صفـقـة القرن أم مظـلمته

هيثم بن محمد شطورو
2020 / 2 / 4

العالم الإنساني المتكلم، يضج بتعبيرات تبدو في ظاهرها جميلة وخيرة، ولكنها تـستـبطن شرا في جوفها. ذاك أن أي مفهوم هو نسبي، ويتحدد معناه وفق نظرة أشمل منه. فمثلا كلمة "السلام"، لن تجد أروع منها في المطلق، ولكنها في سياقاتها الواقعية قد تعني الجبن والخنوع وعدم رفع التحديات الضرورية، إضافة إلى أن مدلولها يختلف طبق سياقات استعمالاتها، بحيث أن مسألة السلم والحرب، هي ليست ذات معنى عسكري تحديدا، بل ذات معنى سياسي بحيث قـد تـقوم بالحرب السياسية ولكن بأساليب سلمية من حيث عدم اللجوء إلى ربط المعركة بمضمونها العسكري أو العنف المادي، ولكنها تكتسي من حيث سياقـاتها النضالية والتحشيدية واللغوية والخطابية وتـنويع الاختيارات الممكنة والتـقرير المبدئي باستعمال جميع الإمكانات المتاحة بما فيها الرمزية والثـقافية والاقتصادية، نقول أنها تكتسي عنفا قائما على عنصر قوة هي قوة الحقيقة بمثل ما هي قوة صناعة الحقيقة.
حينما طرح الرئيس الأمريكي "ترامب" مبادرته للسلام التي أطلق عليها اسم "صفـقة القرن"، فإنها تحتوي تسويقا لغويا هو مبادرة سلام. إنها مبادرة ضرب للشرعية الدولية أولا حسب القرارات الأممية التي تـنص على انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتـلتها سنة 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة الذي انسحبت منه تحت ضربات المقاومة الفلسطينية المسلحة وليس احتراما للقرارات الأممية.. على كل كانت المواقف العربية من هذه المبادرة غير رافضة باستـثـناء القيادة الاردنية و القيادات الفلسطينية، و كذلك موقف الرئيس التونسي "قيس سعيد" في حوار صحفي تـلفـزي مساء الجمعة الموافق لـ 31 جانفي 2020، القائل بوضوح أنها مظلمة القرن وليست صفقة القرن، وان هناك قرارات الشرعية الدولية التي يتمسك بها كحل سلمي، وأن فلسطين ليست مجرد أراضي متـنازع عليها بل هي قضية شعب تحت الاحتلال، وبالتالي هي قضية حرية.
هذا الموقف من تونس التي لا تمتلك ترسانة عسكرية ولا تفكر بأي شكل من الأشكال في الصراع المسلح كطريق لنيل الحرية للشعب الفلسطيني، ويتضمن هذا الموقف قراءة كاملة للخور الكبير في الأساليب والعقليات السياسية فلسطينيا وعربيا والتي قادت إلى مثل هذا الاستهتار بالحق الفلسطيني والعربي.. هذا الموقف تعبير حر لرجل حر وصل إلى السلطة بحرية وبالتالي يعبر عن الحرية بما هي الموقف الشعبي الذي اختاره لتمثيله، ومسئوليته في تمثيل هذا الشعب الحر من رجل حر..إذن قوة الموقف متأسسة على قوة الحرية وقوة الحق الفلسطيني. وساهم هذا الموقف التونسي الواضح في تعديل البوصلة السياسية للدول العربية، بحيث رفضت هذه الصفقة.
صحيح أن الفاعل الأساسي هو القيادة الفلسطينية التي رفضت الصفقة بشكل مطلق وحاسم، بل قطعت جميع علاقاتها مع إسرائيل وأمريكا وتهدد بفك ارتباطها باتـفاقية أوسلو ومخرجاتها، ولكن الموقف التونسي الواضح من خلال رئيس الجمهورية، مثل دعما قويا للموقف الفلسطيني على المستوى العربي، والآن فالمبادرة الترامبوية سقطت، ونرجو أن تسقط بالكامل وهذا رهين سياسات فلسطينية وعربية جديدة، تـنـتـقل إلى التخطيط العقلاني والخروج من دائرة رد الفعل إلى الفعل السياسي المتـنوع الذي يمرر رسالة واضحة في التضامن العربي. رسالة واقعية فعلية وليس مجرد كلمات جوفاء..
فصفقة القرن الأمريكية الامبريالية، أو مظلمة القرن وفق سياق التحرر الفلسطيني والعربي، لها مزية واحدة وهي في كونها أزاحت تلك الغيوم من الكلمات حول التسامح والسلم الأمريكي الإسرائيلي. إنها قد أعلنت ولادة مرحلة جديدة فيما يخص قضية التحرر الفلسطيني، الذي هو جوهر التحرر العربي. إنها على نحو ما قال الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" في كتابه "الوجود والعدم":
" .. وأن نقيم التسامح حول الغير يعني أن نـقـذف هذا الغير بالقوة وسط عالم متسامح، وأن نحرمه من حيث المبدأ طاقـته الحرة على المقاومة الشجاعة والصمود وتوكيد الذات، هذه الطاقة التي كانت ستُـتاح له تـنميتها في عالم غير متسامح."...