العثمانية الجديدة .. الاقتصاد السياسي لتركيا المعاصرة

سامي حسن موسى
2020 / 2 / 13

نشر المقال التالي في صحيفة "مورنينج ستار" بتاريخ ٢٠ يناير بعنوان "العثمانية الجديدة .. الاقتصاد السياسي لتركيا المعاصرة" وكتبه كمال أوكويان ، السكرتير العام للحزب الشيوعي التركي.
ترجمة سامي حسن موسى
انشغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد فشله في سوريا، بتطوير رؤية ثانية لمشروع العثمانية الجديدة الذي استحضره إلى الأجندة السياسية في النصف الثاني من الألفينيات.
مما لا شك فيه أن سياسة التوسع الإقليمي والاقتصادي للعثمانية الجديدة هي ثمرة سياسات وأيديولوجية أردوغان وحزبه.
لم تقبل القوى الإسلامية المتصلة بأردوغان قط الجمهورية التركية التي أسستها الثورة البرجوازية بقيادة مصطفى كمال منذ مئة عام.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير السياسة الخارجية التوسعية لتركيا على منطقة واسعة بالانعكاسات الإسلامية فقط.
إن لم تكن عثمانية أردوغان الجديدة تتطابق مع احتياجات الطبقة الرأسمالية التركية لكان حكم عليها بأن تظل نزعة هامشية.
إذا أردنا فهم السياسة الخارجية لتركيا، وهي الدولة التي اعتبرت حتى وقت قريب حليف مخلص للولايات المتحدة والتي تبادر بالالتزام بقضايا إذعانًا للمراكز الإمبريالية الغربية فقط، علينا أولًا أن ننظر إلى التطورات داخل النظام الإمبريالي.
واجهت الولايات المتحدة صعوبات في الحفاظ على دورها المهيمن في التسلسل الهرمي الإمبريالي منذ فترة طويلة.
وإحدى النتائج المهمة لذلك هي إضعاف نظام التحالفات الذي تشكل الولايات المتحدة مركزه. واليوم لا يمكن السيطرة عليه بشكل متزايد.
إن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم ليست مجرد زيادة النفوذ الاقتصادي لجمهورية الصين الشعبية أو النفوذ السياسي العسكري المتزايد لروسيا.
البلدان التي اعتبرت حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة حتى وقت قريب بدأت في استخدام مجموعة أكبر من الإجراءات. أصبحت الأساليب السياسية والعسكرية المختلفة مرئية داخل الناتو.
تتفق كل هذه التطورات مع منطق الإمبريالية. التطور غير المتكافئ وتعمق المنافسة التي تتحول في النهاية إلى صراع ليس مفاجئة في عالم تسيطر عليه الاحتكارات.
ومع تزعزع النظام الإمبريالي من القمة إلى القاعدة، يشارك جميع الفاعلين في الصراع من أجل تأمين حصص أكبر تتناسب مع قوتهم.
سيكون من السخف أن نتوقع من الرأسمالية التركية تجنب هذه المعركة، وهي التي وصلت إلى مستوى كبير من التطور حاليًا على الرغم من خصائصها الهشة.
إضافة إلى ذلك ، أدركت البرجوازية التركية أنه لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي قادران على تقديم بديل نامٍ مستقل لهم.
"الاستقرار" هي آخر كلمة يمكن أن تصف ما يحدث هذه الأيام في واشنطن ولندن وباريس وبرلين.
وليس منطقيًا في هذا السياق الادعاء بأن تركيا تبتعد عن الناتو لتستقر في المحور الصيني/الروسي. أصبحت الطبقة الحاكمة في تركيا أكثر انفتاحًا على المساومة واتخاذ موقف حازم ومتحرر نسبيًا كلما كانت الظروف مواتية.
ومع ذلك، حتى الآن، من المستحيل أن تقود هذه العملية تركيا إلى الانفصال عن حلف الناتو.
على العكس من ذلك، تريد البرجوازية التركية "إعادة الزواج" من الولايات المتحدة وألمانيا ولكن في ظل ظروف مختلفة تحافظ فيها على حرية العمل الواسعة التي تتمتع بها اليوم. وهذا النهج متوافق مع واقع الإمبريالية الآن.
لهذا السبب نحتاج أن نسأل، إلى أي مدى يمكن لمشروع العثمانية الجديدة أن يتلاءم مع طموحات الرأسمالية التركية؟
نما الاقتصاد التركي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان نتيجة للنهب الخارج عن القانون للمؤسسات المملوكة للدولة والمدن والطبيعة والأنهار والمناجم، وإفساح المجال للاحتكارات الدولية من خلال توفير جميع أنواع الحوافز، جنبًا إلى جنب مع تدمير قدرة الطبقة العاملة على المساومة ومع معدل اقتراض غير المنطقي.
أصبحت صناعة السيارات والبناء القطاعات الاقتصادية الرئيسية بينما انهارت العديد من الصناعات الأخرى. من الناحية الزراعية مثلًا، لم تعد تركيا دولة مكتفية ذاتيًا. وتحقق احتكارات الغذاء أرباحًا ضخمة بينما يدمر المنتجون الصغار بشكل مأساوي. إن الاقتصاد، الذي هزته البطالة والديون المحلية والخارجية وارتفاع معدلات التضخم، لديه هيكل هش، لا سيما في القطاع المالي.
لهذه الأسباب وحدها ، بالأخذ في الاعتبار هذه المعايير الاقتصادية، يمكن للمرء أن يرى أن العثمانية الجديدة في تركيا لديها قيود خطيرة.
وعندما نضيف إلى ذلك أن جميع العناصر الفاعلة المهمة تقريبًا أعينها على المنطقة، وأن تركيا ليست البلد صاحب أكثر سمعة طيبة بين الدول العربية، وأن هناك معارضة جادة داخل تركيا للعثمانية الجديدة، وأن جزءًا من الطبقة الرأسمالية يريد حزب أردوغان -حزب العدالة والتنمية- أن يتخذ سياسة خارجية أقل خطورة، يمكن أن نرى كم هو صعب على أردوغان مواصلة لعبته الحازمة.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن للرأسمالية التركية بعض المزايا. فبالمقارنة مع الدول الأوروبية، تمتلك تركيا سكانًا أصغر في السن.
ومن بين هؤلاء، يمثل الحاصلون على تعليم ثانوي وجامعي أكثر طبقة غير منظمة. ومع فقدان الحقوق النقابية والحقوق الجماعية، فإن هذا الاحتياط من العمالة المتعلمة يخلق قوة تنافسية هائلة للرأسماليين.
إن الأصولية الدينية، التي تُستخدم للسيطرة على الجماهير في السياسة الداخلية، تؤثر أيضًا كأداة للسياسة الخارجية.
فقد انضمت تركيا مؤخرًا إلى الصراع السعودي/الإيراني للهيمنة على العالم الإسلامي. ولا ينبغي التقليل من أهمية المبادرة التي طورها أردوغان مع باكستان وماليزيا.
فهذا الثلاثي يؤثر على السكان المسلمين في إندونيسيا والهند من خلال الوسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية.
أضف إلى ذلك تواجد تركيا في البلقان والقوقاز والصومال، والملايين التي يمكن أن توجهها عبر منظمات المساجد في أوروبا وخاصة ألمانيا، ويمكننا أن ندرك حجم شبكة التأثير داخل العالم الإسلامي.
بالإضافة إلى ذلك، تقدم علاقات تركيا المعقدة والسرية مع الدول الغنية بالنفط، وخاصة قطر، فرصًا اقتصادية عظيمة.
تمتلك تركيا أيضًا واحدة من أكبر الجيوش في المنطقة، وتخصص مبالغ كبيرة لصناعتها الدفاعية المزدهرة، كما أنها أصبحت واحدة من الدول القليلة التي لديها القدرة على تنظيم العمليات العسكرية والاستخبارتية في الخارج. أردوغان لا يلقي كلامًا في الهواء بدون وقائع.
تتسم سياسة أردوغان الخارجية بالمرونة والبراغماتية والانتهازية، وغالبا ما تتغير يومًا بعد يوم، كما أنها ليست مبدأية.
ينبغي تحليل قرار تركيا بإرسال قوات إلى ليبيا في ضوء كل هذه العوامل. لا يستطيع أردوغان تحمل حرب تهز حكمه بطريقة جدية. ليس لديه الموارد العسكرية والسياسية اللازمة.
ومع ذلك، فهو يدرك أنه في صراعه من أجل الحصول على حصة من موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط عليه اتخاذ خطوات جديدة لرفع قدرته على المساومة.
ولهذا السبب، اختار إرسال بعض المتشددين الإسلاميين الذين تم تجنيدهم من سوريا مع بعض ضباط المخابرات وعدد محدود من القوات الخاصة والمستشارين العسكريين إلى ليبيا.
تختلف حسابات أردوغان في ليبيا عن حساباته في سوريا. فهناك في سوريا يبحث عن وجود دائم باستخدام ذريعة المخاوف المتعلقة بالسلامة الناشئة عن الوجود الكردي.
كما أنه من المحتمل أن يعلق أردوغان تعاونه مع روسيا ويذهب لمزيد من التعاون مع الولايات المتحدة.
فعندما يتعلق الأمر بسوريا، وعلى الرغم من أن أحلام ما قبل الخمس سنوات الماضية قد انهارت، فإن تركيا لا تزال لديها مجال واسع من الإجراءات.
ومن ناحية أخرى، تحاول تركيا الدخول في الصراع في ليبيا من أجل الحصول على حصة في شرق البحر المتوسط. وحتى الآن لا تتمتع بوضع قوي.
ولكن ما إذا كانت الرأسمالية التركية ستتبنى سياسة خارجية أكثر حذرًا أو أكثر عدوانية، فإنها تشكل تهديدًا لجميع شعوب المنطقة، بدءًا بالشغيلة في تركيا.
كما هو الحال في أي دولة رأسمالية أخرى، لا يوجد "استغلال جيد". ولهذا السبب، تتحمل الحركة الثورية في تركيا مسؤولية تحويل تركيا، وهي دولة تمارس الآن نفوذًا إقليميًا كبيرًا للغاية، إلى بلد تسود فيه المساواة والحرية.
رابط المقال:
https://morningstaronline.co.uk/article/f/neo-ottomanism-political-economy-contemporary-turkey?fbclid=IwAR2p9bBAuPLyLblhuu5dNxJEaYiSANYQRF6o0p6gsp2wX9DgkZz0VRltlP8