائلا: " سيظل السؤال مطروحا عن معرفة ما إذا كان الإسلام قد أضاع فرصته مع عثمان، لتجسيد روح العدل وشكل "ديمقراطية" مديدة، وعما إذا كانت الضرورات السياسية والإمبراطورية تؤدي حتما إلى ملوكية تسلطية ثم استبدادية. في الحالة الأولى يكون عثمان قد تـنكر، حقا، لإرث رائع مع الرسول وأبو بكر وعمر، وفي الحالة الثانية يكون فقط واحدا من رواد المحتوم".
هنا، كانت الثورة على عثمان ضرورة تاريخية لا مناص منها. ثورة الإسلام الأول التأسيسي المساواتي الحر على السلطة. ومقتل عثمان يقابله حتما تـنـصيب علي ابن أبي طالب كممثل أخير للإسلام الأول كخليفة للمسلمين من قبل الثوار. ممثل الإسلام الأول الواقف على حدود ضياعه.
ولكن، هنا بالذات ظهرت مأساوية لحظة علي ابن أبي طالب التي هي مأساوية الصيرورة التاريخية التي تجرف معها كل الأحداث والشخصيات وفق المنطق التاريخي الديالكتيكي العام. الحدث المؤسس للإسلام انتهى واقعيا كدولة إلى الأبد، ولكن لحظة علي هي في نفس الوقت لحظة الحضور المستمر والمتـنامي للإسلام المثالي التأسيسي عبر التاريخ والى اليوم. بذلك كان علي ابن أبي طالب قد مثل الحلقة الأخيرة في دائرة الإسلام المثالي التأسيسي واقعيا ليمتد عبر الزمان والمكان من حيث مأساويته كحماسة مستمرة إلى اليوم. المثالية الإسلامية تلك والتي تؤسس للروحية الإسلامية. لذلك فانك تجد تجد اسم علي مرادفا ومرافـقا لاسم محمد. لقد أغلق علي الدائرة المثالية.
كان مقتل عثمان ابن عفان، بمثل ما قال هشام جعيط في متابه الفتنة: " نقطة تـقاطع الحركات المعارضة التي ستـشن الحرب الأهلية، هي استحالة نسيان الحدث، والتصرف كأن شيئا لم يحدث، والعودة إلى طبيعة الأمور ونظامها. لم يكن شخص علي موضع اتهام، ولا حتى عدم نظامية انتخابه هو الذي راح يشكل جوهر الرفض والمطالبة، ولكنه كان بلا ريب تكدرا قويا سيؤدي إلى رفض البيعة من قبل أكبر الصحابة، ثم الحرب الأهلية. لقد كان هناك شعور بحدوث واقعة كبيرة كان لابد من التوقف عندها ولم يكن من المستطاع إلغاؤها هكذا وبكل بساطة من خلال انتخاب جديد، جرى فوق جسد عثمان".
وكانت معركة الجمل في 15 جمادي الثانية 36 هجري، 4 ديسمبر 606 ميلادي، اثر تحرك عائشة زوجة الرسول والطلحة والزبير وتوجههم إلى البصرة للثأر من قتلة عثمان. و من كتاب الفتنة نسوق هذه الفقرة: "بعد معركة أولى خسرها طلحة والزبير تتجمع مجددا كل القوى، منصهرة إذا جاز القول، حول جمل عائشة، الجالسة في هودج مدرع بالحديد، والجمل تحته أيضا محمي، مغطى بجلود البقر والدروع. كان جمل عائشة قد صار النقطة الحامية في المعركة، فهم يحاولون بلوغه بلا جدوى ـ جيش علي ـ والآخرون يدافعون عنه بكل قوة".
أما معركة صفين بين علي ابن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان الذي منحه تحرك عائشة شرعية التحرك رفضا لخلافة علي ابن أبي طالب بتعلة سكوته أو تواطئه مع قتلة عثمان، فقد كانت بعد نحو عام من معركة الجمل، وذاك في صيف عام 37 هجري، بين جيشين تعداد كل منهما بحوالي 60 ألف مقاتل..وانتهت برفع كتاب القرآن وبدء التفاوض الذي رفضه فيما سموا أنفسهم بالخوارج.. من أحداث الفتنة تشكلت خارطة التاريخ الإسلامي اللاحق. الخوارج الرافضين لعلي ومعاوية والداعين إلى انتخاب الخليفة من المسلمين ودون اشتراط أن يكون من قريش، وهم مثلوا المعارضة العنيفة الإرهابية، وتأسس المذهب الشيعي من رحم أنصار علي ابن أبي طالب وتأسس المذهب السني من رحم أنصار معاوية ابن أبي سفيان، كما تأسست المعتزلة من رحم الصحابة اللذين اعتزلوا ولم يناصروا أي فريق ولم يشتركوا في الفتنة ، وأشهرهم الصحابي الكبير قائد معركة القادسية التي تم فيها دحر الجيش الفارسي، وهو سعد ابن أبي وقاص الذي اشترى دارا في اليمن واعتـزل هناك، بعيدا عن مكة والمدينة والنجف والشام ومصر.
يلخص هشام جعيط الإسلام في محاولة لبناء وعي تاريخي به، بالقول:
" من المؤكد أن الفتنة ستعلن عن نهاية عصر، وكان قد بدأ ذلك في عهد عثمان ذاته. وفي الواقع لابد من حصر الإسلام التأسيسي في النبي والخليفتين الأول والثاني، أبي بكر وعمر، كان النبي قد أسس الدين والدولة، وبذلك، كان قد وحد الشعب العربي في بنية الأمة في الوقت نفسه الذي كان يحدد له الجهاد كهدف، هذا المجهود لملء الأرض باسم الله. وكان الخليفة الأول قد أسس الخلافة، كان قد انتـزعها إذا جاز القول، ليكمل عمل المؤسس: القضاء على الردة بالقوة في الجزيرة العربية، وبالتالي إرساء الدولة حقا، وإطلاق عملية الفتح في المقام الثاني. ووقع على كاهل الخليفة الثاني عمل الفتح الواسع للعالم القديم: الهلال الخصيب، مصر، وقسم كبير من إيران التي جرى تـقويض دولتها.. هؤلاء الرجال الثلاث أسسوا التاريخية الجديدة وبالتالي كانوا يرتـفعون فوق الحالة البشرية العادية.
مع عثمان ـ بينما كان كل شيء قد ُشيد ـ دخل الإنساني العادي في اللعبة. إنها نهاية الحالة الاستـثـنائية المتعالية فوق القيم العادية للقرابة، للمصالح، لرغبة السلطة..
إذا كان تأسيس الإسلام هو ـ ثورة الشرق ـ على حد تعبير هيغل، فإن الفتنة كانت ثورة في الثورة أو بالأحرى كانت قد أغنت الواقع الإسلامي بديناميكية لا مثيل لها في تاريخ الإسلام".
وعلي ابن أبي طالب هو عنوان الفتـنة. عنوان ثورة الثورة. عنوان تعميق الإسلام المثالي في التاريخ الثقافي والاجتماعي والثوري على السلطة الاستبدادية...