للثورة خطابها ومفردات خطاه لإنهاء المعركة مع الفاشست

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2020 / 2 / 2

في المنعطفات الخطيرة النوعية بحجمها وطابعها تحتاج الشعوب وثوراتها إلى قادة لإدارة معاركها وإذا كانت الثورة العراقية اليوم، قد أنجزت مهمتها في سحب الشرعية عن السلطة فإن من يمثلها اليوم أي من يقودها بصواب هو من يستطيع تسلم السلطة استكمالا للمهمة وإلا فإن الظرف يدفع باتجاهات تضحيات جسام أخرى مقابل وحشية سادرة في غيها بلا قيم أو ما يردعها عن أطماعها..
من هنا فإن مؤتمرا وطنيا مسنودا بقوى داعمة (دولية) لإنهاء بلطجة الميليشيات بل إنهاء وجودها نفسه، يبقى ضرورةً، بغيرها تتهدد الثورة وتنتظرها دروب معقدة..
مع ثقتنا بأن شبيبتنا باسلة لم تدخر ولن تدخر وسعا في المواصلة وهي عنيدة بما يكفي للحسم والإتيان بمن يدير الدفة بسلامة...

ومن أجل قراءة المشهد بين الضفتين نؤكد أنه في وقت اتجهت الجماهير الشعبية إلى اعتماد مهمة تغيير كلي للنظام وآلياته وأعلنت سحب يد أركان النظام وأدواته القمعية، بقصد إنهاء خطابه الطائفي وطابعه الفاشي، مازال النظام يتمسك بالسلطة معتمدا لا التضليل بل القمع التصفوي الدموي غافلا عن أن قرار الثورة قد تجاوز تلك المنطقة وأن ساعة الحسم قرب.

ولقد رسم الشعب منذ 2003 ملامح خياره في دولة بعقد اجتماعي علماني الاتجاه، ديموقراطي الهوية؛ وهو يتابع خطاه باختلاف مستوياتها بين المطلبي المرتبط بتفاصيل اليوم العادي والاستراتيجي المرتبط باتجاه السلطة ودرجة انعدام التزامها لا بالعقد الاجتماعي: الدستور المنقوص المحمّل بالثغرات والعبارات السياسية بصيغ القنابل الموقوتة ولا بضغط المطالب الشعبية بخلفية الحرمان والقهر المرتكَب فعلياً..

وحيث كافح الشعب من أجل حياة حرة كريمة، اضطر باستمرار إلى المطالبة ببرامج عمل تلك التي حين اضطرت سلطات الطائفية لإطلاقها أبقتها حبراً على ورق فيما الموازنات بأغلبية ساحقة منها تُنهب ولا مخرجات تصب في سلال الفقراء المحرومين!

لقد خرج الشعب سلمياً ولم يكن يدُر بخلد (السلميين) كل هذا العنف الفاشي الدموي مع معرفتهم بطبيعة النظام، ولكن ما اُرتُكِب إنما أكد فضح تلك الطبيعة الفاشية بصورة سافرة إذ أن الخسائر البشرية لوحدها لم تعهدها إلا حالات الحروب والكوارث الطبيعية الكبرى!

وإذا كانت الشبيبة قد بدأت بحركة احتجاجية مطلبية فإنّ تمترس السلطة بمنطقة الطرش ورفض الإصغاء للمطالب فضلا عن ارتكابها الفظاعات الوحشية والجرائم التصفوية الدموية، لم يُبقِ أمام جمهور الانتفاضة سوى التحول إلى ما فرضه الميدان من سحب البساط من السلطة والتوجه لتغيير نظام أسفر عن هويته بالمطلق كونه نظاماً إسلاموياً إرهابيا بخطاب طائفي ومنهج فاشي وهو ما لا يقع مطلقاً في خيارات الشعب ويتعارض بالتمام مع تطلعاته.

