الجذور التاريخية للتحالف بين الفاشيتين الإسلامية والعسكرية في مصر (2 - 1)

أمين المهدي سليم
2020 / 2 / 13

تعبير الغاشية هنا مقصود به اختزال تفسير الوجود الإنساني وغاياته أو خلاص الجماعة البشرية أو الوطن في فكرة واحدة أو شخص واحد.
الكثير من الكتابات الاستشراقية والعربية والمصرية تتداول جذور نشأة الإسلام السياسي منذ الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا مرورا بحسن البنا وسيد قطب ومن تبعهم على هذا الدرب وحتى الآن بعيدا عن جذور نشأة الفاشية العسكرية المصرية الممسكة بخناق مصر حاليا والتى تحولت إلى جمهورية اقطاع عسكري مركزية سافرة، والتى بدأت جذورها مع تأسيس الجيش المصري على يد محمود سامي البارودي وأحمد عرابي في سبعينات القرن 19 وبعد تقاعد كل ضباط جيش محمد علي من الأتراك والفرنسيين والإيطاليين والصقالبة والأرناؤوط والألبان والشركس، ولجوء الخديوي إسماعيل ونجله توفيق إلى ترفيع ضباط مصريين من "تحت السلاح"، وهكذا تشكلت أول جذور الفاشية العسكرية وتبلورت بوضوح في الإنقلاب العسكري العميل الذى سهل حلول الاحتلال البريطاني القوي محل التبعية العثمانية الشكلية والباهتة، لدرجة أن الحكومة البريطانية تدخلت لحماية عرابي وزمرته من أحكام الإعدام واختزلت عشرات الاتهامات في اتهام واحد، وعملت على حمايتهم في منافي تابعة لبريطانيا، والأنكى أنها أعفت عرابي من ارتكاب مجزرة الأجانب في الإسكندرية وحرق المدينة كلها في 11 يونيو 1882، واضطرت المحكمة المصرية تحت ضغط الحكومة البريطانية وجيش الاحتلال والمحامين الإنجليز إلى تنزيل الاتهام الثابت والمؤكد إلى مساعده الأميرألاى سليمان سامي داود وأعدم بدلا منه، ودفعت مصر تعويضات 4 ملايين جنيه إنجليزي كتعويضات عن الأرواح والممتلكات، وهو مبلغ ضخم جدا بمقاييس هذا العصر، ناهيك عن أنه قدم لبريطانيا على طبق من ذهب كل مبررات الغزو الإنسانية والأخلاقية والشرعية وهى مهمة حماية الأجانب. وقد أعفي أيضا الشيخ محمد عبده من السجن ونفي إلى بيروت. هذا الإنقلاب الذى أطلق عليه الحزب الوطني والإخوان وإنقلاب يوليو تعبير "الثورة العرابية"، وهو نفس ماحدث بعد إنقلاب يوليو الذى سهل ورسخ النفوذ الإسرائيلي والأمريكي في مصر محل النفوذ البريطاني، وسمي ب ثورة يوليو"،
وكما أنه من الصعب فصل أول جذور الإسلام السياسي على يد جمال الإفغاني ومحمد عبده عن الإنقلاب العرابي، وممارستهم الإغتيال في التآمر لاغتيال الخديوي إسماعيل بالرغم من أنه قرر التنازل عن الكرسي الخديوي وعن ممتلكات العائلة العلوية كلها، يصعب أيضا فصل الإخوان والحزب الوطني والجماعات الفاشية مثل مصر الفتاة وجماعة علي ماهر وعبد الرحمن عزام وسيد قطب عن إنقلاب يوليو، وجميعهم متأثرين ببصمة الإسلام السياسي بأكثر من أى تأثير آخر. ويلاحظ أن تصور الأفغاني للتنظيم الإسلامي هو نفسه الذى نفذه حسن البنا بالتفصيل.
من الصعب تناول تاريخ الإخوان قبل 1933؛ فهو تاريخ التفاصيل الثانوية التى لاقيمة لها، وإن كانت هناك معلومة واحدة ذات دلالة هامة وهى تلقي حسن البنا مبلغ 500 جنيه كتبرع خيري من شركة قناة السويس بواسطة البارون دي بنوا.
في 1933 اقترح الفريق عزيز المصري عضو لجنة الاشراف على ولي العهد الأمير فاروق إنشاء الجيش الأهلي معتمدا على الدعوة الإسلامية للشيخ حسن البنا ولكن حكومة إسماعيل صدقي وحزب الوفد في المعارضة كانوا له بالمرصاد وأجهضوا الفكرة في مهدها، ولا يمكن استبعاد تعاطف الملك فؤاد مع الفكرة.
كان ازدهار الإخوان الفعلي في ظل حكومة علي ماهر ووجود عبد الرحمن عزام كوزير فيها وهنا بدأت العلاقات الوثيقة "الشرعية" بين الإخوان وضبط الجيش برعاية هذه الوزارة وكللت بإنشاء الجيش المرابط، ولكن الشارع السياسي وقياداته الحزبية الليبرالية في أغلبه كان لهذه الفكرة أيضا بالمرصاد ووأدها قبل تحركها الفعلي.
