بدائل الأمن القومي المصري في ملف المياة/ أثيوبيا

حاتم الجوهرى
2020 / 2 / 22

في ظل المعلومات والمؤشرات التي تتعلق بملف المياه وسد النهضة الأثيوبي، خصوصا بعد أن حدد "ترامب" جلسة المفاوضات الحاسمة في أمريكا بين مصر وأثيوبيا والسودان، الشهر الماضي في يوم إعلان صفقة القرن نفسه، وفي ظل الخطاب الذي يقدمه بعض القريبين من دوائر صنع القرار في الإدارة السياسية المصرية الحالية، يمكن ببعض التدقيق والاستقراء القول بأن الخيارات قد نفذت من مصر إلا القليل.

خاصة بعد أن طلبت مصر التدخل الأمريكي بنفسها وقامت بخيار تدويل الملف، المؤشرات تدل بوضوح شديد على استخدام ترامب لملف المياه كوسيلة ضغط على مصر لتغض الطرف، أو لتمرر بنود صفقة القرن، وهذا الضغط الشديد يدل على أن ترامب لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأنه مصر على إحراز تقدم حقيقي في دعمه للصهيونية ومخططات ضم القدس وتفريغ مشروع الدولة الفلسطينية الذي طرحته اتفاقية أوسلو من مضمونه، والأيام حُبلى بالأسوأ.

"قواعد اشتباك" جديدة
كما أن الأمر أخطر بكثير من ملف صفقة القرن وفق مفاهيم "الأمن القومي"، بهذا الشكل الإدارة السياسية الحالية والموكلون بإدارة الملف من جانبها، سيضعون "قواعد اشتباك" جديدة بين مصر وإسرائيل وأثيوبيا وأمريكا، إذا مر الأمر كما هو واضح الآن، ستصبح مصر تحت رحمة الأجندة الأمريكية والصهيونية باستمرار.. إذا أسس ترامب لقاعدة "الضغط من خلال صنبور المياه" الذي وضعه في يد أثيوبيا، فستتحول مصر لعروسة خشبية فقدت معظم أبعاد أمنها القومي لردح غير قليل من الزمن، ولصار ما يحدث في المشهد هو مجرد إدارة للتناقضات وخلقها، والعمل وفق مفاهيم "الإمن السياسي" الداخلي، لا أكثر ولا أقل.

مرحلة التفريط السياسي في انتصار أكتوبر العظيم
( أنا لن أحارب السلاح الأمريكي.. "السادات")
خطورة الأمر أنه سيؤسس لمرحلة ثالثة في رضوخ مصر للمشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية، المرحلة الأولى كانت في السبعينيات عندما حسبها السادات حسبة تخصه وحده في أثناء حرب أكتوبر، ولم يلتفت لبدائل الأمن القومي الأخرى عندما أعلن أنه لن يواجه السلاح الأمريكي ولن يحارب أمريكا خاصة بعد "الثغرة"، وأعلن أن أوراق اللعبة في يد أمريكا وقبل بها راعيا وحيدا لمفاوضات ما بعد وقف إطلاق النار، وحوَّل مشروع تحرير سيناء العظيم لمشروع قبول واعتراف بالاحتلال الصهيوني ودولته، متخليا عن أفق الطموح الوجودي لمصر كدولة مستقلة تحمل مسئولية حاضنتها العربية و"مستودع هويتها"، ومن ثم خطط السادات لمرحلة أولى من الرضوخ للصهيونية والهيمنة الأمريكية، وهذا المرحلة يمكننا تسميتها في العموم: التخلي عن مفاهيم الأمن القومي العربي في مقابل موالاة أمريكا والاعتراف بالصهيونية، وهى بداية تحول دولة "ما بعد الاستقلال" من الاحتلال الأجنبي بقلبها العسكري في مصر، إلى مفاهيم "الدولة حارسة التناقضات" والمراوحة في المكان وغياب الأفق التنموي والاستراتيجي، والحرص على خلق التناقضات وإدارتها لعدم وجود فكرة مركزية واضحة لبناء "الأمن القومي" المصري، سوى الحفاظ على ما هو موجود وفي ظل السقف السياسي الذي خطه السادات، لكن "إدارة التناقضات" وخلقها سرعان ما دفع مفاهيم "الأمن القومي" المصري للوراء وتآكل دوره، على حساب صعود مفاهيم "الأمن السياسي" وتفكيك "الفرز الطبيعي" في المجتمع المصري وكوادره، لأنه الفرز الطبيعي سيتوحد مع "مستودع الهوية"ومكوناته، ويؤدي لبناء تراكم يستعيد مفاهيم "الأمن القومي" الحقيقية، ومستلزمات العودة للحاضنة العربية.

مرحلة السوق الشرق أوسطية بزعامة "إسرائيل"
(تهيئة المجتمع المصري وخلق النخب التابعة)
المرحلة الثانية من الرضوخ لأمريكا والصهيونية، جاءت مع الفشل الاقتصادي لمصر في أوائل التسعينيات بعد انتكاسة مشروع "توظيف الأموال" في الثمانينيات وتغلل الفساد الإداري وغياب المؤسساتية عن شركات القطاع العام في مصر، وتواكب ذلك مع توريط أمريكا للعراق في احتلال الكويت وبعد ذلك ضربها، ومن ثم طورت أمريكا مساحة الهيمنة الصهيونية أكثر وطرحت مشروع الشرق الأوسط الكبير (واتفاقية أوسلو)، الذي تقوده إسرائيل وتهيمن عليه، وفي هذا السياق ظهر مشروع الخصخصة ودخول الشركات متعددة الجنسيات مصر لتسيطر على المنتجات المصرية ذات الصلة، وتطبع عليها اسمها التجاري، لتدخل مصر مرحلة رأسمالية سطحية تابعة وليست رأسمالية صناعية خالقة للسوق ومنافسة فيه، وفي السياق نفسه ظهرت بعد ذلك اتفاقية الكويز وأفضلية دخول المنتجات المصرية لأمريكا شريطة وجود نسبة مكون صهيوني بها، وظهر مشروع التطبيع الثقافي الحكومي المصري من خلال مجموعة من الأسماء القريبة من مؤسسة الأهرام العريقة وغيرها، لكن هذه المرحلة يمكن أن نسميها عموما مرحلة: السوق الشرق أوسطية بقيادة "إسرائيل" وتبعية مصر.

تدويل ملف المياه واللجوء لأمريكا
(حتمية الخضوع لسياسة "الصنبور المتحرك" وقواعد اشتباك سياسية جديدة)
المرحلة الثالثة هي التي يجري وضع "قواعد الاشتباك" الخاصة بها الآن؛ وخطورة هذه المرحلة إن مرت كما توحي معظم المؤشرات الخاصة بها، أنها سوف تفكك مفاهيم "الأمن القومي" تقريبا وتضع مصر تحت رحمة الأجندة الأمريكية في المجمل، وتنقل وجود "الدولة حارسة التناقضات" إلى مستوى صفري تماما، فتصبح دولة تابعة وخاضعة للهيمنة و"مستلبة" للآخر الأمريكي/ الصهيوني تماما. الأزمة –في تصوري- أن الذين أداروا الملف لم يكونوا بالأمانة الكافية أو لم يكونوا بالكفاءة الكافية، لم يكونوا بالأمانة فلم يعرضوا البدائل الحقيقية لسيناريوهات التعامل مع الملف وفق مفاهيم "الأمن القومي" وخطوطه الحمراء، أو لم يكونوا بالكفاءة والمعرفة الكافية ليتفهموا ويدركوا مآلات تلك البدائل، ويكونوا على دراية ومسئولية صارمة بما هم مقدمون عليه. إذا تمت المسألة كما يجرى الإعداد لها الآن، فإن "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري ستكون قد فككت مشروع التحرر الذي تتمترس حول شعاراته الأولى وتتخذها حائطا أخيرا لها، إذا تم الأمر بالصورة التي يخطط لها ترامب/ أمريكا، فإن مصر ستصبح دولة تابعة تماما إما خضعت لأي إملاء تطرحه الصهيونية وأمريكا او أغلقتا عليها صنبور المياه من المنبع، هي مرحلة تأسيس قواعد "اشتباك سياسي" جديدة، يمكن تسميتها بمرحلة "الصنبور المتحرك"، إذا خضعت مصر أداروا الصنبور نحو اليسار لتجري المياه، وإذا تمنعت أداروا الصنبور نحو اليمين ومنعوا جريانها.


ترامب والكشف عن "النمط السياسي" الدولي الخاص به
سياسة "حافة الهاوية"
نعم يوجد بديل واحد متبقي للحفاظ على القلة القليلة الباقية من مقومات "الأمن القومي المصري" ثم البناء عليها، وهو بديل مبني على تحليل لـ "دراسة حالة" لشخصية ترامب و"النمط السياسي" الذي سار عليه على المستوى الدولي منذ توليه، كي لا يرد علي أحد الزملاء الاعزاء الجادين العاملين على الملف قائلا؛ انت تقدم رأيا واجتهادا شخصيا غير مبني على "دراسة حالة".
ترامب من خلال النمط السياسي الذي سار عليه منذ توليه، يتبع استراتيجية "حافة الهاوية" أو المواجهة وجها لوجه، أو ما يسمى بالتعبير الدارج الأمريكي وبلغة "الكاوبوي" "Mexican standoff" ، فلنراجع هنا مواجهته مع كوريا ثم تراجعه في اللحظات الأخيرة، ولنراجع وجوده في سوريا وتهديده والتصعيد ثم الانسحاب، وكذلك مواجهته الاقتصادية مع الصين، ومواجهته مع إيران التي ردت عليه بعملية استهداف منابع البرتول في السعودية، ثم ردت بشكل أكثر قسوة على اغتيال سليماني..
بكل وضوح "ترامب" له نمط سياسي واضح يمكن الوقوف عليه Political pattern ورصده من جانب المتخصصين في الشأن الدولي والعلاقات الدولية، إنه يستخدم سياسة الضغط المستمر وصولا لـ "حافة الهاوية"، حتي يصل للحد الأقصى الذي يمكن للطرف الآخر أن يتنازل عنه، ثم يبدأ في رسم سياسته النهائية مع هذا الطرف وفق ذلك الحد.


