المصريون بين ثقافة الحرب وثقافة السلام

أمين المهدي سليم
2020 / 2 / 10

كل من يزعم إيمانه بالدولة المدنية الديموقراطية وقيمها من مساواة وحريات اجتماعية واقتصادية ودستور تعاقدي مع الفرد المدني، لايمكن لهذه القيم إلا أن تكتمل دائرتها بالإيمان بالسلام والتعايش والتعاون بين الشعوب، لأن هذه القيم والقوانين والتقاليد كفيلة بتأسيس أمة سياسية قوية، ذات ثقل إنساني وأخلاقي واجتماعي وثقافي وحضاري، تتعزز فيها القوة المعرفية والعلمية والسياسية والقدرة على حل مشاكلها وصراعاتها وتناقضاتها بالحوار والعلم والمعرفة والإبداع، ولذلك لم يحدث على سبيل الحصر والاطلاق أن تحاربت دولتان ديموقراطيتان.
لم تسيطر على المجتمع المصري قبل 1952 ثقافة الحرب أو الحساسية من الأجانب، ولم يكن معاديا لليهود ولا للأديان المخالفة مثل التشيع الجعفري أو السبعي أو البهائية، ولا للجمعيات ذات الطقوس نصف السرية مثل الماسون وشهود يهوا والمورالتي جروب، وكان الأفغاني ومحمد عبده وعلي باشا ماهر وعبد الرحمن عزام وحسن البنا وسيد قطب من الماسونيين. والغريب أن هؤلاء جميعا كانوا فاشيين، ومن حضر منهم صعود الفاشية والنازية كانوا جميعا يراهنون عليهما، وهذا يحتاج لبحث خاص لم يتم حتى الآن، وأعتقد أن الكارثة في الفاشية وليست في الماسونية التى أعتقد أنها مجرد علاقات تعاون ونشاط اجتماعي نخبوي عابر للحدود فحسب.
في ظل هذه الدولة المدنية بامتياز أخطأت الأحزاب الليبرالية المسيطرة على الشارع مثل الوفد والأحرار الدستوريين وغيرهم عندما تركوا الجيش للملك باعتباره مجرد رمز وطني؛ فحوله الملك مع هلاوسه السياسية الدينية عن وراثة الخلافة العثمانية إلى مؤسسة عنصرية رثة يسيطر عليها الإخوان المسلمين (عندما وقع إنقلاب يوليو لم يكن في الجيش من بين 97 لواء تقريبا سوى 2 من المسيحيين، ومن بين 270 أمير ألاي تقريبا سوى 5 مسيحيين - تقديرات الرتب العامة تقريبية)، وبالرغم من أن الأزهر كان مؤسسة مستقلة إلا أن رجعيته وتخلفه المعرفي والعلمي والاجتماعي جعلوه ينحاز للملك، مع كل الجماعات الفاشية مثل الإخوان المسلمين ومصر الفتاة وغيرهم، وكان كل هؤلاء يحسبون كأقليات ضئيلة في الشارع السياسي، ولم تكن في أي انتخابات حزبية أو نقابية مؤثرة بأى درجة حتى مع التزوير من حكومات الأقليات، ولكن ممارسات الإرهاب والتشدق بخطاب ديني غوغائي غرائزي هى التى جعلت أصواتهم صاخبة عالية.
.مثلما الإرهاب والخطاب الديني المخادع الغوغائي كانت طبول الحرب الهمجية العمياء ذات صخب غرائزي يحول الجماعات إلى قطعان مادون بشرية وأقرب للبهيمية.
حدث ماحدث في حرب 48 المزرية المهينة المذلة المستحقة والتى دعا اليها الملك وجماعاته الفاشية وجيشه البائس الرث وأزهره الظلامي، وكانت عقوبة التاريخ كافية إذ عاد الجيش وبه نسبة لابأس بها من الضباط الجواسيس.
لم تستكين الأحزاب الليبرالية وعمد الوفد بعد نجاحه الساحق في انتخابات سنة 1950 من أجل احتواء ماحدث باعادة قضية الاستقلال إلى الصدارة، وهكذا ألغى معاهدة 1936، وكان عملا خاطئا في مقياس التاريخ المابعدي سنعالجه في مقال منفصل.
عمل المجتمع المدني أيضا على احتواء ماحدث إذ تأسست حركة أنصار السلام المصرية في نهاية 1950 وهى جبهة وطنية كفرع لمجلس السلام العالمي الذى تأسس على نداء استكهولم الذى وجهه فردريك كوري من أجل السلام العالمي. وقد تأسست الحركة المصرية في نفس الوقت الذى تأسست فيه حركة أنصار السلام في إسرائيل بعضوية إميل حبيبي وهارون كوهين ومناحم دورمان، وجمعت الحركة المصرية قبل تأسيسها 12 ألف توقيع زادت إلى أضعاف بعد التأسيس، وكانت مجلة "الكاتب" هى صوت الحركة، وكانت تضم في لجنتها التحضيرية معلم الأمة طه حسين ود.محمد مندور وعزيز باشا فهمي والمحامي إبراهيم طلعت عن الطليعة الوفدية وكمال عبد الحليم عن تنظيم "حدتو" الاشتراكي وسيزا نبراوي ويوسف المدرك عن اتحاد عمال مصر وحفني محمود باشا عن الأحرار الدستوريين والمفكر الإسلامي د.خالد محمد خالد واحسان عبد القدوس رئيس تحرير روز اليوسف وكامل باشا البنداري ومندوب من الإخوان المسلمين هو الشيخ جابر التميمي وضمت بعد ذلك مئات غيرهم من المفكرين والزعامات السياسية، وكان السكرتير العام للحركة ورئيس تحرير مجلتها المحامي يوسف حلمي من الحزب الوطني. وكان قد تقرر عقد المؤتمر العالمي الثالث بمشاركة جماعة السلام الإسرائيلية و6 دول عربية وإيران في القاهرة في 30 يناير 1952، ولكنه الغي بسبب حريق القاهرة.
بعد الإنقلاب العسكري الإخواني الصهيوني في يوليو 1952 اعتقل جاسوس الفالوجا عبد الناصر أغلب أعضاء الحركة وأودعهم السجن وأغلق مجلتها، وعندما سألوه في باندونج عن مصير هؤلاء قال بكل وقاحة :"ليس في السجون سوى الشيوعيين عملاء الاتحاد السوفيتي"، ورد عليه يوسف حلمي ببرقية من السجن (كان يمكن أيامها ارسال برقيات من السجون) :"نعم نحن عملاء دولة أجنبية وغريبة عليك اسمها مصر"، وكتب المبدع صلاح جاهين قصيدة جميلة في تأبين متأخر للمناضل المدني من أجل السلام والحرية يوسف حلمي بعد نهاية العصر الناصري بعنوان :"كلام إلى يوسف حلمي".
الذى اسقط مصر في فخ الفاشية العسكرية الدينية المقيتة والظلامية المقززة هو ثقافة الحرب وعبادة القوة، ونسخة التدين الإسلامية المعتمدة بخاتم النسر المتطفلة الغرائزية البشعة التى تقدس الغزو وغرائز القتال والتغلب التسلطية الإمبراطورية الغبية العمياء. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي