الّلعب على الوقت

سعيد عيسى
2020 / 2 / 17

مأساة هي أم ملهاة الأوضاع التي يعيش اللبنانيون في خضمّها، سنوات عشر مرّت وهم يعيشون فصول مسرحيّة هزليّة، تنقلهم من منحدر نحو آخر، لغاية ما أودت بهم نحو هاوية عميقة القعر، ساهم في وصولهم إلى ما هم فيه، كلّ القوى السياسيّة التي ركبت في حافلة الحكم، بمن فيهم من استدرك وتركها ولو متأخرا.
اللعب على الوقت والرّهان عليه، لحلّ الإشكالات التي اعترضت المتمتّعين بجنة الحُكم والسّلطة، وفيما بينهم، أوصلت إلى ما نحن فيه من ذواء سياسيّ، فباتت السياسة تشبه كلّ شيء إلّا ذاتها، خَوَت وفُرّغت من مضمونها، أضحت مكاسب وجولات ونقاط، يسجّلها متعاطوها على بعضهم البعض، دونما اكتراث للجماعات اللبنانيّة التي يُفترض بهم سوسها، فطمست جلّ ما فيهم من نواة بشريّة، وحوّلتهم إلى كائنات متلقّية، مردّدة، تسير على غير هدًى، بدل تحويلهم إلى ذوات مفكّرة، مناقشة، تختار ما يتوافق وتطلّعاتها وأمانيها، وما تجده مناسبا لها، وتسير نحو الارتقاء، والأمان المجتمعيّ.
اللعب على الوقت أودى إلى الغُفل عن الاقتصاد، أو بالأصحّ إلى التستّر على ما كان يعتمل فيه من ضَعف، وسوء رؤيا، وأحاديّة، قتل المتمتعون بالسّلطة كل إمكانية لبناء اقتصادٍ كفوء، يكفي النّاس شرّ العوز، والفقر، والتّهميش، ويحملهم نحو الارتقاء، فدمّروه، ورذلوه، وساهموا في تدمير المؤسّسات التي كانت تكافح وتقاوم، فساهموا في خرابها وإفلاسها، ورموا عشرات الآلاف من العاملين فيه على قارعة الطّرقات دون أن يرفّ لهم جفن.
اللعب على الوقت أفضى إلى الانهيار المالي الذي نعيش في رحاه، فأطلق اليد لبضعة مصرفيين يعيثون خرابا في البلاد، ليكدسوا ما لذّ وطاب لهم من الثروات، على حساب العباد، دونما رفّة جفن لما آلت إليه، أو إلى ما ستؤول إليه، أوضاع هؤلاء الأخيرين (العباد)، فحجزوا الأموال، وباعوا واشتروا، ونقلوا، وتاجروا، وكسبوا، وما زالوا...كلّ ذلك جرى ويجري، بالتّكافل، والتّضامن، والشراكة، مع متنكبي السّلطة، الأقوياء منهم، والأقل قوّة.
الّلعب على الوقت، زاد من تفكّك أواصر الجماعات اللبنانيّة - غير الملتحمة أصلا – فباتت المناطق محجورة على أهلها، لا ترتضي غيرهم بديلا، حتى ولو كانوا من ذات الفئة والهوى الطائفيّ، وارتفع منسوب العائليّة، والعشائريّة، والطائفيّة، والتعصّب المذهبيّ، والعقائديّ، حتى بات المرء يعرّف بالحيّ الذي يقطنه، بدل أن يعرّف مواطنا.
الّلعب على الوقت استحال سياسة بعينها، تعيّن ما ينتظر ناس هذه البلاد التي تذوي شيئًا فشيئا.