يساريون

خليل قانصوه
2020 / 2 / 13

خليل قانصوه ـ فرنسا في 12.02.2020
يساريون !
من نافلة القول أن المقصود هنا ليس اليسار و اليساريون بوجه عام ، وإنما يساريين كانوا في ما مضى نشطاء في صفوف حزب أو منظمة منعوته باليسارية ، ثم خرجوا من هذه الكيانات و تبنوا مفاهيم و أفكارا تدعوا بحسب الناقدين إلى مجاراة التيار الرأسمالي الجديد والاعتراف بتفوقه و إلى التسليم بعبثية السير عكسه .
إذن و بتعبير آخر يُعيب الناقدون على يساريين اضطلعوا سابقا بمسؤوليات في أحزابهم التقدمية ، انتقلوا إلى العمل كأشخاص مستقلين حيث أمكن ، بدافع معيشي صرف في أغلب الأحيان ، فيما أعتقد أن بعضهم استطاع أن يجد موطئ قدم في التعليم أو الإعلام مما أتاح له مراجعة تجربته الحزبية على ضوء التطورات الاجتماعية في البلاد و خارجها و التفكر في مآلها و انعكاساتها على الفرد و الجمع . لا شك في أن ذلك أوصل بعضهم إلى اليأس و أوقعه في الإحباط .
من البديهي أن نأخذ بعين الاعتبار في تناول هذه المسألة موقع الناقد من أجل معرفة الغرض من النقد . فليس مستبعدا أن يكون هذا الأخير موجها في الحقيقة إلى " اليسار " نفسه من خلال نقد تجربة اليساري السابق "التائب أو المرتد " ، و في المقابل يوجد بالقطع انتقاد غايته الدفاع عن هذا " اليسار" و تبرئته من مساوئ المتساقطين و الانتهازيين من بين أعضائه .
هذا الأمر ليس جديدا في مضمار الصراع الفكري و العقائدي و لكني لست بصدده ، فما يهمني هو تفهُّم معنى " اليسار " و اليساري في مجتمع مثل المجتمع اللبناني بوجه خاص والعربي عموما ، يتميز بتنامي و اتساع تأثير الفكر الديني فيه ، مقارنة بسنوات 1960 ، بالإضافة إلى أن تداعي الدولة الذي ظهر بشكل ملموس من خلال الهزيمة الماحقة التي لحقت بها في سنة 1967 جعل الظروف ملائمة لانتشار الفكر اليساري الذي يحض الناس على تحمل مسؤولياتهم دفاعا عن بلادهم و عن لقمة العيش في مواجهة خطر المستعمر و إخفاق الدولة الوطنية !
فوقع ما هو منتظر في مثل هذه المجتمعات . حيث تحالفت بقايا الدولة ، و جميع التيارات الفكرية المعادية لليسار ، و في مقدمها طبعا حركات الفكر الديني السياسية ، ووقفت إلى جانبها بشكل مباشر أو غير مباشر ، الولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل والدول الخليجية ، من أجل قمع الفكر اليساري و تحييد أحزابه و منظماته .
كان من الطبيعي أمام هذا التحالف بالإضافة إلى العوامل المحلية وتداخلها مع العوامل الإقليمية أن لا يتجذر الفكر اليساري جيدا و أن لا ينضج في البيئة الجديدة التي استقبلته في سنوات 1970 بحماسة كبيرة ، نتيجة الشعور بالضيق و القلق على المصير فلم تتسنى الفرضة لها و الأساليب و الوسائل لكي تتبناه و تمارسه و تحصد فوائده . لذا لم يكن مستغربا أن تستبدله عندما تغيرت الظروف كما يستبدل المرء الذي تحطم مركبه في البحر قطعة خشبية بأخرى أملا بالنجاة من الغرق .
خلاصة القول أن مسألة اليسار و اليساريين تتطلب ، من و جهة نظري مقاربة جدية وموضوعية تأخذ بعين الاعتبار استعداد الحاكم الغاشم و رجل الدين الذي صادر الدين ، للاستئثار بالسلطة مهما بلغ الثمن و ما يجري فيه عبرة لمن يريد أن يعتبر . فاليسار في جوهره مشروع عدالة اجتماعية وبالتالي لا يمكن الكلام عن اليسار في مجتمع لم تلتحم مكوناته بعد ، بل إن انفصالها الكامل عن بعضها ليس مستبعدا على الإطلاق و مسؤولية ذلك تقع على الذين يمسكون بالسلطة التي لم تتمكن من إتمام التحرير الوطني من الاستعمار. ينجم عنه أن الإشكال هو في الواقع بين اليساريين الذين يعتبرون أن الأولوية هي لتوحيد المجتمع وإرساء قواعد عيش مشترك في مقابل يساريين يعتقدون بإمكانية مجتمع تنهبه مافيات الحكام ، أن يتحرر من الاستعمار !