تطبيع السودان والأفق السياسي لدولة ما بعد الاستقلال

حاتم الجوهرى
2020 / 2 / 8

جاء لقاء رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو مؤخرا بعبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي في سودان "ما بعد الثورة"؛ وما نتج عنه من تصريحات تتحدث عن تطبيع العلاقات بينهما ليثير بوضوح إشكالية الأفق السياسي والحضاري لـ"دولة ما بعد الاستقلال" في العالم العربي، وكذلك فلسفتها لتصور وجودها في العالم ومحددات بناء شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، وافتقاد فكرة مركزية ضابطة تحكم وجود الدولة وتنظم حركتها. كما أن الأنباء الواردة عن الدور الإماراتي في عقد اللقاء وقبلها مشاركة سفيرها في مراسم إعلان صفقة القرن مؤخرا، ناهيك عن سجل اختياراتها السياسية تجاه قضايا "مستودع الهوية" العربي؛ تجعلنا نبحث ونراجع كثيرا نظريات "نمو القوة على التخوم الحضارية" والأطراف بعيدا عن القلب والمركز (أو المراكز التاريخية المتعددة)، واحتمالية تحولها للتشوه والتخلي عن مستلزمات الدفاع عن "مستودع الهوية" الخاص بها، في مقابل الحفاظ على متكسبات ذاتية تحظى بالدعم من مراكز حضارية أخرى.

تفكك النموذج مبكرا
في واقع الأمر مشروع "دولة ما بعد الاستقلال" في العالم العربي (بقلبه العسكري الذي تنتظم حوله مجموعة من المؤسسات المدنية)، تعرض للتفسخ والأزمة مبكرا للغاية في دولته المركز مصر/ عبد الناصر مع نهاية ستينيات القرن الماضي وحلول سبعينياته، كان المشروع في العموم يقوم على نخبة عسكرية قادت التحرر والاستقلال (بأشكال متعددة في مختلف الدول العربية) وتسعى لبناء تجمع سياسي نهضوي تحرري، يقوم على الرابط العربي والاقتصاد الاشتراكي التي توجهه الدولة ليتوافق مع أهدافها.

النموذج بين المرحلية والجمود
ربما كان المفترض أن تكون "دولة ما بعد الاستقلال" مرحلة تأسيسية لذلك المشروع السياسي العربي النهضوي، تنتقل بعدها لمرحلة أكثر تطورا وتخلصا من آثار الماضي والتراتب الاجتماعي والسياسي الذي بنيت عليه، لكن الأزمة البنيوية التي تعرض لها مشروع "دولة ما بعد الاستقلال" في الوطن العربي، أنها كفكرة وطموح انتهت مع تحول دولة المركز/ مصر عنه، وتخليها عن أفقه السياسي (القومية العربية) والاقتصادي (التحول للرأسمالية والتبعية) والتحرري (ترك فلسطين للفلسطينيين)، وذلك مع وصول السادات لسدة الحكم في مصر وحزمة السياسات التي تبناها.

مقارنة النموذج العربي بالدول المحررة الأخرى
هنا وقع مشروع "دولة ما بعد الاستقلال" في العالم العربي في أزمة، جعلت مساره يختلف عن الدول المحررة في قارة آسيا مثلا التي استطاعت مع الزمن تطوير نموذجها السياسي، والاقتصادي أيضا بشكل واضح ليتجاوز حالة الرد فعل لمرحلة التحرر والاستقلال عن الاحتلال الغربي، وكذلك جعلت مسار دول التحرر العربي يختلف عن الدول التي نشأت حديثا في الخليج –بعد الحرب العالمية الثانية والأولى- بفضل الثروة النفطية.

