صفقة القرن : (3-3) إعلان ترامب مجرد قمة جبل الجليد

أمين المهدي سليم
2020 / 2 / 6

لايظهر من جبل الجليد العائم سوى سدس حجمه.
مثلما وضع نتنياهو على لسان صبيه العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي تعبير "قضية القرن" و "صفقة القرن"، وهو الذى حاول بعدها وكالعادة التملص بطريقته الصبيانية الساذجة غير المسؤولة من هذه التعبيرات، وضع أيضا نتنياهو على كاهل صبيه أيضا عملية إنشاء البنية التحتية للصفقة، ذلك أن السيسي هو من باع جزيرتي تيران وصنافير وممر تيران البحري الدولي ب 16 مليار دولار، وقدم 1000كم2 من شرق سيناء إلى محمد بن سلمان في صفقة مشبوهة غامضة تسمى مشروع "نيوم" وهو الذى طالب من على منبر الأمم المتحدة في 10 سبتمبر 2015 بتوسيع معاهدة السلام لتشمل دولا عربية اخرى دون أن يذكر كلمة واحدة عن الحقوق الفلسطينية، وفي 8 سبتمبر 2014 عرض 1700 كم2 من شمال سيناء على أبو مازن لتوطين الفلسطينيين وهى 5 أمثال مساحة غزة ولكن أبو مازن رفض، وفي ديسمبر 2016 حاول اسقاط قرار ادانة الاستيطان في مجلس الأمن، ولكن إدارة أوباما أفشلت محاولته وصدر قرار الإدانة. وفي مارس 2015 أهدر كل حقوق مصر في ماء النيل واعترف بسد النهضة واسبغ الشرعية على كل سلوك إثيوبيا ثم ترك الأمور تتخبط في مسار فوضوي، والآن أوصل مياه النيل إلى محطة مضخات بير العبد على بعد 100كم فقط من حدود صحراء النقب الإسرائيلية.
أما عن تجهيزات السيسي القانونية والاقتصادية داخل مصر؛ فهى لاتقل خطورة إذ أن الجنسية المصرية أصبحت مجرد عملية استثمارية وبوابة لتغيير كل اسس تملك العقارات والأراضي خاصة في سيناء، ناهيك عن أنه خرب كل أسس الملكية في مصر بكل أشكالها العامة والخاصة. وهنا يبدو مضحكا في ماأعلن عن صفقة القرن من أن الفلسطينيين سيعملون ويستثمرون في أراضي سيناء دون أن يسكنوا فيها.
كل ماورد سابقا هو على سبيل المثال وليس الحصر لتبيان حجم البنية التحتية لصفقة القرن، ولكن تفصيل مضحك ومرير يجب أن نضمنه هنا إذ قال سيسي لنتنياهو في 28 سبتمبر 2018 خلال مقابلة في الأمم المتحدة :"أنا اؤمن بك وأعول عليك"، هذا ليس حديث سياسي ولا دبلوماسي ولا يصدر من مسؤول، هذا حديث تسول وابتزاز عاطفي من شخص بائس ويائس وذليل.
كتبت مرارا أنه إذا كانت "صفقة القرن" هى الأسم الكودي لمشروع إسرائيل الكبرى، والذى تحول إلى حلم تأسيس إمبراطورية صهيونية في مخيلة ومخططات بنيامين نتنياهو؛ فإن لب الصفقة هو الموارد الوطنية والتراب الوطني المصري، وأن هذا المشروع في قلب الدوافع وراء الإنقلاب العسكري الإخواني في يوليو 1952، وقد حاول عبد الناصر توطين الفلسطينيين في سيناء 1954 ولكن الحزب الشيوعي الفلسطيني أسقط المحاولة؛ فسحقهم عبد الناصر وسلم غزة للإخوان والأزهر بعدها، ولم يتوقف هنا، إذ سلم سهل العوجة لإسرائيل في 1955، وكان امتدادا لقطاع غزة ويزيد عن مساحة القطاع حاليا. وفي 1956 وبعد العدوان الثلاثي لم يطلب في مجلس الأمن إنسحاب إسرائيل حتى أن الوفود الدولية ومنها الولايات المتحدة ضغطت من أجل الإنسحاب، ولكن بعد أن اعترف لإسرائيل بضم قرية أم الرشراش "إيلات" وبذلك تحول ممر تيران البحري إلى ممر دولي بإدارة مصرية إلى أن باعه سيسي وجيشه. ومعروف بعد ذلك كيف قدم عبد الناصر لإسرائيل عامدا متعمدا سبعة أمثال مساحتها مع القدس أثناء كارثة يونيو 1967 وعن طريق خيانة سافرة.
لم يوفر مبارك مجهودا للمساهمة في البنية التحتية ل "صفقة القرن" ذلك أنه من رسم الحدود البحرية والاقتصادية في البحر الأحمر في 1990 وأخرج جزر تيران وصنافير وممر تيران الدولي من الحدود المصرية وهكذا سهل للسيسي بيع الجزر والممر، وفي سنة 2000 شرع مبارك في اقامة سحارة الدفرسوار لنقل مياه النيل إلى سيناء بينما جمد تماما كل أشكال التنمية فيها، وكذلك رسم مع الجيش الفاسد الخائن الرث الحدود البحرية والاقتصادية في البحر الأبيض وأخرج حقول الغاز الكبرى من حدود مصر، وهكذا بدأت رواية الغاز المشبوهة بين مصر وإسرائيل، كما أن مبارك هو الذى ألغى البروتوكول العسكري في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وهكذا فتح أبواب التعاون العسكري والأمني غير المسبوق بين مصر وإسرائيل والذى وصل إلى المناورات المشتركة.
قد يبدو غريبا عدم ذكر أنور السادات في هذا السياق والسبب الذى أستنتجه هو أن السادات رغم أن لايبتعد كثيرا عن كونه طاغية عسكري، إلا أنه فيما يتعلق بالتراب الوطني كان نقيضا جدليا داخل جمهورية يوليو العسكرية، وهو الرئيس العربي الوحيد الذى أزال 13 مستوطنة إسرائيلية من سيناء التى استعادها كاملة بوسائل سلمية، ولذلك اغتالته الجمهورية العسكرية وجيشها في إنقلاب دموي خوفا من فقدان أهم مبررات استمرارها وتسلطها ونهبها لمصر ولو كان المقابل مشاركة إسرائيل في الموارد الوطنية والتراب الوطني.
مما سبق وبالاضافة لوجود ثغرات واسعة بين المشروع السياسي لصفقة القرن الذى أعلنه ترامب، والتأكيد على وجود قسم سري لم يعلن، وبين الجانب الاقتصادي المعلن والموثق، أن ماأعلنه ترامب هو مجرد قمة جبل الجليد ومجرد مرحلة تراعي الضعف والمشاكل الجسيمة التى تواجه جمهورية العصابات العسكرية في مصر وفي الإقليم وفي المجتمع الدولي. ولكن يجب القول أن مسار جمهورية عصابات يوليو العسكرية كان لابد وأن تؤدي إلى اللحظة التاريخية الراهنة.
ومن أخطر مايحويه هذا المشروع الإمبراطوري هو أنه يسير بموازاة قمع وحشي غير مسبوق وحرب أعلنها جيش لص خائن فاسد مهزوم على شعبه، وأن هذا المشروع ضد علاقات السلام والتعايش والتعاون بين الشعوب، وأنه أكبر اعتداء منذ الهولوكوست على الضمير والخبرات اليهودية عندما يساند نتنياهو أقذر أنواع الطغاة في العالم المعاصر وأكثرهم غدرا وغباءا وفسادا ووحشية. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي