عن التاريخ اليهودي والهولوكوست والعرب

أمين المهدي سليم
2020 / 1 / 29

أول أمس 27 يناير مرت الذكرى 75 للمحرقة اليهودية، وهى ذكرى تحرير القوات السوفيتية لمعسكر الاعتقال النازي في أوشفيتز في بولندا، وقد احيت إسرائيل الذكرى في يوم 23 يناير الماضي، بحضور عديد من الشخصيات العالمية، ولكن الرئيس البولندي رفض الحضور باعتبار أن المناسبة قومية بولندية، وهذا يثير قضية عن مدى أحقية إسرائيل في احتكار تمثيل كل التاريخ اليهودي، وهو في اعتقادي تعسف، لأن التاريخ اليهودي، ومن ضمنه المحرقة بالطبع لايجب أن يخضع للمصالح وللسلوك السياسي لدولة واحدة، تماما مثل التاريخ البوذي والمسيحي والإسلامي لايحق لدولة واحدة الزعم باحتكار تمثيله، وإلا تحول هذا إلى إعادة إنتاج الإمبراطوريات، وهي حقب غير سعيدة ولا مشرفة في تاريخ البشرية وإن كانت غير بعيدة عن ذهنية اليمين الفاشي في إسرائيل تحت قيادة بيبي نتنياهو.
مشهد الشرق الأوسط الآن معقد لدرجة أنه يمكن القول أن أغلب إشكاليات تاريخ الإنسانية تشابكت هنا. ولكن من بين أكثرها تفردا وغرابة تاريخ اليهود حيث يبدو وكأنه عبارة عن لعنة اغريقية اسطورية في مسرحية لسفوكليس؛ فهو ليس تاريخ جماعة بقدر ماهو تاريخ أفراد، وحتى دورة الأساطير والعقائد والأديان والأيدلوجيات الإنسانية الثلاثية : من التبشير ثم الوصول إلى السلطة والدولة والابتعاد بالتالي عن المثالي لصالح الواقعي ثم التحول إلى مرحلة الأخيرة الطقسية، حتى هذه الدورة لاتبدو منطبقة على نشأة العقيدة اليهودية كأيدلوجية ثم تحولها إلى سلطة تبدو هذه الدورة ضبابية وباهتة جدا ومختلطة، حتى أنها تبدو أجزاءا من تاريخ امم أخرى، ولذلك كل دوائر تاريخ اليهود مختلفة عن بعضها البعض ومراكزها غير متطابقة وهى العبرية واليهودية والصهيونية وإسرائيل.
منذ تاريخ الماسادا أو الموت تحت الحصار والمجازر لايرشح عنه تاريخ أقلية بقدر ماهو تاريخ "بقية" يتفاقم حتى يصبح تاريخ "بقية البقية"، وفي اعتقادي أن تاريخ اليهود ليس تاريخ جماعة بقدر ماهو محصلة جمع تاريخ أفراد :"عندما تشتعل الفوضى والحرائق عليك أن تحزم أمتعتك، ويفضل مبكرا عن ذلك" ويقول المصرفي روتشيلد :"عندما تشتعل الفوضى والحرائق هذا وقت شراء العقارات"، بهذا المنطق يمكن القول أن الدولة القومية في وسط أوروبا حملت الخلاص للفرد ولكنها لم تحمل الخلاص للجماعات المخالفة، وحتى محاولة التنوير اليهودي للانخراط في الدولة القومية في النصف الثاني من القرن 19 فشلت لهذه الأسباب. ومن هنا بدأ تاريخ العنف البربري القومي والمقدس ضد اليهود في التاريخ الحديث، في روسيا القيصرية ثم في وسط أوروبا. وهكذا يمكن فهم كيف نشأت نظرية "الحل النهائي" النازية للمسألة اليهودية، وهى الإبادة الجماعية أو المحرقة "الهولوكوست.