ومع تلك الحال التي أوصلت السلطةُ المجتمعَ إليها باتت المطالب حصراً بتسليم السلطة لشخصية تقود حكومة انتقالية مشروطة بمنهج يخضع لخيار الشعب ومصالحه ووسائل حل الأزمة المستحكمة التي خلفتها رعونة زعامات أحزاب الفساد وأحزابها المافيوية النهج.

ولكن بالمقابل وعلى الرغم من مشاركة ملايين العراقيات والعراقيين بالثورة وعلى الرغم من فشل زعامات المافيات والميليشيات من حشد مئات آلاف ولا نقول مليونية فإنهم يصرون على أضاليلهم المفضوحة في سخرية من العقول والضمائر تواصل استباحة الناس بالرصاص والغازات السامة والقوة القهرية المجتلبة بدعم وإدارة خارجية تحديدا من ملالي التخلف في قم وطهران. وأشير أيضا بوضوح إلى إرسال بلطجية مسلحين بهراوات وسكاكين وغيرها لارتكاب الاعتداءات الوحشية على السلميين.

لقد ولَّى قرار إقالة حكومة الفساد الذي لم يتحقق إلا ((شكلياً)) في مناورة من زعامات الطائفية التي تتحكم بالأوضاع، بدليل استمرار عمل تلك الحكومة لا بصفة حكومة تصريف أعمال بل بصلاحيات كاملة، كلها معادية للشعب وتطلعاته. ومما مارسته إدخال الاتفاقية الصينية للموازنة بالمخالفة الدستورية وتعيين مديرين عامين ورؤساء مؤسسات ووكلاء وزارة ومنهم شخوص سبق فصلهم وظيفيا لثبوت فسادهم! دع عنك كثير من الخطايا القيمية التي تعبر عن خضوع تلك التشكيلة لأوامر تصدر بأجندات غريبة وغير وطنية...

من هنا فلقد تقدم الشعب بمطالبه بصيغ تتلاءم والتداعيات المتسارعة للبلطجة الميليشياوية الفاشية وللحملات الدموية السادية المحمومة ليؤكد سياقات التغيير الذي يطالب به والأطر العامة متلخصة في:

تغيير كلي وتام في منهج النظام وآلياته.
سحب يد أركان النظام وأدوات اشتغاله القمعي الهمجي.
إنهاء خطابه الطائفي الظلامي وطابعه الفاشي.

والمحصلة الراسخة في الضمير الوطني الشعبي تكمن في تغيير النظام جوهريا كلياً وبلا مجال للتفاوض أو الحديث في هذا التوجه وضمنا تقديم أركانه جميعا لمحاكمات وطنية ودولية على ما ارتكبوه وتسليم السلطة لمن يمكنه تبني منهج علماني ديموقراطي ليس مقبولا أن يشوّه بقوى تلطخت أياديها بالدماء...

ولآجل الوصول لتلبية هذه المهمة التي تستهدفها الثورة السلمية الشعبية وجب اتخاذ الإجراءات الآتية:

