انتهاك الحدود

زينب محمد عبد الرحيم
2020 / 2 / 14

اِنتهَاك الحدود
اِنتهَاك الحدود عبارة تحمل داخل بنيتها العديد من الدلالات وذلك لأن هاتان الكلمتان لهما دال ومدلول داخل اللغة التى نستخدمها فاللغة القدرة على الصياغة وأيضاً التأثير على العقل الجمعى الناطق بها الذى يستخدم تلك الكلمات فى عباراته وخطاباته فلا توجد لغة بريئة غير محملة بالإنحيازات والخطابات السُلطوية المهيمنة على هذا العقل الجمعى ومن ثم تنعكس كل هذه الخطابات مُكونه كلمات لها العديد من الدلالات كما هو الحال فى هذه العبارة اِنتهاك الحدود , فماذا نعنى بهذه الجملة أو بمعنى أدق ماهو أنطباع هذه العبارة على كل من يقرأها وما هى التوقعات التى يفرزها عقلنا على مختلف المستويات الفكرية لتفسير معانى مثل هذه الكلمات داخل العقل ,فيقودنا ذلك لفتح المعجم من لسان العرب إلى الوسيط بحثاً عن المعنى لكل مفردة وكما هو مُتوقع سنجد الكثير من المعانى للكلمة الواحدة وذلك حسب السياق الوارده فيه فنبدأ بفعل (اِنتهك) تعنى كما فى لسان العرب اِنتهاك المقدسات والتعدى عليها / وتأتى بمعنى نقض العهود , انتهك تأتى بمعنى أجهد وأضعف (انتهكته الحمى)
وبإلقاء الضوء على كلمة حدود سنجدها بمعنى الحاجز بين شيئين , وأيضاً بمعنى حد الله أى الأوامر والنواهى , أيضاً تدل على الحدود الدولية و الطبقية الاجتماعية ,وأيضاً الحدود بين الأجناس الأدبية , ويأتى معنى الحدود إلى ابعد مدى أو للغاية مثل (إبداع بلا حدود) وتحمل هذه الجملة مفهوماً آخر وهو التحرر من القيود أى إبداع بلا قيود.
اذن تأتى الحدود كحاجز وقد تأتى بمعنى المطلق اللامحدود .
كل ما سبق كان إستعراضاً لبعض الدلالات اللغوية لعبارة واحدة قد تحمل داخلها عدد لا متناهى من المعانى داخل اللغة الواحدة , فماذا نعنى الآن باِنتهاك الحدود؟! هذه الإنتهاكات يقوم بها الإنسان فى كل لحظة وذلك من خلال المعرفة التى ينتهك بها حدود الجهل او حدود اللامعلوم ,انتهك العالم الميتافيزيقى وحوله إلى فيزيقى وضاعت الحدود بين هاذين العالمين الذى لطالما نسج حولهما الإنسان الأول الأساطير وذلك ربما للهدف ذاته ان ينتهك حدود المجهول و يقتحم عالم اللآلهه ليجد إجابات وتفسيرات على هذه الظواهر مثل بداية الخلق والموت والظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين والأعاصير وغيرها من الظواهر التى كانت سبباً فى قلق ورعب الإنسان والتى هددت حياته فسعى لإنتهاك حدودها بالأساطير تارة وبالعلم تارةً آخرى , وحتى عندما سيطر اللاهوت على العقل الجمعى جاهد التنوير فى اِنتهاك حدود هذا اللاهوت الذى تزاوج مع السُلطة وأصبح له اليد الطولى فى قمع العقل وإخضاعه بهدف السيطرة عليه وتحجيمه وذلك ليسهل حكم هذا الشعب المحدود عقلياً !
حتى الحدود الطبقية الاجتماعية وهى حدود رمزية بالضرورة فهى فوارق تتجلى فى عدم تكافؤ فرص الوصول بالإضافة إلى التوزيع الغير عادل للموارد والفرص الجتماعية .
