من يفكك الأزمة؟ ومن يؤزم الواقع؟ ح3

عباس علي العلي
2020 / 2 / 13

كان من جراء تبلور هذه الفكرة وثباتها مع الموروث التاريخي المتجذر في الوعي الجمعي لهذه الفئة الشعبية، إن تأسست في ضميرها نوع من أختلال في تعيين منحنيات الفكرة السياسية لديها نحو تجسيد الوعي السياسي لها، على أعتبار أن تحقيق التجربة وبسطها واقعا سيظهر نبل الفكرة المضادة لها نوعا وكيفا، وحتى مع أنتقال السلطة لها وتمتعها لأول مرة بقيادة المجتمع لم تفارقها فكرة الأنتقام، ولم تتطور جوهرية الوعي السياسي لديها لتكوين حالة تجنب هذا السلوك المنحرف وخلق تجربة مغايرة، وظل هاجس الخوف والفشل يلاحقها من أن تأتي فترة أنتقال حتمي بعوامل خارجية وداخلية لتغيير من معادلات السلطة والوعي، هذا يفسر حالة الدفاع السلبي عن مشروع التغيير الذي نادت به طويلا وعانت منه خصيصا، وبقيت أسيرة عاملي الخوف من جهة والشك والريبة من أي تطور يحاول أن يصحح مساراتها التي تقر هي بذاتها من أن التجربة ولدت مشوهة وناقصة و لا بد من تصحيح ما.
مشروعية أي فكرة حتى تمتلك المبرر للقبول بها والإيمان بمبادئها هو أختلافها الجذري أو النوعي عن الواقع المنتقد أو المطلوب تغييره، فمهما كان نوعها وجنسها وغائيتها الكبرى يبقى التطبيق العملي لها على أرض الواقع، وخلق البديل الأكثر جدارة كما يقول الشاعر العربي القديم (لا تنهى عن خلق وتأت بمثله.... عيب عليك إذا فعلت عظيم)، فبعد تحولات عام 2003 وظهور تطورات مفهوم دولة المؤسسات الديمقراطية والتحول من ديكتاتورية القائد والأيديولوجية إلى مجتمع القيم كما أراد وأعلن القائمون والصانعون للتحول هذا، لم نشهد إنفكاك حقيقي عن مورثنا المأزوم بأمراض الأنا الفئوية وبين واقع منح الجميع الحق بالتعبير والحرية في الأعتقاد، والسبب يعود بالأصل إلى أختلال القواعد الفكرية والذاتية لللاعب السياسي الجديد، وحرصة التام على أن يجعل من هذا التغيير أقتصاص من الماضي ليس على أنه كان خطأ تاريخي له أسبابه وعلاته، بل حاول شخصنة هذا الخطأ عبر وجود الأخر ومعاقبته مهما كان مشاركا أو مشتركا في الظلم الذي عانى الجميع منه.
إذا يمكننا القول بصورة مختصرة أن السياسي العراقي مع كل تحول إيجابي أو سلبي عجز دوما أن يستخلص معنى التجربة، وفشل في توظيفها لتأسيس واقع جديد يتجاوز الأزمة النفسية والتاريخية الشخصانية والذهاب مباشرة نحو الحل، بل أنه بقى مصرا على ذات قواعد الأزمة السابقة وإن تبدلت أماكن اللاعبين وهوياتهم، فالأزمة باقية على حالها تفتك بالشخصية العراقية عموما والسياسية النخبوية خصوصا، وكل مبرراتها الفعلية والفاعلة موجودة في كل مرحلة وما تغير فقط الشكل الظاهراتي له، مهما أدعى البعض من ضرورة تجاوزها نحو صناعة بديل أكثر وعيا وأسمى في الرؤية والمنهج حتى يبدأ البناء الصحيح والمماهي مع أصل فكرة مقاومة الظلم والتهميش والإقصاء النوعي.
نعود لجوهر القضية ونبحث عمن يؤزم الأزمة أو لنقل بمعنى تساؤلي أكثر وضوحا بعبارة (هل أن أزمة المجتمع العراقي سياسيا سببها ذاتي أم موضعي متصل بالجغرافيا والتاريخ؟)، من دراسة علم التاريخ الأجتماعي وفلسفة علم النفس المجتمعي نؤكد أن الذات الإنسانية واحدة كمبدأ عام تتفاعل وتنفعل بالماحولية البيئية التربوية ونتاج التجربة، فكثيرا من المجتمعات الإنسانية أستطاعت التخلص من رواسب الذات وقوتها وتحكمها بالسلوكيات المدمرة، وبالتالي فالشخصية الذاتية تتغير بتغير طرق التعاطي معها وهي غير قابلة على التقولب الجامد حين تجد ما ينقصها أو يصحح من مدركات المسار فيها.
والتجربة الاجتماعية البشرية برهنت أن تبدل الأفكار والأهتمام بصناعة الوعي وخلق البيئات المساهمة في عملية التغيير، هي الطريقة المثلى والأهم في ذلك مع ما يتبعها من مناهج تربوية وقيم أخلاقية عقلية ومثالية تساهم في حث الشخصية الفردية والجمعية على التغيير متى ما علمت أن طريقها الأخر منغلق على نفسه ولا يمن الأستمرار به على نفس المنهجية التقليدية التي صنعت وجذرت أزماتها السابقة، بقاء الحال على ما هو عليه مع حكم قوة الزمن وسيرورته لا يسمح بذلك ولا يمكن حجره أو تقييده على ذلك.
إذا ما يعرقل التحول هو أما غياب إرادة التغيير ومحاولة الحرص على تقديس الأزمة ذاتها بأعتبار أن ذلك جزء من منظومة الإيمان بالقضية، أو غياب المنهج الصالح والرؤية التكوينية التي تفهم مسببات وعلل الأزمة مما يتيح لها ضرب قواعد التأزيم هذا بأجتراح البديل وتقديمه كمنهج متكامل قابل للتطور والتحديث مع نتائج تجربته، وبذلك نتخلص من العقم الفكري المسيطر على رسم الطريق وفتح كل الأبواب أمام التحرر من قوانين الأزمة ووجودها.