التناقض بين المعنى والمبنى بالنموذج
وقع نموذج دولة ما بعد الاستقلال في العراق وسوريا ومصر والسودان ودول المغرب العربي، في أزمة بنيوية شديدة، تحول إلى شكل دون مضمون، تحول إلى طرح له مبنى دون حضور لمعنى دال على طبيعة هذا المبنى وأفقه وكنهه، لأنه في دولة المركز مصر أصيب بصدمة نفسية كبرى مع هزيمة 1967 وما تركته من آثار لم يبرأ منها البعض للآن، كما أن دولة المركز ذاتها أجهزت على مشروع النموذج بعد حرب 1973 وتخليها عن كامل أفقه السياسي والاقتصادي والتحرري، ليقع نموذج "دولة ما بعد الاستقلال" في دولة المركز وبقية الدول العربية في إشكالية ومأزق وجودي مستمر حتى الآن.

تحول النموذج لصناعة التناقضات وحراستها
أصبحت توجد أبنية سياسية حاضرة وتراتبات اجتماعية كلية ورئيسية في العالم العربي لا تستطيع أن تحقق أفقها السياسي القديم! ولا تملك تصورا بديلا له، هنا تحول مشروع "دولة ما بعد الاستقلال" إلى أزمة أو أسطورة "الدولة حارسة التناقضات"، أي دولة المراوحة في المكان والحركة "في محلك سر"، غياب أفق سياسي واضح لمستقبل مشروع "دولة ما بعد الاستقلال" بعد تخلي مصر عنه، جعل مشروع البنية السياسية والتراتب الاجتماعي المصاحب لها في العالم العربي، مجرد حارس على مجموعة التناقضات والشعارات التي نتجت منذ مرحلة التحرر، في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أواخر النصف الأول من القرن الماضي. أصبح وجود التناقضات – أو حتى صناعتها – ضروريا ودور الدولة صار مجرد حراستها، خاصة في ظل الالتزامات الدولية والقيود الوجودية التي فرضتها اختيارات السادات على مصر، وأثر ذلك على محددات وجود كل الدول العربية، وموقفها المعنوي الناعم في كافة المنظمات الدولية الذي ارتبك بشدة.

أزمة الأفق السياسي للنموذج
صارت معظم "دول ما بعد الاستقلال" في أزمة أفق سياسي واضحة، وصارت تعيش مرحلة مستمرة من الجمود مع تحولها إلى "الدولة حارسة التناقضات"، وأقصد بالتحديد هنا الدولة التي يضمن النظام الدولي/ الغربي – خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي – وجودها، لأنها تحرص على استمرار وبقاء المعادلات السياسية الراهنة ومحدداتها التي يفرضها، ومركز هذه المعادلات السياسية كان ضمان تفوق وهيمنة وتوسع الصهيونية، ودولتها "إسرائيل" باستمرار.

قطيعة بين المركز وحاضنته
وتقارب مع تخوم الحاضنة الناشئة
وظهرت قطيعة ما بين مصر والدول العربية التي قامت على فكرة التحرر ووجود قلب عسكري يتبنى شعاراتها، في حين تقاربت مصر مع دول الوفرة النقدية وعوائد البترول في الخليج (نماذج نمو القوة على التخوم او الأطراف الحضارية)، وظلت مصر ما بعد السبعينيات وفية للبناء السياسي والتراتب الاجتماعي لـ "دولة ما بعد الاستقلال"، الذي ينتظم حول قلب عسكري يرعى مجموعة مؤسسات مدنية هشة غير منضبطة التوصيف الوظيفي والمهني، مع تحول الأفق السياسي وحركته الفعلية لمفاهيم "الدولة حارسة التناقضات"، أو الدولة التي تحافظ على الوضع كما هو، تنادي بحقوق الفلسطينيين لكن ظل في توقيعها على كامب ديفيد في سبعينيات القرن الماضي! تطالب بالنهضة الاقتصادية لكن مع رضوخها لمشروع شرق أوسط كبير، تتوسطه إسرائيل وتهمين عليه، في تسعينيات القرن ذاته!