من المؤسف أن أغلب القيادات العربية عند اشتعال القضية الفلسطينية دخلت في تحالف نظري وعملي مع النازية وحتى بعد هزيمتها تبنت نظرية "الحل النهائي" أو "رمي إسرائيل في البحر"، بينما كان العالم يجد يوميا وخلال محاكمات نورمبرج أدلة مفزعة على ماحدث في معسكرات الاعتقال وخاصة في أوشفيتز وداخاو، ولم يكن من العقل أو الإنسانية أو الأخلاق مناقشة صحة الأرقام لضحايا الهولوكوست أو التقليل منها باعتبار أنها حدثت للسلاف والغجر والمرضى النفسيين والمثليين وذوي الاحتياجات الخاصة، ولم تكن دوافع من فعلوا ذلك من الأوروبيين بريئة في أغلب الأحوال بقدر ماكانت أنشطة فاشية وعنصرية، وكان الأكثر بؤسا تبريرها في مقابل ماحدث للفلسطينيين، إذ أن حاصل جمع خطأين لايمكن أن يكون صحيحا.
ولمعرفة بؤس الثقافة السياسية العربية، يكفي أن نعرف أن المفتي أمين الحسيني الذى تسبب مع حلفاءه من الفاشيين العرب في تضييع كل فرص الحل السياسي للصراع، وأوقع المعسكر العربي كله في خصومة مع الرأي العام العالمي ومع المزاج الشائع بعد الحرب العالمية وبالطبع مع الشرعية الدولية، بينما قبلت إسرائيل كل قرارات الشرعية الدولية تستوي في ذلك كل الدوافع. كان المفتي نفسه وياللكارثة مطلوبا كمجرم حرب أمام محكمة نورمبرج، ولجأ سياسيا إلى مصر بترحاب أحمق من الملك فاروق وجيشه الفاسد الفاشي العنصري والحزب الوطني والإخوان المسلمين وجماعة علي ماهر وعبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية، وكل حزمة الجماعات الفاشية.
وحتى تكتمل المأساة شرعت الحكومات والحركات الفاشية العربية في التنكيل باليهود العرب ونهب ممتلكاتهم مثل ما ارتكب خلال أحداث الفرهود في بغداد في 1 و2 يونيو 1941 تحت حكم إنقلاب رشيد عالي الكيلاني، وكما حدث في مصر قبل وبعد إنقلاب يوليو، والمؤسف أكثر أن الصهيونية كقومية كانت موجهة لليهود الغربيين "الأشكيناز"، ولم تكن تشمل يهود الشرق "السفارد"، والأغرب والأكثر مأساوية أن الجمعيات اليهودية في العالم العربي وكان تعدادها بالآلاف لم تشارك جمعية واحدة منها في المؤتمرات الصهيونية منذ أول مؤتمر في بازل 1897 وحتى 1936 عندما بدأ التنكيل والاضطهاد، وهكذا أمد الوكلاء الأغبياء إسرائيل بأكثر من 40% من سكانها طبقا للتعداد الحالي.
ولأن الصراخ وطبول الحرب الفاشية كان عاليا وصاخبا وهجيا كالعادة إلى درجة أن أصوات وسط ويسار الوفد والطليعة الوفدية والاشتراكيين واسماعيل صدقي وأحمد عبود ومحمد حسين باشا هيكل، كل ذلك ذهب أدراج الرياح، ولم تكن مأساة الهزيمة المستحقة في الحرب غير المشروعة في 1948 آخر المطاف، لأن إنقلاب يوليو 1952 العسكري الصهيوني فتح ملفا جديدا من ملفات الفشل والهزيمة الإنسانية والأخلاقية والحضارية لثقافة البيئة الاجتماعية والسياسية العربية. ويكفي القول هنا أن نظام يوليو والبعث السوري تحولا إلى فخ لاصطياد كوادر الحزب النازي تحت وهم تطوير الأسلحة؛ فاصطادتهم إسرائيل جميعا تقريبا، حتى أنها قتلت بالسم 13 عالما ألمانيا في ساعة واحدة في فيلا بالهرم دون ضحية مصرية واحدة من الحراس والقائمين بالخدمة. #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي