افكار حول تظاهرات الشباب

محمد لفته محل
2020 / 2 / 23

يردد البعض مواقف رافضة لتعطيل الدوام بحجة ان التعليم جزء من الاصلاح وجزء من بناء الوطن، وتعطيله سيؤدي الى ايقاف الاصلاح وبناء الوطن. واذا اخذنا هذه الحجج بحسن نية، فان هذه الحجج بذاتها تكشف عن بعد هؤلاء عن اهداف التظاهرات الشبابية.
ان ايقاف التعليم لاشك انه غير مقبول؛ لكن اي تعليم يتحدثون عنه؟ هل التعليم القائم حالياً على المحاصصة الحزبية والطائفية من حيث التوزير او تنصيب العمادات؟ التعليم القائم على طرائق التعليم القديمة مثل التلقين والمناهج والمحتويات العتيقة؟ واذا كان التعليم حقا مهم لماذا نرى هذه الاصوات تصمت على العطل والمناسبات الدينية التي تعطل الدوام شهرا كاملا كل عام؟ ومع كل هذا الخراب فان الطالب مصيره البطالة بعد التخرج يضاف الى جيش العاطلين!. بالتالي فان التعليم الذي يدافعون عنه تعليم جزء من عملية الفساد وجزء من الخراب العام وجزء مهم من اهداف الثورة الاصلاحية. ليس هذا وحسب، انما ان الغاية الاساسية من تعطيل التعليم هو سحب شرعية سلطة القرار (الامر والنهي) من يد الحكومة الى يد الشعب. فالشعب باعتباره هو مصدر السلطات هو وحده من يأمر وينهي. وبالتالي فان الدفاع عن استمرار التعليم الحالي هو دفاع عن النظام القائم.
بدأت بعض الاصوات السياسية تتعالى في وسائل الاعلام تسمي المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية تسميها: "مشاركة" او "استحقاق" او "مكونات" الخ وتسمي حكومة المستقلين او الكفاءات "اقصاء" او "تفرد" بالسلطة! وبدأو بنشر الاشاعات ضده عن بيع الوزارات او المحاصصة سراً ليضربوا سمعت حكومته. وهذا مؤشر لدي ان رئيس الوزراء (علاوي) يحاول عبور المحاصصة، ومؤشر على الميكانزمات الدفاعية لبنية هذا النظام الديني الطائفي القومي.
اكثر ما يغيظني هو تأييد بعض او كثير من النواب للتظاهرات هم جزء من المحاصصة الطائفية. متخذين من التظاهرات وسيلة لاهدافهم الطائفية عملاً بالمثل "عدو عدوي صديقي" و"حجي كليب" فهم يرون التظاهرات كمشكلة "شيعية شيعية" كما عبر بعضهم علناً على وسائل الاعلام. وهؤلاء ينطبق عليهم المثل "تفال السما".
ان محاولة انهاء التظاهرات من الصدر الغاية منها الاستفراد برئيس الوزراء (علاوي) الذي ليس لديه وسيلة قوة سوى الاستقواء بالجماهير، لاملاء شروطهم ومصالحهم عليه. لكن الصدر نسى او تناسى ان من واجه الرصاص الحكومي والميلشياوي الذي لم يوقف الشباب من بداية التظاهرات لن يوقفها رصاص وعصي اتباعه. وخرج الصدر خاسرا بسقوط اربع اوراق من يده، فقد خسر ورقة حمايته للتظاهرات وان التظاهرات بدونه ستزول. وخسر ورقة انه راعي الاصلاح بعدما اثبت انه مع النظام القديم، وخسر ورقة انه تيار الشعب والفقراء بعدما رأى الناس انه يهاجم الشعب والفقراء في ساحات الاعتصام. وخسر ورقة الوطنية بعدما عاد للحضن الايراني بعد اغتيال سليماني. ووحد المرجعية والشعب ضده.
قلت في مقال سابق ان الحراك محتاج الى ظهور كاريزما، وبقيت اكرر خطأ المتظاهرين في عدم ترشيح شخصية من الساحات لرئاسة الوزراء. لان عدم ترشيح شخصية من المتظاهرين لرئاسة الوزراء بحجة انه سيحارب من الطبقة السياسية الحاكمة والاكتفاء بفرض موصفات او شروط لاختيار رئيس وزراء لايمنع هذا الطبقة الحاكمة من محاربة هذا المرشح وفق الشروط، وهذه الشروط ليست حصنا منيعاً من الفساد وضمانا للنزاهة او المهنية. فليس هناك تلازم بين الشروط والحكم الرشيد. لكن اصرارهم العجيب (المتظاهرين) على عدم ترشيح اسم لرئاسة الوزراء قاد الكتل الى ترشيح اسماء مشبوهة. والغريب ان اسم "توفيق علاوي" كان متداولاً في الايام الاولى للتظاهرات ثم اصبح مرفوضا عند ترشيحه! وبغض النظر عن الاسباب فهذا مؤشر على قصور في الرؤية. اما بعد ظهور الكاريزما (الركابي) فان ترشيحه لرئاسة الوزراء كان متأخرا واعترافا ضمنيا بالخطأ الذي نوهت عليه سابقا.
يحمّل الاسلام السياسي في العراق مسؤولية التدهور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العراق بعد الاحتلال وبعد جلائه لاحقا (2003_2011)، ورغم انه يبدو ان هناك تلازم واضح بين الظاهرتين (الاسلام السياسي والتدهور العام) فان مشاهدة الاسلام السياسي في تركيا او ايران او باكستان يعطينا صورة لحكم يقود البلاد تختلف تماماً عن حكم العراق الذي يشبه نموذج افغانستان. ولهذا فان الحكم على الاسلام السياسي بالعراق يحتاج الى مراجعة ليس من اجل الدفاع عن هذه الاحزاب او حكمهم انما من اجل التعمق بأسباب التدهور العام للعراق.
يستطيع اي ملاحظ ان يرى انتهازية ونفعية الاسلام السياسي البارزة بالعراق، ان القائمين على احزاب الاسلام السياسي الشيعي اقتبسوا مصادرهم من الاسلام السياسي السني الذي لطالما طرحوا انفسهم كمناوئين له. وهم من حمل شعار "الدعوة" الاسلامية وتحالفوا مع الغرب المسيحي "الصليبي" لاسقاط نظام مسلم و جائوا على دباباته ويسمون احتلاله "تغيير" ويحتفلون سنويا بهذا "التحرير"! وقبلوا بدستور غربي لايحكم بالدين، ودخلوا في انتخاباته مع الاكراد السنة والسنة هم من كانوا متهميِن باضطهاد الشيعة بحسب رواية هذه الاحزاب! ومارسوا ابشع انواع القتل والتهجير والسرقة والفساد المالي والاداري في تاريخ العراق. وتحالفوا مع البعث السوري (فترة الخارج) ثم انقلبوا عليه ثم دافعوا عن بقائه وهم من كان يرفع مناهضة البعث الصدامي، ثم تحالفوا مع قطر التي كانوا يتهمونها بالإرهاب. ومارس الاسلام السياسي السني نفس النفعية والانتهازية فهم من رفع شعار محاربة المحتل ثم هم من دعا لرجوع الامريكان الى العراق لاحقا، وهم من يرحبوا بالدخول التركي لاراضي العراق، وهم من يرفع شعار الوطنية والعداء لايران وهم ايضا مرتهنون حزبيا لتركيا ودول الخليج ولهم صلات سرية مع ايران، ومارسوا القتل والتهجير والسرقة والفساد الاداري والمالي. وعندما ضعفت شعاراتهم الطائفية انتخابياً، رفع الاسلام السياسي (السني والشيعي) شعار المدنية! وتحالفوا بينهم طائفيا (السنة والشيعة) بعدما كانوا يتهمون بعضهم بالاضطهاد!. فهل بعد التلون والانتهازية والنفعية يمكن القول ان الخلل في الاسلام السياسي وحده؟ وليس في القائمين عليه كذلك.