النموذج وتآكل القوة الناعمة والرمزية
لدولة المركز
إنه الأفق السياسي ذاته الذي جعل رصيد القوة الناعمة المصرية يتآكل في القارة الأفريقية، لتفقد مصر السودان الجنوبي والصومال وجيبوتي وأريتريا، وتنجح الصهيونية وأمريكا في اختراق أفريقيا والحبشة وتسيطر على النهر من منابعه، لكن ظلت أسطورة "الدولة حارسة التناقضات" حاضرة أيضا، فكأن مصر ترى تآكل وبتر أياديها في أفريقيا، لكنها كانت تهدد بين الحين والآخر بان منابع النيل خط أحمر! كيف ذلك؟ ومصر بالفعل فقدت قوتها الخشنة الاقتصادية والعسكرية، وفقدت قوتها الناعمة بتحولها عن شعارات التحرر والصمود! وصارت بحراستها للتناقضات مجرد رد فعل وحقل اختبار لنظريات القوة/ الهيمنة وسيناريوهاتها الأمريكية والصهيونية، كالجثة الهامدة دون حراك.

المواجهة بين أفق ثورات الربيع العربي
والأفق السياسي لدولة ما بعد الاستقلال
ثم جاءت "ثورات الربيع العربي" لتكشف الجميع، وتحرجُ بالفعل "دولة ما بعد الاستقلال" وتضع الأفق السياسي لها الذي تحول لـ "الدولة حارسة التناقضات" في مأزق، في مواجهة أفق سياسي جديد تطرحه الثورات يقوم على الاعتداد بالذات واستعادة مستلزمات الدفاع عن "مستودع الهوية" العربي، الذي لا تتعارض طبقته العربية الأخيرة أبدا مع زخم طبقاته المتراكمة المتنوعة الأخرى، لنصبح أمام مأزق نفسي وروحي.. نخب ثورية جديدة ترفع شعارت استعادة الذات العربية وضرورة امتلاك مقومات ومستلزمات ذلك، في مقابل نخب وجدت نفسها وريثة لـ "دولة ما بعد الاستقلال" وتحاول التمترس حول شعاراتها التاريخية التحررية القديمة، رغم أنها واقعيا تدرك الأزمة الحاصلة بين مبناها أو بنيتها القديمة وبين معناها أو مضمونها الحاضر! وكان – ومازال – استحضار التناقضات وأبنيتها السياسية حيلة نخب "دولة ما بعد الاستقلال" للهروب من مواجهة انسداد الأفق السياسي لها، ولنا في كل الدول العربية نموذجا حيث التوظيف والتحالفات مع اليمين الديني تارة واليسار العلماني تارة أخرى، وفي النهاية يستمر التراتب الاجتماعي ذاته.

كسر جدار الوهم وتبعاته
الثورات العربية قامت بكسر جدار الوهم بين مبنى دولة ما بعد الاستقلال ومعناها، وأنها حقيقة أصيبت بالتكلس والجمود ولا تملك أي تصور أو أفق سياسي للمستقبل الحقيقي وامتلاك متطلبات ذلك بمفاهيم "الأمن القومي"، سوى العيش في ظل التناقضات أو خلقها ورعايتها، علمانيون ضد دينيون، مسلمون ضد مسيحيون، شيعة ضد سنة، ثقافات قُطرية متنوعة ضد نمط ثقافي عربي مركزي مرفوع، يسار ضد يمين.. ألخ، في حين أن قلب "دولة ما بعد الاستقلال" وأفقه السياسي ذاته، مازال يخضع وجوده للحفاظ على تفاهمات مرحلة السبعينيات الوجودية، التي أقرها السادات مع القوى الغربية والصهيونية وإسرائيل.

