الانتفاضة ومأزق الهوية لنصر الله وحزبه

سمير عادل
2020 / 1 / 29

لا يجادل اي شخص يفكر بالحد الادنى بالقيمة الانسانية، بان دولة اسرائيل هي دولة ابارتايد، دولة عنصرية، دولة قائمة على الظلم القومي للفلسطينيين، دولة تمول جزء من ميزانيتها العسكرية وارهابها في المنطقة من الاستحواذ على فائض قيمة كبير من العمال الفلسطيين عبر فرض شروط عمل قاسية واجور لا تصل الى مصاف اجور العامل الاسرائيلي بسبب ذلك الظلم القومي وادامته بكل الاشكال. وان النضال من اجل انهاء ذلك الظلم وتشكيل دولة فلسطينية مستقلة هو مسالة مبدئية لا يمكن المساومة عليها باي شكل.
*****
جميع الانظمة القومية العربية التي عرفت بفاشيتها وقمعها للحريات الانسانية والسياسية وفرض شروط العبودية على جماهير المنطقة اتخذت من القضية الفلسطينية شماعة لكل جرائمها المذكورة. فتخيل دولة مثل السعودية او قطر او نظام صدام حسين او بشار الاسد ومبارك او القذافي او صالح او البشير ..الخ رفعوا ويرفعون شعار تحرير فلسطين، وجميعهم دون استثناء يغرقون في دماء التي اسالوها بحق جماهيرها المطالبة بالحرية والمساواة والخبز والكرامة الانسانية.
*****
الصراع بين التيار القومي العروبي الحاكم والمعارض وبين الجمهورية الاسلامية للاستحواذ على المنطقة والهيمنة اقدم من تاسيس الثانية. بيد ان الجمهورية الاسلامية مضت بالمشروع القومي الفارسي الذي دشنه نظام الشاه ولكن هذه المرة بلباس الدين-الطائفية الذي هو افضل سلاح لاختراق المنطقة. وبالرغم من تطور الروزخونيات في ايران في عهد نظام الشاه عبر كل اشكال الدعم لها من قبل النظام السياسي القائم حينذاك، وازدياد المناسبات الشيعية ويتقدمها شاه رضى البهلوي مثلما يحدث عندنا في العراق في ايام العاشوراء حيث قادة الكتل الشيعية وشخصياتها يتقدمون المواكب، الا ان الطريق لم يكن سالكا امامه لانه كان معروفا بشرطي امريكا في المنطقة. وكان الشاه يحاول دغدغة مشاعر “الشيعة” في العراق في السبعينات من القرن الماضي لايجاد موطئ قدم له من اجل فتح الطريق امام المشروع القومي الفارسي، وكان يشكل استفزازا للنظام البعثي انذاك، الا ان ثورة 1979 اطاحت بنظامه وبني على أنقاضه الجمهورية الاسلامية. وليست بأموال النفط وحدها استطاعت الجمهورية الاسلامية اتمام المشروع القومي الفارسي الذي دشنه الشاه، وتمددها في المنطقة، بل كانت بحاجة الى هوية سياسية جديدة من الممكن اختراق المنطقة الذي فشل سلفه في ذلك وجر اليسار الذي كان له سطوته وكلمته بمعاداتة للامبريالية الامريكية ورائها، اضافة الى التفنن في استخدام الدين وامتهان الطائفية كسلاح ماض لاختراق الجغرافية السياسية كما يسميها اليوم المسؤولين في ايران “غرب اسيا”. تلك الهوية هي "معاداة امريكا" الشيطان الاكبر التي دشنت عبر احتلال السفارة الامريكية في طهران عام 1980 واعتقال الرهائن فيها، وبعد ذلك رفع لواء تدمير دولة اسرائيل عبر استغلال الظلم القومي الفلسطيني.