وكان كل ماسبق سببا في إنتقال هذا التحالف إلى العمل السري المشترك وهنا جاء دور عزيز المصري وأركان حربه الصاغ محمود لبيب ومساعده اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف في تأسيس النظام الخاص وهو الجناح العسكري للإخوان، ودخل فيه سرا العشرات من الضباط من 1940 وحتى حرب 48، وكانت المجموعة الأساسية لإنقلاب 52 العسكري الإخواني قد قدمت البيعة في 1942، وهنا لابد من ملاحظة أن البيعة على مصحف ومسدس هى اختراع من التراث اشتقوه فقط للنظام الخاص وليس للأعضاء المدنيين في جماعة الإخوان، ومن الواضح البصمات العسكرية على هذه البيعة.
تحفل حرب 48 الكارثية بالكثير من ملفات التعاون الخارج على القانون بين الجيش الرث البائس وبين جماعة الإخوان، حيث فتح الجيش معسكراته للمتطوعين من الإخوان والجماعات الأخرى، واستقال العديد من الضباط لتدريبهم وقيادتهم إلى الحرب، وتم كل ذلك بتشجيع من الملك فاروق وقيادة الجيش.
من المنطقي والتقليدي في الماضي والحاضر وأيضا المستقبل أن تصبح اليد العليا في هذا التحالف للفاشيين العسكريين نظرا لأن الحليف هو جماعة قاعدتها الغالبة من فئات ريفية وأوساط الحرفيين وتلاميذ المدارس الدينية والأزهر، وتشكل أهدافها ترابطها التنظيمي بأكثر مما تشكله الأدبيات الضحلة السطحية الفقيرة جدا للمؤسس حسن البنا وسيد قطب، وباستثناء حسن الهضيبي تندرج كل القيادات بعد ذلك ضمن أشخاص يعرفون مهامهم التنظيمية بأكثر مما يحصلون من معارف عامة وثقافة حرة حقيقية، وهكذا وبحكم النفوذ وثقافة عبادة القوة المشتركة بين طرفي التحالف كان التوجيه والتحريك والحماية كلما استلزم الأمر هو واجب الطرف العسكري، وإذا كانت حرب فلسطين ملتبسة مع وطنية من النوع البدائي الغرائزي، كانت ستضل الطريق بالتأكيد، إلا أن أعمال الإرهاب الإخواني تترجم بجلاء ووضوح عمق هذا التحالف الفاشي، ذلك أنه في قضية العربة الجيب الشهيرة في 15 نوفمبر 1948 التى كشفت حجم وخطورة وأسرار النظام الخاص، ثم اغتيال رئيس الحكومة ووزير الداخلية محمود فهمي النقراشي باشا في 28 ديسمبر 1948، في اعتداء سافر على الدولة المدنية وعلى المجتمع المدني والدستور والقوانين، وعندما اصطف المجتمع والدولة ضد هذه الأعمال الاجرامية، وجد قادة الجيش من أمثال رئيس الأركان اللواء أحمد فؤاد صادق واللواء أحمد المواوي قائد الجيش في حرب 48، وجدوا من الدوافع المختلظة بكثير من الجرأة مايكفي لأن يصبحوا المدافعين الوحيدين تقريبا أمام المحكمة عن تنظيم الإخوان، والأكثر فداحة وكشفا عن عمق هذا التحالف كان القبض على الفريق عزيز باشا المصري على ذمة هذه القضايا، والكشف عن ترسانة أسلحة في منزله. وأكمل عبد الناصر المهمة بعد إنقلاب 52 بالافراج عن كل من حكموا في قضايا إرهاب التحالف العسكري الديني، وليس غريبا بالطبع أن ينتقم بتحويل جميع المدافعين عن المجتمع والدولة المدنيين في هذه القضايا إلى متهمين في ماسمي "محاكم الثورة"، وفي المقدمة إبراهيم باشا عبد الهادي رئيس الوزراء الذى كان مسؤولا بحكم وظيفته عن قيادة الدولة في هذا المناخ الخطر إلى بر الأمان، عندما كان الملك والجيش وجماعات القصر والإخوان وباقي الجماعات الفاشية في معسكر التآمر على الدولة المدنية تحت مظلة الهزيمة المشتركة.
قد يبدو غريبا تكرار الإنقلابية والخيانة والجشع والتخريب بعد 70 سنة من هذا التاريخ في جمهورية يوليو، ولكن هذا في اعتقادي موضوعي تماما، إذ أن وظيفة الجيوش الحديثة تبلورت داخل مؤسسات وتقاليد العقيدة العسكرية للإمبراطوريات، ومنها جيش محمد علي، أو تنتمي للدولة الصناعية الحديثة بعد عصر التنوير الأوروبي، ولكن إنشاء جيوش على أساس ثقافة "العزوة" الريفية وذهنية "الغزوة" الإسلامية لن ينتج عنه إلا عصابات قطاع طرق وخونة وجهلة ومخربين وإنقلابيين، وهذه صفات جسدها بامتياز جيش عرابي وجيش جمهورية يوليو.
يبقى سؤال هام عن سبب تعامل النظام العسكري بدموية مع الإخوان أحيانا بعد استخدامهم كظهير شعبي ضد النضال المدني الوطني للمصريين كما حدث في 1954 وبعد ثورة 25 يناير 2011، وكان هذا أيضا دورهم مع الملك والإنجليز واسماعيل باشا صدقي وحكومات الأقلية، والاجابة بسيطة وهى أن هذا ناجم من الطبيعة الفاشية للطرفين، وسرعان ماتعيدهم نفس الطبيعة إلى التعاون مجددا. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي