بطعم الشاي بالنعناع يكتب وليد بن أحمد قصصه القصيرة جدا:المجموعة القصصية شاي بالنعناع

نائلة الشقراوي
2020 / 2 / 1

القصة القصيرةجدا هي أحدث ماتوصل إليه السرد واعتمادها على الايجاز اوجب التكثيف والإيحاء والرمزية والمقصدية .ليس كل نص قصصي قصير هو قصة قصيرة أو قصيرة جدا .فلابد من التمييز بين ما يشتركان فيه كوجود البطل والأحداث والنهاية و ما اختلفا به كالنهاية الغير متوقعة في ق. ق .ج.
شاي بالنعناع 50 قصة قصيرة نشرت عن دار مومنت للنشر للقاص وليد بن احمد مجموعة قصص تنتهي بسرعة من قراءتها لكنها تترك اثرا لذيذا بك كمذاق النعناع في الشاي .نصوص متنوعة منها ماهو واقعي كرجل من يقطين حصاد ومن قلب الحدث و ديجا فو ،وما هو فناتزي ك لا مبالاة والمؤلف في سطور و أصحاب اليمين ،وماهو رمزي كالترياق وآخر الزفرات وماهو ساخر كحبوب منع الحمل ،الاجر الأدنى المضمون ،هذا التنوع يفي لمبدأ استلهام القصة القصيرة جدا في كتابتها من كل الأجناس الأدبية الأخرى .لكن ليست كل النصوص بالمجموعة هي كما قال الكاتب عنها قصص قصيرة جدا ،فبعضها قصص حتى لو لم نعتمد قاعدة الكم أي عدد الأسطر الذي يعفي منه كاتب القصة القصيرة جدا احيانا حتى لا تحدد حريته بالابداع فأن تتجاوز القصة القصيرة جدا الحجم المتفق عليه عادة بأسطر بإمكان الكاتب أن ينهي نصه بما يدهش أو يخالف توقعاته فيستمتع القارئ بالاسترسال .وهذا ما وقفنا عليه في بعض نصوص شاي بالنعناع.
وليد بن احمد خبر اسلوب الكتابة فوزع جيدا مساحات نصه مبتعدا عن الوصف والاستطراد مستعينا بجمل قصيرة كثف بها المعنى واختزل الأحداث في حدث واحد حتى لو تعدد الأبطال ،ساعده في ذلك تمكنه من تقنية التوظيف الدرامي في القصة والتي تركت للقارئ مهمة تخيل بعض الزوايا التي لم يذكرها الكاتب تصريحا وانما لمح لها او اوحى بها بكلمة أو معنى بين السطور وفي الواقع الاسلوب هذا هو من أهداف ق ق .ج نفسها ،وقد كتب وليد بن أحمد ما يصلح لأن يكون رسائل تشفيرية ينقد فيها ظاهرة ما أو واقعا متأزما دون أن يأتي على ذكر التفاصيل بل أورد المعنى كومضة تخترق ذهن القارئ فتحدث عنده دهشة يعقبها فهم أو العكس.قصة شاي بالنعناع التي اختارها الكاتب عنوانا لمجموعته جمعت في اسلوبها كل ما اوردناه سابقا من تقنيات واتضح اخيرا ان الورد قد يكون مسكرا أو مسموما وليس دائما ما ينبت من زهر يكون سببا لرهافة الروح ،فالخشخاش مثلا زهرة مخدرة كذلك كانت نبتة الكاتب التي رعاها ليدخنها لاحقا فشربها الجد مع الشاي ظنا انها نبتة نعناع ويزج بعدها زارعها في السجن . رمزية الوردة والفعل المحيط بها قابل لعدة تأويلات فقد تخفي العذوبة في المذاق حقيقة وجود السم لكنها لا تنفيه ،وما نخاله ناعما قد يكون ثعبانا . وهذه من مزايا القراءة الافقية والعمودية التي من الواجب ممارستها مع ق ق ج لإدراك كل الأوجه التي تحملها دلالات المعاني .الجميل أن أحد اقصوصات المجموعة وهي ترنيمة لنخلة أبي أخذت نمط اللوحة الشعرية فكانت الجمل بمثابة صور شعرية يمكن ان تكون قصيدة نثر تامة(اليوم تنتصر حروفي ويترنم الزبانية بنشيدي ستستحيل النار بردا وسلاما ويشرق الجحيم من نور أشعاري..) وليس ذاك بغريب على اعتبار موجة التحديث القصوى في كتابة السرد التي صارت تستعين بالشعر في وقت تتداخل فيه الأجناس الأدبية وتستعير من التقنيات الموضوعة لكل جنس عملا بمقولة الناقد والمؤرخ الأدبي الأمريكي رينيه ويليك "التمييز بين الأنواع الأدبيّة لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتّاب عصرنا، فالحدود بينهما تُعْبر باستمرار ".وقد عبرت نصوص شاي بالنعناع تلك الحدود في عدة مواضع مما يجعلنا نقر بقيمة القصة القصيرة جدا في الأدب عامة وانها اثبتت جدواها في التعامل مع الواقع الجديد الذي نعيشه بمختلف أزماته واختيارها لأساليب حديثة في التعامل مع قارئ لا يصبر على النصوص الطويلة بتفريعاته ويريد من القراءة الاستعجال لبلوغ اهدافها ،لذلك تحتاج نصوص وليد بن أحمد الى قارئ جيد يفكك رموزه ويتماهى معها لكشف نقاط الابداع الكامنة في السطور وممارسة فعل المتعة في القراءة الذي يعتبره رولان بارت جوهر القراءة الواعية اذ أن القراءة المجانية لا تفضي الى نتيجة مع مجموعة شاي بالنعناع والأكيد انه اذا اتتمنا معها متعة القراءة سنتحول بعدها الى متعة الكتابة فمن امتهن لذة الحرف يعرف جيدا ان نصا كاملا يغريه بعد القراءة الى دخول فوري لعالم الكتابة مستأنسا بما بث به من روح خلاقة مستوحية من احداث واسلوب العمل المقروء وهو المتوفر بجلاء في المنجز الأدبي لوليد بن أحمد ،لذلك بعد الشاي بالنعناع لا بد من جلسة أخرى للقارئ العادي أو الحصيف يختلي فيها بأوراقه وقلمه ليمارس نوعا آخر من الابداع .