إلى توفيق العبايجي

مظفر النواب
2020 / 2 / 15

في أمسية في هولندا ، في الصف الأمامي. أنا نادر ما أنتبه للجمهور ، أثناء الإلقاء بالصف الامامي انتبهت لعين مشدودة ، تخليني أنجذب إلها ، أنجر إلها.
رجل على كرسي متحرك بسبب إصابات بالعظام طويلة عريضة ، وعيون صغيرة بس تتفرس بيك بقوة ، طلّعت بالرجل ، ورجعت السنوات للماضي ، شوية شوية تذكرت بصعوبة ، كان توفيق العبايجي.
توفيق العبايحي مناضل عريق أُوذي بإيذاءات فظيعة ، قسم منها بعظامه وإلى آخره ، فقطعت الأمسية وحييت الرجل ، بعد أشهر توفي.-- مظفر النواب








هذا الهادئ كالصمت
بقية زلزال
أيُّ همومٍ في عينيه الوادعتين
يُحدِّق في الزمن المكتظ
بأشباه رجال
أية أنقاض من تاريخ بلادي
في هذا الرجل الكرسي الهادئ
أيةُ أهوال ؟
لا تَبخَس هذي الأنقاض
فَتَحتَ الأنقاض
بقايا قبطانٍ
عصفَت بسفينته الدنيا
هو ذا يُبحِر في لوح منها
تابوتاً في الغربة
عاش قتالاً ويموت قِتال
جعل الدّفة
جزءاً من دورته الدموية
لم يعرف
أن هناك مرساةً
أو راحة بال
ثَمَّ حمولة عشق
أقسَمَ بالمجهولات جميعاً يوصِلها
يا توفيقُ :
وأنت أمام المجهول الأعظم
والأمواج جبال مظلمة
ويَرينُ الصمت بقبرك
لا أحسَبُ ما دام عِراقك
ما بين يدي غلمان
مباغي الغرب
سترقد في القبر
براحةِ بال
هو ذا محني الظَهر
بسترته القهوائية جداً
ينبس من غير إرادته: بغداد
يُلقنها للغربة
كي تفقد غربتها
ويخاف عقوق الأجيال
وأنا أيضاً يا توفيق
أخاف عقوق الأجيال
ويُشيحُ
وإن لم يبقَ به عظم
لا يؤلمه
يتعطّف أن يلمح ذُلّاً
يسحق ألواح سفينته
كان يحب حطام سفينته أيضاً
ويرى فيها تاريخ نضال
توفيق رفيق العمر :
أرِح موتك
إنّا نجمع جميع أوصال
سَفين الحرب
وقد يأخذ ذلك وقتاً
نَتَربّصُ بالأقدار وإن جرحى
من كل جهات الأرض
فما دامت هذي الأرض
هنالك أبدال
كنت شديد اللهفة
أن تُدفَنَ
في الصلصال الأحمر للنهرين
بأي الصلصال
أخي توفيق دُفِنتَ ؟
سيأخذ من لون عقيدتك الصلصال
أشهَدُ أنك كنت سفينة حرب
أشهَدُ أنك كُنتَ رِجال.