تحقيق إقالة حكومة الفساد ((فعليا)) وتسلم إدارة الدولة منها فوراً بعد انتهاء المدد الدستورية المعروفة لها. وعدّ كل ما صدر في ظل تلك السلطة ساقطة الشرعية ومنتهية الصلاحية لاغياً وغير ذي أثر أو إلزام قانوني..
تجاوز لعبة اختيار شخصية رئيس وزراء المرحلة الانتقالية لأنها باتت مجرد غطاء لاستمرار السلطة وإدامة ارتكابها الجريمة.. على أن يتسلم الرئيس السلطة بقصد إنهاء عمل حكومة تصريف الأعمال وحلّ مجلس النواب. والتوجه إلى تنفيذ خطى الثورة وكالآتي:
1. عقد المؤتمر الوطني فوراً؛ تشترك به أطراف لم تكن جزءاً من النظام الساقط. وتتشكل التركيبة الأساس 66% من ممثلي ميادين الحرية.
2. يُعلن المؤتمر تشكيل ((مجلس وطني))..
3. كما يُعلن تشكيل هيأة تنفيذية تقود المرحلة الانتقالية وتكون تلك الهيأة بمستويين سيادي وحكومي. ويتم استلام السلطة كاملة من آخر مسؤول من النظام القديم ممثلا بالرئيس.
4. يضع المؤتمر ميثاق وطني (علماني) لحين سنّ الدستور. كما يتكلف خبراء بالقانون الدستوري والفكر السياسي لصياغة دستور يجري الاستفتاء عليه بصورة مستقلة تعقب الانتخابات.
5. يجري إعداد قانون انتخابي يُنهي مرحلة انتقالية متفق على مداها ولا تزيد المدة عن سنة. على أنْ يقر القانون المجلس الوطني حصراً.
6. يتم عند تسلم المسؤوليات من الرئيس إعلان حال الطوارئ وإعلان حل كل القطعان الميليشياوية بلا استثناء وحظر حمل السلاح عدا الجهات الرسمية وفي أوقات اشتغالها.
7. اتخاذ إجراء كلي ونهائي بحل اللجان والمؤسسات الاقتصادية وغيرها من تلك المنظمة مافيويا في صيغ أحزاب طائفية مافيوية مع حظرها ومنع تشكيل أي حزب سياسي على أساس ديني أو طائفي أو مما يخرج على القوانين.
8. الإقامة الجبرية والاعتقال عند توافر الأسس القانونية وأدواتها لمسؤولين في النظام وتجميد الأموال لكل المعنيين من النظام الساقط.
9. يتم تسلّم السلطة من طرف المجالس التي يحددها المؤتمر الوطني بمشاركة دولية.
10. إذ يتم حصر السلاح بيد جيش وطني العقيدة فإنه يجري بإعادة الهيكلة وإنهاء عبث العناصر الدمج وأشباههم.
11. وضع برنامج إنقاذ وطني والعمل به في مجال البناء الاقتصادي والتمهيد لمعالجة المشكلات البنيوية المستعصية.
12. يتم إجراء انتخابات بإشراف وطني وأممي لإنهاء المرحلة الانتقالية بمداها الحصري غير القابل للتمديد.
13. الاستفتاء على الدستور العلماني الديموقراطي الفديرالي بعد تسليم القرار للسلطة المنتخبة. على أن يصاغ الاستفتاء بصورة تتلاءم وتدقيق الدستور وبعد مناقشات شعبية تعقب صياغته من الخبراء وعقدهم ندوات توضيح المواد جميعا.

أما في الضفة التي نرصدها بإطار سلطة أحزاب الإسلام السياسي الطائفية المفسدة فإننا نرى أن الأساس يتم بتمسكهم المعلن السافر بنظام تمَّ لا مجرد رفضه بل سحب الصلاحية والشرعية نهائيا عنه. ما يقتضي تسليم السلطة وليس الدوران في فلك سجالات تبحث عمن يدفعونه تضليلا لإعادة إنتاج عفونتهم بصورة جديدة!

إن الشعب وثورته لم يطلبوا من الفاسدين التفاوض لاختيار شخصية تمثل الشعب ومطالبه بالتغيير بل سحبوا الشرعية منهم وطلبوا إليهم أن يتنحوا بتسليم السلطة كاملة لشخصية من الشعب وإليه. ومن ثم لا يفيد حتى وضع شخصية بمجابهة المهمة من دون صلاحيات وغطاء يحمي التغيير الحقيقي تحديدا بحل الميليشيات وحصر السلطات بجهات تمثل الرؤى الشعبية وتطلعاتها...