وهكذا تمكن نظام الملالي في قم-طهران من تنظيم تلك الهوية السياسية واخفاء الهوية القومية الفارسية تحتها وتسويق نفسه بأنه صاحب القضية الفلسطينية، وسمى قواته العسكرية ومخابراتها العابرة للحدود واذرعها المليشياتية بفيلق القدس، وابتدع يوما اعلاميا يحتفى به بمهرجان خطابي ومسيرات كبيرة بيوم القدس ليسحب البساط السياسي من تحت اقدام الانظمة العربية وجر اليسار القومي ورائه.
*****
ليس حزب الله اللبناني الذي يقوده حسن نصر الله الا جزء من المشروع السياسي للجمهورية الاسلامية في لبنان او كما يسمي نفسه جزء من “محور المقاومة”. فهوية حزب الله السياسية هي هوية مقاومة اسرائيل، واذا ما دققنا في 90٪ من خطاباته السياسية فهو يركز على مقاومته لاسرائيل وعلى معاداته لامريكا، ودون هذه الهوية لم يكن لحزب الله اي ذكر في المشهد السياسي اللبناني. وطبعا لا ننكر ابدا المقاومة التي قادها ضد دولة اسرائيل العنصرية، ولكن كانت جزء من الصراع بين النفوذين الاسرائيلي والايراني في المنطقة ومغلف بأيدلوجية المقاومة. وكان حزب الله ينوي من جهة جر بساط معاداة امريكا واسرائيل والقضية الفلسطينية من تحت اقدام اليسار القومي والتيار العروبي من جهة وان يكون جزء من مشروع الجمهورية الاسلامية في المنطقة. وتمكن حزب الله اثناء مسيرة صعوده من تصفية جميع منافسيه وخاصة اليسار اللبناني الذي هو من دشن مرحلة مقاومة اسرائيل العسكرية. وتتوجه اصابع الاتهام لحزب الله في تصفية td تصفية اليسار بشكل فيزيقي عبر تصفية قادته وكذلك اصدار هويته السياسية الجديدة وهي “مقاومة اسرائيل”. والحق يقال ان الجماهير التي لا حول لها ولا دولة تحتمي بها من تماديات دولة اسرائيل الارهابية، فليس امامها سوى بلع الطعم والجري وراء حزب الله الذي ملئ الفراغ الامني والسياسي وفراغ الدولة.
الا ان “مقاومة اسرائيل” او العنوان الذي سطر خلفه اليسار القومي والتيار العروبي والنظام القومي الحاكم في سورية هو “محور المقاومة”، لم يشكل كل الهوية بالنسبة لحزب الله في لبنان، بل كانت الطائفية هي المكمل الاخر للهوية كي يستطيع الانسجام مع بنية السلطة السياسية في لبنان القائم على نظام المحاصصة. وبدون هذا الانسجام والتناغم مع النظام القائم لن يستطيع حزب الله الحصول على مشاريع استثمارية واقتصادية ومالية في لبنان. اي بعبارة اخرى ان حزب الله كان ممثل سياسي لجناح من الطبقة البرجوازية الحاكمة في لبنان، وحاول منذ اتفاق الطائف عام ١٩٩١ الذي اعلن انتهاء الحرب الاهلية ان يكون صمام امان للطبقة البرجوازية الحاكمة ودفع السوق اللبنانية كي يكون جزء من السوق الراسمالية العالمية.
بيد ان التناقضات الكبيرة التي يحملها النظام السياسي الحاكم والمتمحور بالصراع بين الاجنحة السياسية للطبقة البرجوازية والتي تقف خلفها صراع القوى الاقليمية والدولية، كانت تدفع لبنان بين الفترة والاخرى الى اتون حرب وصراع ومستقبل مجهول. اي لم تشهد لبنان يوما ما استقرار سياسي الا ما ندر. وان تشكيل الحكومات فيها يعاني دائما من مخاض عسير يكون المولود فيهاغير مكتمل النمو.
وبسبب تلك التناقضات والصراع الاقليمي نجد ان حزب الله يحاول من جهة التمسك والدفاع عن النظام الطائفي الحاكم في لبنان ومن جهة اخرى اظهار نفسه على انه القوة الوطنية التي تتصدى لاسرائيل ومشاريعها في المنطقة. وخلال كل العقود الماضية سار حزب الله على نفس مسار الانظمة القومية العربية، وهو رفع راية القضية الفلسطينية ومقاومة المشروع “الصهيوني”. وكل ما عدا ذلك فهو باطل. فالحريات والمطالبة بالمساواة والكرامة الانسانية والحصول على رغيف الخبز، جميعها كبش فداء من اجل مقاومة الكيان الصهيوني، ومن يقول غير ذلك فهو عميل لاسرائيل وعميل لامريكا.
*****
الانتفاضة اللبنانية وضعت هوية حزب الله السياسية تحت طائلة سؤال كبير. فالضربة الأولى للانتفاضة وجهتها للطائفية والنظام الطائفي القائم في لبنان، والضربة الثانية كانت للهوية السياسية “محور المقاومة” الذي اعمى حزب الله اللبنانيين به. وحاول حسن نصر الله وجميع السياسيين في النظام الحاكم في لبنان ضبط الأعصاب والسيطرة للوهلة الأولى على خطاباتهم وتصريحاتهم ووصف مطالب اللبنانيين بانها اقتصادية عادلة وليست سياسية، لحصر اللعبة السياسية وخيوطها بيده. وفي الخطابات السياسية الأولى لحسن نصر الله حول الانتفاضة اللبنانية، حاول إظهار رباطة جأشه وتضامنه مع مطالب الجماهير المنتفضة، وحاول عزل المطالب عن السياسة، لانه يدرك ان السياسة تعني التشكيك بوجود حزب الله السياسي وشركاته الاقتصادية وفساده الإداري والمالي والسياسي، وأنه لا يختلف عن التيار العوني وجنبلاط والحريري و8 اذار و14 اذار في سرقة أموال وثروات وعرق العمال والكادحين في لبنان، وانه جزء من مشروع الليبرالية الجديدة للسياسة الرأسمالية العالمية التي تعني تنصل الدولة والحكومة من اية مسؤولية عن المجتمع فيما يخص التعليم والخدمات والصحة والبطالة..الخ. وليس دفاع نصر الله عن بقاء حكومة الحريري الا هو دفاع عن النظام الطائفي البرجوازي الحاكم في لبنان. فتخيل دون النظام الطائفي ان حصة وامتيازات حزب الله في السلطة والصفقات الاقتصادية ستنخفض اذا لم نقل ستنعدم. فالدفاع عن النظام السياسي الطائفي هو الدفاع عن الوجود السياسي للحزب الله وكل المكونات السياسية التي اختارت هوية طائفية لها من اجل السرقة والنهب باسم الطائفة.
وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فجاءت الانتفاضة اللبنانية لتسدد ضربة سياسية كبيرة لم تشهدها لا تلك المكونات المزيفة ولا كل النظام السياسي الطائفي المقيت في لبنان.
