مداخلة في لقاء بروكسل التحضيري لمؤتمر وطني عام لقوى المعارضة الديمقراطية

سعد الدين ملا
2020 / 2 / 13

مداخلة في لقاء بروكسل التحضيري لمؤتمر وطني عام لقوى المعارضة الديمقراطية. الأخوة الكرام!
هدفنا من هذه الفعاليات كما ورد في رسالة الدعوة لهذا الإجتماع هو: "بناء توافقات وطنية سورية، بما يضمن وحدة الاراضي السورية وتحقيق الانتقال الديمقراطي الجذري الشامل ،بما يلبي تطلعات الشعب السوري وفق القرارات الدولية ذات الصلة" وهذا يحتاج لمبادئ وتعهدات يلتزم بها الجميع. إذ لايمكن تحقيق الإستقرار والبناء والديمقراطية بدون توفير مقوماتها الآساسية ومنها الإنطلاق فعليا من أن سوريا دولة متعددة القوميات والطوائف. إذ أثبتت التجربة أن تجاهل تاريخ سوريا وطمسه لم ولن يكون محمود العواقب على مصير مواطنيها وشعوبها. ولنتذكر أن الدولة السورية تشكلت بداية من خمسة دويلات وإحتاج توحيدها إداريا وبالتدريج لنحو خمس وعشرين سنة في ظل الإنتداب الفرنسي حتى الإستقلال. وبأخذ تاريخ سوريا ما بعد الإستقلال، وبالإحتكام للواقعية، وخاصة أخذ تداعيات الحرب الأهلية المستمرة بعين الإعتبار، نجد أن التوافق الوطني يحتاج لدستور توافقي بين مختلف المكونات أولا، وأنه من الجنون أن نكرر نفس الشيئ ونتوقع نتيجة مختلفة. ومن هنا فإن صياغة دستور توافقي على أساس نظام اللامركزية السياسية، تتوزع فيه السلطات بين المركز والآقاليم، كفيل بتحقيق التوافق الوطني المنشود وإزالة مبررات ومسوغات الديكتاتورية، خاصة وأن أوروبا و روسيا وأمريكا ترحب به في سوريا القادمة. كما أن النظام الفيدرالي لا يتعارض مع الإدارة الذاتية القائمة، على ان يتمتع كل إقليم إتحادي بحق إختيار نموذج الإدارة الذاتية المناسب له. وإنطلاقا مما تُقرُها قوانين وقرارات الهيئات الدولية العالمية كهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيما يخص حقوق الشعوب، فإن تبني نظام فيدرالي أو اللامركزية السياسية يتمتع فيه الكورد والمكونات الأخرى بأقاليمهم من شأنه ضمان وحدة سوريا وتحقيق الإنتقال الديمقراطي الجذري ويلبي القرارات الدولية الخاصة بالأزمة السورية الراهنة. وبعكس ذلك سيزداد خطر عودة سوريا إلى سابق عهدها أي عدم الإستقرار والتدخل الخارجي ومن ثم الديكتاتورية والتخلف. ومن هنا فإن كل من يعارض تبني اللامركزية السياسية في سوريا إنما يريد منذ الآن فرض إرادته القومية أو الطائفية أو الإيديولوجية أو الفردية على الآخر المختلف بالقوة ويميل إلى الديكتاتورية على الجميع، وأنه لم يتخلى بعد عن النفس الشوفيني الذي يسبب النزاعات القومية والطائفية. فالإمتناع عن الإعتراف بالوجود الكوردي أرضا وشعبا في سوريا وحقه في تقرير مصيره بنفسه يعني التنكر للتاريخ وتبرير التمييز العنصري والإضطهاد القومي. ومن هنا ضرورة تحديد الموقف من الوضع القانوني الضامن لحقوق الشعب الكوردي بإعتباره أمانة من الإضطهاد القومي وضمانة لتحقيق حقوقهم بالإضافة إلى أن تمتع الكورد والمكونات الأخرى بحقوقهم كفيل بتحقيق الإستقرار ووضع البلاد على سكة الديمقراطية. فالإقليم الفيدرالي كوضع قانوني للشعب الكوردي هو مطلب جماهيري، و في حين كونه أمانة من الإضطهاد القومي والمظلومية التاريخية، هو أيضا مفتاح الديمقراطية في البلاد ومقياس لديمقراطية الديمقراطيين ومعيار لمصداقيتهم. الأخوة الأعزاء! يشهد التاريخ على أن صدى أية حرب تدوم لأكثر من مئة عام، فإن النظام الإتحادي لسوريا ما بعد الحرب الأهلية من شأنه: ـ منع حوادث الإنتقام. ـ وتوفير ظروف الإستقرار والتعايش السلمي المجتمعي. ـ و الإتحاد الإختياري عبر التكامل الإقتصادي و تحقيق المصالح المشتركة، من خلال توزيع السلطات بين المركز والآقاليم. ـ و تعزيز روح المواطنة وتقوية اللحمة الوطنية. ـ و قطع الطريق عن تكرار التمييز والإضطهاد القومي والطائفي والمناطقي. ـ و توفير مناخات ملائمة لتحقيق المشروع الديمقراطي. ـ وقطع الطريق على التفرد بالسلطة ومختلف أنواع الديكتاتورية من عسكرية وإيديولوجية وطائفية وقومية. يقول أحد الحكماء: "أن أمة تستعبد أمة أخرى لا يمكن أن تكون أمة حرة" وبالقدر نفسه من الصحة لا يمكن أيضا لإنسان يستعبد غيره أن يكون حرا، وأن ديمقراطية المجتمع تابعة لدرجة حريته. وقد أثبتت تجربة بناء الدولة السورية لحوالي مئة عام أن لا حرية أو ديمقراطية لأي مكون على حساب حقوق المكونات الأخرى مهما سوغها من شعارات وطنية وبالغ في اختلاق مؤامرات مزعومة أو أعداء وهميين، وان الديكتاتورية التي إبتلت بها سوريا جاءت نتيجة لسكوت العربي السوري عن مصادرة حرية وحقوق الكوردي والأثوري ـ السرياني والدورزي وغيرهم. ومن هنا تتأتى ضرورة صياغة دستور توافقي أو أن تخص حقوق الشعب الكوردي، الذي يشكل القومية الثانية، والمكونات الغير عربية ببنود "فوق دستورية" أي في مأمن عن إرادة الأكثرية البرلمانية أو الشعبية أو الطائفية وبعيدا عن التدخلات الإقليمية، وأن يتضمن آليات تطبيقها العملي ومتابعتها بإشراف دولي. وأخيرا فإن من يعارض اللامركزية السياسية ـ الفيدرالية لسوريا إنما هو ليس بديمقراطي أو يتوخى، عن وعي أو بدونه، إعادة إنتاج السلطة المركزية والإتحاد القسري كالسابق.
وشكرا بروكسل 08ـ02ـ 2020