البرهان والسودان كنموذج كاشف
لدولة ما بعد الاستقلال وأزمة الأفق السياسي
من هنا نعود للقاء عبد الفتاح البرهان برئيس وزراء دولة الاحتلال "إسرائيل"؛ لأقول إن حقيقة ما فعله البرهان هو اللجوء العادي والعودة الواضحة دون أقنعة أو شعارات، للأفق السياسي المأزوم والمضمر بين السطور لـ "دولة ما بعد الاستقلال" هناك أيضا، ليصبح الأمر مكشوفا تماما ويمكن صياغته بطريقة أكثر قسوة وواقعية بأن "دولة ما بعد الاستقلال" تحولت للردة والاستلام والخضوع الناعم للاستعمار الجديد وهيمنته، لكن في ظل شعارات الأزمة والمعنى القديم!

حاجة النموذج العاجز لضامن دولي
عاد السودان بوضوح ولجأ للقوى الغربية والصهيونية والخضوع لأفقها السياسي، لأن التراتب الاجتماعي لـ"دولة ما بعد الاستقلال" لا يقوم على "الفرز الطبيعي" واختيار وإبراز أفضل المواهب في كل دولة عربية، بل يقوم حول "الفرز حسب الولاء" و"التنخيب الزائف"، وتفكيك الكتلة الجامعة التي من المفترض انها تنتمي وتدافع عن "مستودع الهوية" العربي بفطرتها، بما يؤدي في النهاية لفشل دولة ما بعد الاستقلال في التحول لمجتمع فعال ودولة مؤسسات تحققق "النهضة المستدامة" والاكتفاء الذاتي.. لذا تلجأ للضامن والكفيل الغربي/ الصهيوني لتمويل وجودها، في مقابل الحفاظ على التناقضات الداخلية والخارجية في المنطقة العربية تحت نطاق أفقه السياسي وسيطرته.

أزمة سودان "ما بعد الثورة"
من هنا توجه البرهان للحصول على المباركة الصهيونية/ الغربية والخضوع لأفقها السياسي، ليضمن أن النظام الدولي سيدعم وجود وبقاء "دولة ما بعد الاستقلال" هناك، لأن المعادلة السياسية الموجودة على أرض الواقع تقول أن حكومة السودان المحسوبة على الثورة لن تُمكن من تفعيل مفهوم دولة المؤسسات والمجتمع الفعال والفرز الطبيعي، ولنا في الأخبار التي وردت عن استقالة مدير السياسية الخارجية في المجلس السيادي ردا على لقاء البرهان-نتانياهو خير إشارة على الأزمة البنيوية التي ستواجهها الحكومة المحسوبة على الثورة هناك، أولا لانتظام البنية السياسية رغم كل شيء حول القلب العسكري وبنيانه ذاته إرث "دولة ما بعد الاستقلال"، ولأسباب أخرى ذاتية تتعلق بالتناقضات وإدارتها والتشبع النفسي بها ستتكرر في معظم الدول العربية.

نموذج دولة ما بعد الاستقلال الراهن وعلاقته بمنظومة قيم التكيف التاريخية
في مواجهة طموح "الثورة القيمية، والمحددات بينهما
إنما يبقى الحل واضحا جليا كوضوح قرص الشمس في ظهيرة سماء الصيف العربية الصافية المشرقة؛ يبقى الحل واضحا في كافة الدولة العربية وفي دولة المركز، الحل في تجاوز "بنية ما بعد الاستقلال" وتراتبها الاجتماعي وأفقها السياسي المسدود، الحل يكمن في معادلة سياسية جديدة تنتظم حول ما هو "آني" وتتجاوز كل تناقضات الماضي وثنائياته المفتعلة، معادلة سياسية تقوم على "الفرز الطبيعي" وتفعيل الموارد ودولة المؤسسات، وفكرة مركزية تتجاوز نسقيين قيميين بالأساس ولا تجعل أحدهما فزاعة للآخر، تتجاوز نسق دولة ما بعد الاستقلال إرث القرن الماضي، وتتجاوز نسق قيم التكيف والقهر التاريخي إرث القرون الطويلة من الاستبداد وفرض النمط من قبل أبنية مركزية سيطر عليها الاحتلال الأجنبي – أو الطمع المحلي – في مصر طويلا، الحل في توحيد الصف مع مطالب "الثورات العربية" وظهور خطاب جديد، ينتج نسقا جديدا يقوم على "ثورة قيمية" تتمرد على فرضيات السياق التاريخي وظرفياته.

نموذج "دولة ما بعد الاستقلال" كقشرة خارجية
لهيكل "منظومة قيم التكيف" التاريخية في دولة المركز
نموذج دولة ما بعد الاستقلال هو قشرة أخيرة أو طبقة عليا، مبنية ومُسكنة بالفعل على هيكل منظومة قيم التكيف والقهر التاريخية، ومشروع "الثورة القيمية" الذي تنادي به الثورات العربية يهدف لتجاوز البناء القديم وتنميط الدولة المركزية (كتطبيق على دولة المركز مصر)، التي تفرض نمطا قيميا سلبيا يتكيف معه الناس خضوعا لسلطة "الدمج والتسكين" وتوزيع المنافع السيادية والأراضي، وتهدف "الثورة القيمية" لتجاوز القشرة والطلاء الأخير (دولة ما بعد الاستقلال) وتفكيك الهيكل التاريخي القديم (أومنظومة قيم التكيف نفسها)، والوصول للمجتمع الفعال ودولة المؤسسات وتفعيل مكونات "مستودع الهوية" وبناء "التراتب الاجتماعي" الفعال القائم على "الفرز الطبيعي"، والتحرر من ربط سلطة "الدمج والتسكين" المركزية باختيارت بعينها، حتى وإن تخلت عن "مستودع الهوية" العربي والتزاماته.

السودان ودوران نموذج "دولة ما بعد الاستقلال" حول ذاته
من الآن دعوني أقدم نموذجا تفسيريا مستقبليا يستشرف مآل "دولة ما بعد الاستقلال في السودان، وهو النموذج أو الأصح "النمط" الذي سيتكرر في جُل "دول ما بعد الاستقلال" العربية.
- الحكومة المحسوبة على "ثورات الربيع العربي" لن تُمكن من تفعيل دولة المؤسسات لأسباب موضوعية، ولأسباب ذاتية تكمن في غياب الوعي بأولوية تجاوز تقاطبات القرن الماضي وثنائياته المتضادة بين اليمين واليسار، وأهمية تطور خطاب جديد بعيدا عن خطاب التيارين وإرثهما المُكَبل.
- المسار السياسي في السودان سيصل لأفق سياسي مسدود، وفي خلال فترة طالت أو قصرت، ستتم إزاحة الحكومة المحسوبة على "ثورات الربيع العربي"، لأنها ستعجز عن إجراء تغيير حقيقي في التراتب الاجتماعي داخل السودان، الذي سيظل تابعا للمؤسسة العسكرية قلب "دولة ما بعد الاستقلال" ومركزه، ذلك التراتب الاجتماعي الذي سيعمد للتحكم في مميزات "الدمج والتسكين"، لخلق الولاءات وتشكيلها ولصنع "تنخيب زائف".
- سيتم تفعيل التناقضات من جانب المؤسسة العسكرية مركز "دولة ما بعد الاستقلال" هناك، سواء داخل التيار الواحد بإغراء البعض بمنحه فرصة للصعود، أو تفعيل التناقض الأبرز بين اليمين واليسار، لتكون الحكومة التي تلي الحكومة المحسوبة "ثورات الربيع العربي" تحمل قشرة يمينية دينية هناك بالسودان.
- ثم ستفشل الحكومة التي تحمل قشرة يمينية مطعمة بالكوادر العسكرية في عمل تغير اجتماعي نهضوي أيضا، لأنها ستقوم على التراتب الاجتماعي ذاته، و"الفرز حسب الولاء" وتهميش "الفرز الطبيعي"، بما سيؤدي لوصول المجتمع لحالة انسداد الأفق السياسي من جديد، خاصة في ظل التخلي عن مستلزمات الدفاع عن "مستودع الهوية" العربي، وغياب "الكتلة الجامعة" وحضور "التنخيب الزائف".
- بما قد يؤدي في النهاية لظهور حركة ثورية جديدة ومطالب شعبية جديدة تتوحد مع "مستودع هوية" الذات العربية وتطالب بآليات "المجتمع الفعال" ودولة المؤسسات، حينها ولأن قلب المؤسسة العسكري سيكون حاضرا -أيضا للمفارقة- ستتم إزاحة الطبقة الخارجية من العسكريين الذين احترقوا شعبيا (تماما كما حدث مع البشير)، وسيظهر "مجلس عسكري" سوداني بوجوه جديد، يستحضر التناقضات التاريخية مجددا بين فصائل اليمين واليسار، وهذه المرة سيكون الدور على اليسار مرة ثانية، لتنشأ قشرة مدينة جديدة لدولة ما بعد الاستقلال هناك، لتمر بدورة انسداد الأفق السياسي والاجتماعي ذاته، لنصل لموجة ثورية جديدة، تطيح بالقشرة الخارجية لها، وتفعل تناقضات جديدة، وهكذا دواليك دواليم في حلقة مفرغة تدور حول نفسها.

