شمعتان.. للشيخ معشوق الخزنوي

صالح بوزان
2006 / 6 / 4

تكون الأمة في أزمة عندما تقرأ فئاتها الواعية الأحداث من حولها أو داخلها قراءة خاطئة، إما نتيجة جهل( وهي مصيبة) أو تجاهل ( وهي مصيبة أعظم). الجهل لا نقاش فيه، أما التجاهل فيبرز في الحالة التي تدرك الفئات المثقفة والمسيسة حقيقة الأمر، إلا أنها تصيغ تلك الأحداث ضمن فضائها الضيق، خوفاً من أن تضعهم هذه الأحداث أمام مسؤليات هم غير مستعدين القيام بها في حقيقة الأمر. لا أدري لماذا ظهرت هذه الفكرة في مخيلتي وأنا أعد نفسي لكتابة شيء عن عاشق الحرية الشيخ معشوق الخزنوي.
لقد أدهش استشهاد هذا الشيخ الشاب الجليل كل الفئات المثقفة والسياسية الكردية، لدرجة أن عقولهم أصابتها الوعكة، وشلت عن الفاعلية. كان الجميع خلف الجماهير الهادرة التي خرجت لاستقبال جثمانه القادم من الدير الزور، وكانت هذه الجماهير هي الوحيدة التي تدرك ببساطتها القيمة التاريخية للنضال القصير للشيخ معشوق، ولهذا الاستشهاد الذي يعبر عن نفسية الإنسان الكردي التي لم يقهرها الاستبداد التاريخي من الخارج، ولا التبعية السياسة الكردية الغارقة حتى الثمالة في التردد والخنوع والدروشة من الداخل. لقد هز هذا الاستشهاد كيان الشعب الكردي، لا ليبكي على جثمان بطله، بل ليكشف للملأ مدى الإرادة القوية التي يختزلها هذا الشعب في سبيل الحرية والحياة الكريمة.
فمن هو الشيخ معشوق الخزنوي؟ ولماذا قتل بهذه الطريقة الجبانة التي تكشف مدى شعور قاتليه بالدونية أمام قامته الفكرية والسياسية الشفافة، والبعيدة كل البعد عن التراث الشرقي الغارق في الغدر والتخوين؟ نعم من هو الشيخ معشوق الخزنوي؟ ولماذا قتل بهذه الطريقة الإرهابية التي بينت مدى انحطاط فاشيي الشرق، بينما العديد ممن يعتبرون أنفسهم قادة الأكراد يسرحون ويمرحون في شتى أنحاء البلاد ليجمعوا الألقاب والنياشين الصدئة دون أن يتعرض إليهم أحد. من هنا يبدأ التعريف بالشيخ معشوق الخزنوي، فلا يهم أين ولد ومن هو أباه أو أمه وما هو اسمه، وكم كان عمره، إنه كان الهدف الأول للذين يحقدون على شعبه، وعلى الحرية، والقيم الإنسانية العليا.إنه كان إرادة اللا.. في الأمة، وهذا التعريف وحده يكفي، ففي ذلك كان يجد الخزنوي نفسه.
لقد جاء صوت الشيخ معشوق الخزنوي ليكون التعبير المكبوت في ضمير الشعب الكردي، كان صوتاً مباشراً وشفافاً، خارج التكتيك، بعيداً عن الغمز واللمز. صوت لا ينفصل عن الممارسة، يوحد القول والفعل في ملحمة تاريخية جديدة لشعب طالما صمد أمام الإبادات الجماعية. لقد كشف هذا الصوت عطالة العمل الحزبي الكردي، هذه العطالة التي ألفها مستبدو الشعب الكردي ويرعاها، بل أصبحت هذه العطالة جزءاً من متطلبات العمل الاستبدادي ضد الأكراد. فالنظام الذي يستلب الحقوق الكردية هو الذي رسم الأدوار للجميع. فلو قامت الأحزاب الكردية بحل نفسها مثلاً(حبذا لو فعلت)، لقام النظام بتشكيل أحزاب كردية جديدة، لأن من أدواة اضطهاده للكرد وجود أحزاب كردية تعبر عن الملل والنحل، وتقاتل من أجل اسم زعيمها أكثر من الحقوق الكردية. أقول بدون هذه النوعية من الأحزاب سيصاب الاستبداد المسلط على رقاب الأكراد بشيء من الشلل. تماماً مثل وجود أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي ينخرها الشلل وأمراض الشيخوخة، ولكنها مع ذلك من ضرورات النظام للاستمرار في الحكم على هذه الطريقة البعيدة عن المنطق وعن أية عقلانية. ولهذا يقوم هذا النظام بين حين وآخر بحقن هذه الأحزاب ببعض الجرعات والمنشطات لكي تصارع الموت فترة أطول .
