صفقة القرن : (3-1) المقدمات

أمين المهدي سليم
2020 / 2 / 1

في 3 ابريل 2017 قال السيسي للرئيس الجديد للولايات المتحدة دونالد ترامب المفرط في تطرفه اليميني، وفي اجتماع حظي بتغطية إعلامية إقليمية وعالمية استثنائية : "ستجدني وبقوة داعم كل الجهود لإيجاد حل في قضية القرن، في صفقة القرن، وأنا متأكد أن فخامة الرئيس (ترمب) سينجزها"، وفي اليوم التالي مباشرة 4 ابريل قالت جريدة المصري اليوم المخابراتية : "تصريحات السيسي عن «صفقة القرن» تعيد الأمل في تحقيق اتفاقية سلام"، وهكذا ودون أدنى لبس يكون السيسي هو أول شخص على الاطلاق ذكر تعبير "قضية القرن" و "صفقة القرن" في البيت الأبيض وبدعوة خاصة مثيرة للجدل، وبتغطية إعلامية لاتتفق وزيارة ديكتاتور عسكري وحشي فاسد جاهل سيء السمعة بمقاييس الرئيس المتطرف يمينيا ترامب نفسه.
عندما بدأ تشكيل فريق العمل الصهيوني من داخل الحلقة الأسرية والخاصة بترامب من مستوى الدرجة الرابعة من المسؤولين، وهم صهره السمسار جاريد كوشنير ومحامي الافلاس الخاص بترامب جيسون جرنبلات وسفير جديد في إسرائيل لم يعرف عنه سوى أنه يميني صهيوني حتى النخاع هو ديفيد فريدمان، وبدأت خيوط الشبكة في الظهور لتشمل صبيان البترودولار محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ولكن يوما بعد يوم بدأ يتضح أن المصمم الحقيقي للعملية كلها، والمركز الحقيقي والمفسر الأساسي المرجعي لها هو بنيامين نتنياهو المتطرف اليميني الصهيوني المتهم في 3 ملفات فساد على الأقل، وأطول من شغل منصب رئيس الوزراء في تاريخ إسرائيل، وفي اعتقادي أنه أحد دواهي السياسة، وقد قرأ المشهد الحالي الإقليمي والدولي بدقة، بينما هو لايردعه ضمير أو أخلاق أو قوانين أو تقاليد أو لياقات، وإلى درجة أن كتاب ميكيافيلي "الأمير" يبدو بالنسبة له حديث عن اليوتوبيا والأخلاق، ولكن "للإنصاف" يبدو الرجل أول مؤمن متماهي بعمق مع فكرة تأسيس إمبراطورية صهيونية تنتمي بحق إلى الزمن العبودي والعنصري في الشرق الأوسط الأسود.
من الضروري أن نوضح هنا أن خطة نتنياهو ماهى إلا إعادة صياغة أو إعادة اخراج يناسب العصر لاستحقاقات قديمة مقابل مساندة ودعم الإنقلابات العسكرية في مصر وسوريا (سبق معالجة هذا الموضوع في دراسات سابقة)، والأنظمة العسكرية التى تأسست عليها، وعدم اسقاطها في أوقات هزائمها الساحقة، وتواصل الأمر إلى إنقاذ هذه الأنظمة من نير الضغط الدولي كما فعل نتنياهو مع المافيا العسكرية الحاكمة في مصر عندما أنقذها من ضغط الرئيس أوباما، وأيضا حماية هذه الأنظمة من العقاب على ماارتكبت من جرائم ضد الإنسانية، كما فعل اليمين الصهيوني واليهودي العالمي مع حكم العسكر بعد ثورة يناير وخاصة فترة الطاغية الوحشي اللص الفاسد السفيه عبد الفتاح السيسي.
عندما بدأت صورة الصفقة تتضح في أنها مشروع يميني صهيوني توسعي، وبدأت الاتهامات وموجات رد الفعل تنصل الطاغية العسكري النصاب سيسي، وعلى نحو صبياني كالعادة من ضلوعه العلني والموثق في الصفقة، وفي المؤتمر السادس للشباب في جامعة القاهرة في نهاية شهر يوليو 2018 قال :"صفقة القرن تعبير إعلامي وليس سياسياً، اخترعه الإعلام". مايرشح إذا عن كل ماتقدم أننا أمام جريمة شرق أوسطية بامتياز، متعددة الأطراف صاغها ودبرها بالكامل بنيامين نتنياهو، وانتهز فرصة وجود رئيس أمريكي يميني متطرف يحتاج لمساندة اليمين الصهيوني واليهودي العالمي، واقترح عليه "مجد" حل أو "إغلاق" القضية الفلسطينية المعقدة والشائكة والمسمومة، وعندما تشكك ترامب المقاول البراجماتي الذى يعمل عقله بنظام الألة الحاسبة، قام نتنياهو بوضع العبارات المساندة والمناسبة في أفواه الببغاوات العربية المنحطة مثل رأس المافيا الاقطاعية العسكرية الحاكمة في مصر وصبيان البترودولار في الاقطاعيات العشائرية الخليجية مثل بن زايد وبن سلمان وحمد بن عيسى موافقة ودعما وتمويلا، ذلك أنه أدرك أنهم استنفذوا كل وسائل البقاء القمعية والوحشية، وكل التغطية الممكنة للاستمرار ضد العصر وضد رغبة شعوبهم لصوصية وقتلا وسفها وخيانة وتجسسا وهزائما وانحدارا وبربرية، واستهلكوا القضية الفلسطينية دينيا ووطنيا وقوميا إلى درجة أنه لم يتبق منها سوى النهايات الحزينة البائسة، وأنهم باتوا يحتاجون إلى شهادات حسن سير وسلوك دولية أو حتى سارية المفعول فقط في البيت الأبيض، ولو مؤقتة ولو مفبركة تسمح لهم بالبقاء ولو سنوات قليلة اضافية، وهكذا يتضح أن الاقطاع العسكري المركزي المصري وذراعه أكبر شبكة مافيا مسلحة في التاريخ تنتحل شخصية جيش مصر الذى مات في 48 ودفن في 52، بجانب الاقطاع العشائري الخليجي أنهم في حاجة إلى صفقة القرن بدرجة لاتقل عن حاجة أعتى أجنحة اليمين الصهيوني الفاشي إلى التوسع في توجهه الإمبراطوري. وهذا هو التحالف الذى حكم الشرق الأوسط في عدة صور غير مباشرة ثم مباشرة طوال 70 سنة تقريبا. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي