فينومينولوجيا التصوير السردي في رواية أمطار على افريكا

نائلة الشقراوي
2020 / 2 / 6

أمطار على افريكا هي الرواية الثانية للروائية روضة الفارسي وقد صدرت عن دار نقوش عربية في 241 صفحة وهي رواية لا يمكن لقارئ ان يقرأها ويعبر دون أن تستفزه القضايا الجريئة التي تثيرها.عن الحب ،عن الجنس عن الطبيعة البشرية المتحولة عن التغييب وتحكم الأعراف بالذات الإنسانية تحدثت روضة الفارسي بكثير من التفاصيل .والتفاصيل عند الساردة كان اسلوبها المتعمد والذي اسس لفنيات روايتها .وعادة ما تبعث التفاصيل الكثيرة الملل في القارئ وهو ما لم نلاحظه في رواية كبيرة الحجم نسبيا ،إذ أن روضة الفارسي لم تكتب روايتها بالقلم العادي وانما استلهمت من السينما تقنية caméra stylo والتي بموجبها يصبح المكان والزمان والشخصيات صورة ومشهدا تصوره من زواياه المختلفة وخاصة الغير ظاهرة .وهو ما قال عنه دكتور الأدب المقارن حمد الحاجي(روضة الفارسي نحاتة ورسامة..فهي بنفس الوقت تعمل إزمير السرد لتفتت رخامة الحكايةو ترسم لوحات تشكيلية من المشاهد والصور لتعلن ولادة الرواية الصورولوجية).تعاملت الروائية مع الاحداث بلغة سينيمائة طورت لغة السرد العادي فكانت حروفها بمثابة العدسة التي تلتقط الصور الكامنة وتحولها الى صور ظاهرة محتواها تلك التفاصيل والأحداث المتتابعة التي لم تحج فيها الى التكثيف من الحوارات لتسريع السرد بل الى تلك التقنية الذكية التي تجاوزت بها الأساليب المعتادة في الكتابة والمعتمدة في الرواية الحديثة .
أمطار على افريكا عودة الى الرومنسية واحاديث القلب واحتراق الروح العاشقة من الشوق والاغتراب لكن كل ذلك لا يجعلنا نصنف الرواية على انها رواية رمنسية لأن هذا التصنيف يظلمها فالرواية بما تطرحه من قضايا هامة وبجلالة لغتها وباسلوبها المبتكر تصنف ضمن الرواية الواقعية النقدية ،وليست الرومنسية فيها سوى مدخل للتأكيد على أن الحب قيمة إنسانية لا يحتاج تشريعات ولا قوانين توجهه وان العرف اذا تدخل في وجدان وروحانيات الفرد شوهه و أفسده .
مجدولين وكل أبطال الرواية اتخذت منهم روضة الفارسي واجهة للحديث عن قضايا هامة في مجتمعنا .فالبطلة تلميذة انجبت خارج اطار الزواج ولولا تدخل اخوها لكان الزواج المكلل للحب حتمية ،اذن فنحن نقتل الحب ونحوله الى صراع مؤثر على حياة الفرد سلبا .خطيئة مجدولين ليست ممارسة الجنس اذ لم يكن اخاها يعلم بشساعة الحدود التي تجاوزتها هو فقط حاكمها لأنها احبت وخرجت مع حبيبها.الاخ هو سلطة العائلة أي سلطة المجتمع والعرف الرافض دائما للحب في شكله الجوهري ويحيله الى ممنوع خوفا من وصوله الى مرحلة الخطايا ،لكن الخطايا ترتكب ولم تتوقف فهل راجع احد تلك الأعراف!
تذهب روضة الفارسي الى الأكثر جرأة فهي تحكي عن علاقات الحب المرتبطة بكل الأحداث و تسمي الجنس باسمه اذا لا تقول عن ما حدث مع مجدولين ونديم من لقاء جسدي انه ممارسة للحب بل قالت على لسان مجدولين مرة "مارسنا الجنس "وعلى لسان سلمان زوجها مرة أخرى "اشتهي ان امارس معك الجنس"اذن في الرواية تثور الكاتبة على التابوهات وتتحدث عن الجنس والشهوة من منطلق ارتباطه بالحب لا كممارسة حيوانية ومن حيث انه ضرورة يحتاجها الجسم كما يحتاج اسباب العيش الاخرى والمتفق عليها كضرورة عيش.وان الموانع والسدود التي توضع لتحريمه أو تجريمه هو فعل انساني غير واع. فتقول الكاتبة (منذ البدء ورجال السلطة والدين يحولون الجنس الى خطيئة مميتة وسم للجسم والروح في حين ان طاقة الجنس هي الكينونة ونبع الحياة وسبب السمو لا العكس)التنظير الرواية هو لمجتمع خال من العقد يتعامل مع جسده وروحه في اطار الاستجابة الواعية لمتطلبات كل منهما دون أن يتدخل الضمير الجمعي في توجيهها وفقا لتراكمات اجتماعية أو عقد .واذا ما توفر الجوهر الطيب كانت المادة طاهرة ،وهو ما لا يتوفر بمجتمع يحاسب على الخطأ رغم انه الشريك الاساسي فيه أو المتسبب به ،ذلك ان فؤاد ليس فقط الظالم الوحيد ،امها نفسها ظلمت حين سكتت عن ظلم أخ الدم وسمحت له باضطهاد اخته التي لولا بعض الحظ لكان مصيرها نفس مصير بطلة رواية البرتو مورافيا امراة من روما التي حولتها اختيارات خاطئة من أمها ، من إمرأة بسيطة تحلم بالزواج والإنجاب الى امرأة ليل عكس مجدولين والتي رغم تخلي الأهل عنها فإن مغادرتها لسجن الأخ وحضن الأم المتواطئة معه بالصمت صنع الأفضل لحياتها وكان فيه الخلاص النسبي لها و لحياتها التي لم تخلو ايضا لمدة خمسة وعشرين سنة من هزات مؤلمة اهمها ضياع ابنها منها كل تلك الفترة .
بمنتهى الهدوء والاتزان والحرفية كتبت روضة الفارسي روايتها التي ارادتها سيرة لمجتمع مصغر وانتصرت في كل الأحداث والايحاءات لفكرة ان الحب هو الرابط الأمثل بين افراده فجملت أغلب شخصياتها به ،بل حتى الأخ انتهت بالأخير الى الحديث عن ندمه الداخلي .
فكانت الرواية انتصار للحياة والحب حددت اماكنها سلفا الكاتبة بإيحاءات ومفردات رمزية كزهر اللوز والجنة الصغيرة ،تلك المسميات للأمكنة تختزل فيها الكاتبة رؤيتها لما تنتظره من هذه الحياة التي من المفترض ان تكون بفضل التصالح مع رغباتنا وفهمها هو الوجود الأمثل لمن استخلف على الأرض ومنح السمو والبهاء فحوله الى زيف و قبح ليحيا تعاسة صنعها بيديه .
بمرور الزمن ننسى الخطايا وتلتئم الجراح ونغفر الجرائم إلا ما يسمى بجريمة الشرف أخ يساهم في تشريد اخته ولا يغفر لها رغم سنوات من الجمر و الحنين اكثر من عقدين ظل الضمير الجمعي يدعي انه المجني عليه وان مجرد خطإ بسيط يتحول الى عملية ذبح له في حين انه الجاني الذي لا يأبه بما خلفه من خراب بسبب أحكامه الجائرة واعرافه المهينة .