عليه فإنّنا نقرأ الأوضاع بكون جملة المجريات تؤكد استمرار النظام بالعبث الإجرامي عبر لعبة استقالة غير متحققة لا قانونيا ولا فعليا وعبر إصرار على إدارة سجالات أن يكون البديل من وسطهم ويخضع لشروطهم لا لشروط الثورة الشعبية وهذا ما يفسره حجم ما يرتكبونه من جرائم ضد الإنسانية ورائم حرب وإبادة بما وصل إليه نزيف الدم من الفقراء الثائرين..

إن إدراك قضية سجالات من يريدون الإتيان به يكشف سر مواصلتهم احتلال الشارع وخوضهم الحرب الدموية التصفوية الأبشع في فظاعاتها الوحشية.. وهو ما يدعو للتحضير لموعد يختاره الشعب لحسم المعركة بطوفان حراك شعبي تخرج الجموع عن بكرة أبيها بما لا تستطيع فيه عناصر تلك السلطة الجبانة الدفاع عن أسوار الغبراء التي يمارسون موبقات فسادهم خلفها..

إنني أدعو لاختيار موعد شعبي لحسم الثورة وإنهاء وجود تلك الشخصيات الهزيلة الموضوعة بسدة السلطة بوصفها واجهة لاحتلال إيراني أطاح بالأخضر واليابس ولعل جمع القوى يمكن التخطيط له بموعد لا يبتعد عن ربيع تحتفل به الجموع كافة بانتهاء زمن الغبراء، أما الآن فلتتم مهمام استكمال كل ما تتطلبه الفعاليات وإدارة السلطة مما مر ذكره ومنه انبثاق جبهة الشعب الوطنية الديموقراطية بما لا يقبل وجود أي مؤشر على تسلل بمسميات مدنية ومرجعيات سلطة الفساد الإسلاموية..

إن ضفتي المعركة بين سلمية الثورة وعنف السلطة تفرض وعيا بالتداعيات وما يخبئونه من أحابيل بالمماطلة والتسويف ومحاولة اغتنام وانتهاز الفرصة مع امتداد زمن الثورة بخاصة أنهم بعد تجريب لعبة جناحهم وزعامة مراهقي أو زعران السياسة وفشلهم الذريع اتجهوا للعبة غرس خيام تدعي الانتساب للثورة ولكنها تدبر أمرها بليل وتنتظر فرمان وليّها السفيه.. وهو ما تكشَّف وافتضح بالأمس واليوم...

لثوار الميادين ألا يعولوا حتى على أحزاب تنويرية بسبب من اختراقات فيها وتلكؤها عن عقد المؤتمر الوطني الذي صار ضرورة منذ بدايات الانتفاضة وقبل تحولها لوضعها الثوري الجديد ولكن من دون التقاطع والتضارب وإنما الضغط لإنجاز المهام سويا حيث سيتعين التنسيق مع كل من ينضم لجبهة الشعب الوطنية الديموقراطية من العلمانيين حصرا التنويريين بلا مراءاة وتقية مَنْ نعرف تسللهم وسرقتهم سلطة كان ينبغي أن تتجه لخدمة الشعب...

يجب أن نعي المجريات وألا ننتظر قرارا من سلطة وأن نبحث عن تحديد مهلة لتسليم السلطة وليس للعبث فنحن لا نستجدي (شيئا) مهما كان ثمنه أو قيمته وإنما نفرض قرارا شعبيا نهائيا وكليا هو قرار تسليم السلطة مجددا للشعب ليختار من يراه الأنجع لإخراجه من النفق المظلم الذي أدخله فيه طائفيو 2003 من أتباع الولي السفيه ومافياته وأجنداته الانتقامية من الشعب العراقي وليس للشعب إلا وجوده وحراك أبنائه نحو الحرية واستعادة الوطن وهويته (الوطنية) الأنجع في انتمائه للعصر ولأنسنة وجوده..

ألا فلنصرخ معا بصوت الحرية الصادح: كفى، فلقد انتهت ضفة السلطة الفاسدة ومافياتها وجرائم ميليشياتها ولم يبق سوى أن تحسم ضفة الشعب وثورته تحديد الساعة لا غير ..