لقد كشف الشيخ معشوق الخزنوي نفاق رجالات الدين الإسلامي، عرباً كانوا أم أكراداً. فقد أعلن بجلاء أن الإسلام شيء والعروبة شيء آخر، وأن عملية التوحيد والدمج بينهما يهدف إلى غرض واحد هو التعريب وتبريد التعريب والاستبداد العربي على الأكراد. لقد عمم العديد من رجالات الدين المسيسين أن الاقتراب من العروبة هو الاقتراب من الرسول، وما قيمة كل متاع الدنيا في هذه الحالة(بما في ذلك الحقوق القومية الكردية) مقارنة بالتماهي مع الرسول العربي ولغته التي هي لغة أهل الجنة.
تقول إحدى الحكايات التركية( ولعلها صيغت في فترات نهوض الشوفينية التركية) أن أحد الشيوخ الترك كان يتحدث لمريديه، ويقول أن من لا يعرف اللغة التركية لن يدخل الجنة، لأن لغة القائمين على الجنة هي التركية. وعندما سمع المريدون هذا الكلام فرحوا وجرت همهمة فيما بينهم، ما عدا واحداً منهم، أخذ يبكي بحرقة. وعندما سئل عن سبب بكائه، قال وا أسفي..! فالرسول محمد لن يدخل الجنة لأنه لا يعرف اللغة التركية. هكذا كان شيوخ مختلف القوميات، يوظفون الديانات وحتى الخرافات لصالح شعبهم، ما عدا شيوخ الأكراد، فالأمر عندهم مختلف، لقد استعربوا من خلال الدين الإسلامي، ودعوا شعبهم إلى نبذ هويته والسير قدماً نحو التعريب، أمثال مروان شيخو وكفتارو، وأخيراً وليس آخراً, ابن جزيرة بوطان؛ جزيرة مم وزين والثورات الكردية المتواصلة؛ السيد محمد سعيد رمضان البوطي الذي داس بحذائه على شعبه لأنه فرح بالخروج من الليل الرهيب لأقذر طاغية في الشرق.
كان شيخ معشوق يستطيع أن يجمع حوله المريدين الجهلة مثل أسلافه، ومثل غيره من معاصريه، ويعدهم بالجنة العربية والحوريات الحسان، ويهددهم بجهنم وبئس المصير، ويروي لهم تلك القصص الدينية الخيالية الميتة في كتاب رياض الصالحين، تلك القصص التي تجتث الإنسان من الحياة ومن الواقع، وتحصره في حلم جميل على طريقة أفلام الكرتون. كان يستطيع أن يبتز الناس مثل أسلافه وأمثاله من شيوخ الدين الكرد ذوي الدقون التي يعشعش فيها النفاق، ليزيد من ثروته ونفوذه. كان يستطيع أن يوالي النظام، ويسخّر الدين لتبرير سلوك مستبدي شعبه كما يفعل الكثيرين، ويحقق من وراء ذلك كل غاياته الشخصية والعائلية. كان يستطيع أن يفعل مثل بعض زملائه من الشيوخ الكرد واليسار الأممي المهزوم، ويخرج في القنوات التلفزيونية ليشتم شعبه، ويعتبر مطالبته بحقوقه القومية عمالة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية وخروجا عن الوطنية، وبالتالي يصبح نجماً في قناة الجزيرة وشخصية ذات نفوذ. كان يستطيع أن يفعل الكثير مثل غيره. لكنه لم يفعل ذلك، بل فعل ما لم يستطع غيره أن يفعله، لقد اختار طريق الحرية لشعبه، ووجد في هذا الطريق هويته كانسان وكرجل دين وكثوري لا يستطيع أن لا يرفع يده بكل جرأة في وجه الظلم الممارس على الكرد. لقد وقف في ذكرى فرهاد( أحد شهداء انتفاضة آذار) ليعلن بجرأة الرجال مسؤوليته ومسؤولية كل الطبقة السياسية والثقافية عن هذه الجريمة. فكم تشامخ في وجدان شعبه عندما قال نحن كلنا مسؤولين عن قتل فرهاد. كان يعني بكل بساطة أن القوى السياسية والفكرية والثقافية التي لا تقف في اللحظة التاريخية مع أبطالها الذين ينزلون إلى الساحات ليقدموا أنفسهم ضحايا من أجل حرية شعبهم، هي قوى مشاركة في الجريمة، بل هي قوى يجب أن تموت. ويحق لنا أن نسأل في ذكرى معشوق خزنوي الأولى: ألم نكن جميعاً مشاركين في تلك الجريمة منذ لحظة اختطافه؟. سأترك الجواب للشعب وللتاريخ، ولكن لو انتفض الكرد عن بكرة أبيهم عندما اختفي الشيخ الجليل، كما انتفضوا في 12 آذار، لو اتحدت الأحزاب الكردية السورية في خطاب واحد وتصرفوا كشجاعة شيخ معشوق الخزنوي، لكانت النتيجة شيئاً آخر.
وكانت الكوميديا بعد استشهاده على الساحة السياسية الكردية، حيث تسابقت القوى الكردية المختلفة في البكاء عليه، وتبارت في الدعوة للمظاهرات الاحتجاجية، كل حزب يريد أن يرتزق بعض الجماهير على ضريح الشهيد الكبير، واختلفت هذه الأحزاب كالعادة على حروف الجر والنصب في البيانات والبلاغات، لقد كانت هذه الأحزاب تريد اقتسام بطولة الشيخ معشوق الخزنوي لاستضافة رصيد جديد على رصيدها الخجول. تماماً كما فعل الشيعة مع حسين، حين تخلوا عنه عندما كان بحاجة إليهم، وبعدما قتل وحيداً، أخذوا يندبون أنفسهم، ومازالوا حتى الآن يقومون بطريقة بدائية متخلفة لتعذيب الذات تعبيراً عن الشعور بالذنب. لكن هيهات أن يمحي الشعور بالذنب التخاذل.
لا يمكن إعداد الأبطال الحقيقيين والتخطيط لظهورهم بناء على رغبات جامحة. فمهما عظّمت من مكانة شخص ما بالشعارات،والخطابات، وبالملابس الملونة، وحشوته بالألقاب النادرة والرسوم الضخمة، ففي اللحظة التي يتطلب الأمر بطولة فعلية، تنهار الجلالات والألقاب والأوسمة الصدئة، ويعود الرجال إلى أحجامهم الطبيعية، وتتأتئ الألسنة الجبانة، ولا يبقى سوى من أنذر نفسه لقضيته، وللحظته التاريخية، لن يبقى سوى ذلك البطل الذي يحول حتى موته إلى مرحلة جديد من كفاح شعبه, وهذا ما كان عليه الشيخ معشوق الخزنوي.
إن التاريخ لا يكرر نفسه كما يقال، لكنه يعلّم، يعلّم أن هناك أناس يحولون أنفسهم إلى وقود ليستضيء بها شعبهم في الملمات، وهناك أناس يحولون شعوبهم إلى وقود ليتدفؤوا بها.