احتمالية المستقبل وفرص كسر ثلاثية القرن الماضي
بين بدائل اليمين واليسار ودولة ما بعد الاستقلال
الدول العربية في حاجة لنموذج معرفي وفلسفة وجودية تتمفصل حول "الآنية العربية" الجديدة ولحظتها التاريخية الراهنة الآن، وتتجاوز النماذج المعرفية والسياسية الجاهزة التي يطرحها اليمين واليسار العربيان، وتتجاوز الحلقة المفرغة لـ "دولة ما بعد الاستقلال" التي قد تكرر "نمط" انسداد الأفق السياسي والعجز المجتمعي إلى ما لا نهاية!
أزمة اليسار العربي تكمن في أنه لا ينطلق من "اللحظة الآنية" ومنهج "دراسة الحالة" ليتفهم "الخصوصية الثقافية" لمصر والدول العربية، بديلا عن ذلك يسعى لجذب الواقع العربي نحو نماذج تفسيرية جاهزة ومعادلات طرفية بعينها، إما تحققت هذه المعادلات وأطرافها أو تنتابه حالة من السخط والغضب والتحسر على الحال والبكاء على الأطلال، وفرصة اليسار الوحيدة هي في تبني المنهج العلمي المجرد و"دراسة الحالة" العربية، بعيدا عن منتجات المنهج العلمي التي انتجتها "اللحظة الأوربية" ومحاولة تقديسها وتحويلها لديانة عالمية جديدة، تُوقف تطور التاريخ عندها وتخلق "مسخا ثقافيا" ومعرفيا تسعى لتعميمه على كل البشر، وكأن التاريخ انتهى ولملم أوراقه عند "اللحظة الأوربية".
أزمة اليمين العربي تكمن في تفويت "اللحظة الانية" أيضا لكن من زاوية أخرى، حيث كان من المفترض أن النخب الوسيطة في فرق الدين السياسي العربي، قد اكتشفت عجز النماذج والشعارات التعميمة لتلك التمثلات السياسية وفي قلبها "الإخوان" في مصر وفروعهم في جُل الدول العربية، وأن التعميمات وشعارات العودة "لحظة بداية الدعوة" وادعاء انهم الفصيل الممثل للذات الإلهية وتكفير المنافسين السياسيين، كل هذا كان من المفترض ان تلك النخب الوسيطة قد اكتشفت عجزه وواقعت بأم أعينها المفاسد التي نجمت عنه، خاصة بعد وصول الإخوان للحكم والانتهازية وغياب الأفق السياسي لديهم، فرصة اليمين العربي الوحيدة تكمن في تطور النخب الوسطة وتحولها إلى نماذج سياسية مستقلة تستقي رمزية الأخلاق والقيم من الدين، لكنها تجتهد في دراسة الواقع العربي وتقديم تصورات سياسية له، بعيدا عن ادعاء تمثيل الذات الإلهية وتكفير المخالف.
أما المركز و"دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري؛ سيكون المفترض والمثالي والخيالي والحالم أن تقدم مفهوما جديدا لـ"الأمن القومي"، يقوم على استعادة القيم الأساسية للمجتمع العربي وامتلاك مستلزمات الدفاع عن "مستودع هويته"، وذلك عن طريق ميثاق شرفي جديد يوضح الحد الأدنى والحد الأقصى للقيم المشتركة لـ "دراسة الحالة" العربية في علاقاتها بماضيها ومستقبلها، وتكون هذه القيم بحدها الدنى وحدها الأقصى هى نطاق "المجال العام" والتدافع السياسي الجديد أمام اليمين واليسار، وأيضا أمام النخب الجديدة أو بمفهوم "دراسة الحالة" أمام "الكتلة الجامعة" الفطرية التي توحدت مع مستودع هويتها، وحملت "الربيع العربي" على اكتافها بعيدا عن اليمين واليسار، وهى نخب "الفرز الطبيعي" التي ظهرت مع الحركة الطلابة العربية الجديدة عام 2000م دعنا للانتفاضة الفلسطينية، و"مستودع الهوية" العربي" من بعدها ضد احتلال بغداد، ثم تطور الحركات الاجتماعية الجديدة بعيدا عن اليمين واليسار، وصولا للحظة "الربيع العربي"، مع مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة.