الاستراتيجية "زيرو"
(سياسة الردع وتصعيد المواجهة مع أمريكا والاستعراض العسكري)
انطلاقا من "دراسة الحالة" العلمية السابقة، أقول ان "الأمن القومي المصري" تبقى له بديل واحد في ملف المياه في ظل "النمط السياسي" لعقلية ترامب، وهو بديل استعادة المبادرة والمواجهة وجها لوجه، والتصعيد للتأكيد على "قواعد اشتباك" سياسي وعسكري جديدة.
تبدأ سياسة المواجهة هذه بإعلان مصر عدم تحقيق مفاوضات أمريكا للحد الأدنى من متطلبات "الأمن القومي" المصري صراحة، وتجمدها، ومن ثم تعلن مصر إحالة الملف للمنظمات الدولية ذات الصلة بالأمم المتحدة والاتفاقيات المتعلقة بها، وتطالب بتجميد البناء في السد لحين التوصل لحل قانوني وفق الاتفاقيات الدولية الموقعة بين الطريفين، وفي الوقت نفسه سينشط فريق مصري بعرض وجهة النظر المصرية وفق خطاب سياسي/ ثقافي/ حضاري مقنع وجاد، في كافة الدوائر الرسمية الأوربية والصينية والأفريقية وغيرهم، لحشد التأييد السياسي الناعم لموقف مصر.
ترامب سيرغب في اتباع سياسة "حافة الهاوية" وسيعطي الضوء الأخضر لأثيوبيا لاختبار جدية مصر، ولأي مدى مستعدة للذهاب، هنا ستكون اللحظة الحقيقية لاختبار مصر، سيكون علينا التصعيد المحسوب سياسيا، وعسكريا، وأقصد بذلك بعد إبلاغ الاتحاد الأفريقي واكتساب الحشد الكافي، توجيه ضربة صاروخية محدودة التأثير للسد أثرها السياسي أكبر من أثرها العسكري.
حينها ستتأكد أمريكا من جدية الموقف الرسمي المصري وقدرته على ممارسة وفرض وجوده، حينها سيفهم ترامب "قواعد الاشتباك" العسكري والسياسي مع مصر، ويتم الجلوس على طاولة المفاوضات بجدية وندية، ولا يتحول الأمر لاختراق دائم للأمن القومي المصري، أو بصراحة أكثر سيكون الأمن القومي المصري في تصور البعض قد انتهى إلى غير عودة، وسيحتاج لمعجزات لاستعادة ما سيكون هذا الجيل من المفاوضين العاملين على الملف في الإدارة السياسية الحالية قد أهدروه.

خاتمة: إما..... أو
إذا لم يتم استعادة السيطرة والمبادرة في ملف المياه بمفاهيم "الأمن القومي" والتخلي عن مفاهيم "الأمن السياسي"؛ ستكون الإدارة السياسية الحالية قد وضعت مصر تحت رحمة سياسة "الصنبور المتحرك" التي يستهدفها ترامب. ترامب يتبع نمطا سياسيا واضحا للمدققين يقوم على سياسة "حافة الهاوية"، إذا لم تبادر الإدارة السياسية المصرية الحالية بفهم ذلك ومواجهته الند للند، ستكون قد وضعت لنفسها ولمصر "قواعد اشتباك" سياسية جديدة مع أمريكا والصهيونية، لن نرى أثرها في صفقة القرن فقط، بل في كل مخططات أمريكا للمنطقة والهيمنة عليها.
"دولة ما بعد الاستقلال" في مصر ستتعرض لأزمة وجودية كبرى إذا تم تمرير ملف المياه بصيغته هذه، وستكون انتكاسة كبرى لشعارات التحرر التي ارتبط بها مشروع هذه الدولة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية والتحرر من الاستعمار، وذلك ليس في مصر فقط بل سينعكس ذلك على كل أنظمة ما بعد الاستقلال، في السودان وسوريا وليبيا وغالبية الدول العربية.