فهذه الحدود وجدت من أجل التصنيف والتمييز بين الأشياء والناس وحتى بين الزمان والمكان فتعمل هذه الحدود الاجتماعية على منع الفرد من الخروج عن المجموعة سواء كان بالصعود او بالانحدار ومن ثم قتل الإبداع ! ولا تقتصر الحدود على الطبقة الاجتماعيه فقط بل قد تكون هذه الحدود جنسية أو عرقية أو لغوية وقد تتكون تلك الحدود بناء على الاختلافات الواضحة بين تلك المجموعات وقد يصل الإيمان بتلك الحدود إلى ان يصبح غريزياً بمعنى ان كل جماعة يتكون لديها عادات ومعتقدات وأعراف تفصلها بشكل قاطع عن غيرها من الجماعات الآخرى التى لها توجهات وعادات وطبيعة مغايرة وقطعاً تلك الحدود تتم اِنتهاكها حتي لو بشكل فردي عن طريق الإنتقال والإنتشار كما هو الحال في الموروث الشفاهي فهو رغم خصوصيته ومحليته إلا انه عالمى ويظهر ذلك فى الأساطير و الحواديت الخرافية والحكايات الشعبية المنتشرة والمتشابهه فى العديد من الثقافات المختلفة والتي تفصلها حدود جغرافية وتاريخية وإيدلوجية وعلى الرغم من ذلك تشابة في العديد من الأحداث والموتفات ربما لوحدة العقل البشرى او طبقاً لنظريات آخرى ولكن الذى يعنينا هو التشابه . إلا ان هذه الحدود التى كانت تُنهك بشكل ربما فردي اصبح الآن واقعاً ملموساً نعيشه بفضل التكنولوجيا و الثورة الرقمية التي استطاعت ان تنتهك كل الحدود وأذابت كل الفوارق الزمانية والمكانية وجعلتنا حقاً نعيش فى حارة صغيرة كان يحكمها جبلاوى قبل ان يُبعث عرفة من جديد (أولاد حارتنا,نجيب محفوظ) فقد كان نجيب محفوظ عارفاً ومتوقعاً ان هذا العالم اللامحدود سيتحول إلى تلك الحارة المحدودة بفضل شهوة عقل الإنسان لإنتهاك تلك الحدود بأى وسيلة! وكيف للجنس البشرى ان يقف صمتاً أمام كل هذه الإنتهاكات صامتاً دون السعى وراء اِنتهاك تلك الحدود الفاصلة بين الأجناس فحتى الفوارق الصارمة بين الذكر والأنثى أخذت فى التلاشى فنجد العابرون من جنس لجنس وذلك ادى إلى تغير مفهومنا عن الجنس وتحويله إلى جندر نوع اجتماعى وأصبح التصنيف بناء على الدور الاجتماعى الذى يقوم به الإنسان بغض النظر كونه ذكر ام أنثى وأصبحت تلك الحدود الفاصلة بين الذكر والأنثى مجرد فكرة سرمدية أجبرتنا الظروف الاجتماعية الضاغطة على اِنتهاكها ودفعت العديد من النساء ان يخرجن إلى العمل وأن يكن متحققات بفضل عقلهن والعمل على إثبات ذاتهن الواعية والجاده والتى يمكن ان تحقق ما يحققه الرجال سواء فى العمل او العلم او حتى فى أنواع الرياضة المختلفة حتى أعنف أنواع الرياضات استطاعت المرأة ان تنتهك حدود المحرمات الفكريةعن جسدها وقوتها وتدخل إلى ذلك العالم العنيف وكلاً حسب ميوله وأهوائه تاركه خلف ظهرها كل الحدود الفاصلة والتنميط والنمذجة التى توارثها الأبناء عن الأباء والأجداد تحت مسمى
(التراث المقدس ) الذى كان له الفضل فى وضع الحدود وتأسيسها والسير وفق قواعدها وللحق نجد من يؤمن ويقدس هذا التراث ينفي عنه صفة التقديس وهذه مغالطة لايقبلها عقله هو شخصياً فإما ان تنتهك تلك الحدود اوتظل عبداً أسيراً عالقاً وسط هذا التراث الأسطورى المظلم الذى لم ولن يعود إلا داخل الحكايات والحواديت التى ستحكى عندما يتفتت إلى وحدات وموتيفات ويصبح مجرد نص أدبي له طابع عجائبي يُقال للأطفال قبل النوم أو ربما العقل الحداثى سيتجاوز هذه الحكايات لينسج آخرى تلائم عصره وحياته وأحتياجاته المعاصرة , سيظل الإنسان العاقل الذى وهبه الله نعمة العقل يعيش حياته منتهكاً لأى حدود ساعياً وراء فضوله العقلى كاسراً حواجز الغموض مكتشفاً وكلما وضُعت أمامه الحدود كلما زادت قدرته على اِنتهاكها وتجاوزها , فكيف لنا ان نقنع ونرضى ونصدق كل ما نراه أو نسمعه دون أن نسعى إلى معرفة ما تحويه هذه اللغة وما يختبئ تحت هذا الخطاب فاللكلمة الواحدة معاني ودلالات وربما ثنائيات داخل الجملة الواحدة فكيف لنا ان نستسلم لما يوضع أمامنا دون قراءة نقدية لما نقرأه أو نسمعه أو حتى يُعرض علينا على ساحة الأحداث لماذا نربط أنفسنا بالحدود الوهمية الصارمة التى نسجها الآخرين من خيالهم وفرضوها على عقول الشعب حتى أصبح جسد الإنسان سواء رجلاً أو إمرأه سطحاً للكاتبة تكتب العصور والأزمنة وأصحاب المال والهيمنة عليه كيفما يشائون و تتحكم تلك الحدود فى الرجل قبل المرأة فجعلت الرجل يسقط هذه السيطرة على المرأة وألبسها التراث سبب الخطيئة الأولى واللعنات التى حلت على الكرة الأرضية ومن ثم يكتب على جسدها ان يصبح مصدراً الفتنة وإثارة الغرائز الحيوانية لدى الرجال والأطفال والشيوخ ! وأصبح جسدها متاح ومُباح للتحرش وللتعرى وللتحجب فقد كتب المجتمع على جسد المرأة أفكاره وخرافاته وأيضاً ميوله السادية أو المازوخية أو الأثنين معاً فالتناقض والأزدواجية من سمات العقول المريضة الغارقة فى ظلام الجهل والخرافات .