الأمل القادم من بعيد
من خارج الثلاثية التاريخية
لكن دروس التاريخ تخبرنا أن الأمل كله ربما يكمن في تلك النخبة الجديدة التي تشكل عمودها الصلب صعودا من عام 2000م، واعتمدت على "الفرز الطبيعي" كـ"كتلة جامعة" تنتمي بفطرتها لـ "مستودع هويتها"، الأمل في خطاب جديد تقدمه تلك النخب يتمفصل حول "اللحظة الآنية" بطبيعته ونتاجا لها ومنتجا لها في الوقت ذاته، خطاب متجاوز بطبيعته للتناقضات التاريخية بين اليمن واليسار، لأن آليات الاستقطاب ودوافعها النفسية عند الفريقين لم تنجح في استقطاب هؤلاء..
الأمل في تلك "الكتلة الجامعة" ونخبتها في تتجاوز النسق التاريخي القديم لمجتمع النمط الواحد والتكيف السلبي مع منظومة قيمه وتفكيك آليات فرض تلك القيم، الأمل في أن تطرح البديل المتثل في "الثورة القيمية" وتفعيل آليات "المجتمع الفعال"، التي تقوم على الأخلاق والقيم الإنسانية العامة إجمالا، وتفرز أفضل مواهبها وعقولها في كل المجالات..
والاهتمام بالثقافة/ المعرفة/ العلم بوصفهم حاضنة فكرية تقدم الحلول والتصورات باستمرار لمسارات المستقبل وسيناريوهاته وفق "دراسة الحالة" العربية وخصوصيتها الثقافية..
وكذلك تتوحد مع "مستودع هويتها" الطبيعي وتدافع عنه، وفي مقدمة ذلك المستودع قضية احتلال فلسطين ووجود الصهيونية ككابح وجودي للذات العربية، والوعي بجذور الصهيوينة وسياقها التي تعد آخر وأحدث "أنماط التدافع" بين الشرق والغرب.