*****
وظهر دائما وطوال كل تلك السنوات حزب الله هو المدافع عن الأمن والأمان في لبنان حيث يلوح بين فترة وأخرى بمليشياته التي تعتبر هي الأقوى من بين القوى السياسية اللبنانية ويستطيع اثارة الفوضى او التلويح بانه قادر على حسم السلطة. الا ان حزب الله يدرك ان حسم السلطة لا تحدده القوى السياسية المحلية بل التوازنات الاقليمية والدولية التي تقف وراء كل قوة او تيار سياسي في لبنان. وبشكل واعي ومدروس يحاول حزب الله ان يبرز الصراع مع اسرائيل على انه هو الحلقة المركزية في المجتمع اللبناني، كما يبرز نتانياهو واليمين الاسرائيلي الصراع مع العرب هو المحور الرئيسي او الحلقة الرئيسية في الداخل الاسرائيلي. اما حاجات العامل اليومية، اجوره ورفاهه وشروط عمله، العاطل عن العمل، المعلم والموظف، المرأة وحقوقها، الخدمات مثل الكهرباء والنفايات.. الحريات السياسية والانسانية والمساواة بالحقوق الخ فهي حاجات اذا لم نقل مؤجلة فيجب ان لا يطالب بها المواطن لانه في صراع مع اسرائيل الكيان الصهيوني المغتصب. وتتبادل الادوار بين اسرائيل والانظمة القومية العربية حول التناغم والانسجام في الصراع القائم. وكل طرف له مصالحه في استمرار الحقد القومي والعنصري واشاعة اجواء الحرب والتهديدات العسكرية وخاصة يكون البادئ بها الطرف الاسرائيلي، الا ان الانظمة القومية العربية وحزب الله يتفننون جيدا في استغلال ذلك الصراع لاستمرار وجودهم السياسي,
وخلال أيام الانتفاضة حاول نصر الله ،بعد ان نفذ صبره، اللجوء الى تشويه الانتفاضة مثل مبارك والبشير وخامنئي وغيرهم مدعياً بأن امريكا واسرائيل ورائها ضاربا بعرض الحائط سؤال بسيط هو: هل المطالبة بإنهاء الفساد والمحاصصة والمساواة امرمشروع ام لا؟
ليس هذا فحسب بل ذهب حزب الله بتسليط بلطجيته في شوارع لبنان ،وخاصة اذا عرفنا ان الانتفاضة اجتاحت مناطق نفوذه، لجر الجماهير الى العنف وبالتالي ايجاد المبررات في قمع الانتفاضة. ولم يقف عند هذا الحد بل ان عناصر حزب الله وامام الكاميرات و الفضائيات اعلنوا انه من ينتقد حسن نصر الله سيُقتل. اي ان حزب الله كشف عن وجهه القمعي والدكتاتوري والمعادي للحريات، ولطالما اختبئ وراء عنوان “مقاومة اسرائيل” والدفاع عن المقدسات وفلسطين وارض لبنان وهي العناوين التي اعتاد عليها بترويجها من قبل الانظمة القومية العربية.
اغتيال قاسم سليماني على يد القوات الامريكية في مطار بغداد، حرك شراع حزب الله من جديد، بعد ان كان راكدا ويتحين الفرص وخاصة بات خطابه القومي في مواجهة اسرائيل لم يؤت أوكله في موسم القيظ، واعطى ذلك الاغتيال فرصة لإعادة انتاج خطابه السياسي وتجديد هويته السياسية، فظهر نصر الله غاضبا ويلوح ويهدد ويوعد بأنه سينتقم وسيخرج القوات ألأمريكية من المنطقة. لقد شعر نصر الله بقدر ان الانتفاضة كشفت عن وجهه الحقيقي ،ومشاريع حزب الله السياسية، وافقدت الهوية الطائفية للنظام السياسي الحاكم في لبنان بريقها، ودفعت الصراع الطبقي الى السطح بعد ان حاول تطميسه بالصراع القومي بين اسرائيل ولبنان، بنفس القدر ان هويته السياسية “محور المقاومة” تتحول يوما بعد يوم الى بدل تالف. فظهرت خطاباته السياسية الحماسية التي اعتاد عليها لاثارة مريديه وعناصره بشكل متكرر، حيث يتحدث عن الصراع مع الولايات المتحدة الامريكية وهيمنتها وانه سيواصل درب قاسم سليماني حتى انهاء الوجود الامريكي في المنطقة. لقد ذهب بخطاباته السياسية ووعيده ابعد من الجمهورية الاسلامية، اي ملكيا اكثر من الملك نفسه، لانه يدرك ان وجوده السياسي اصبح موضع شك بسبب ضربات الانتفاضة.
*****
ان سحب البساط من اقدام حزب الله والجمهورية الإسلامية والعصابات العراقية التي تحاول تزوير هوية سياسية باسم المقاومة لها لتنظم الى “محور المقاومة” من خلال انهاء الظلم القومي الفلسطيني ووضع حد لتطاولات دولة اسرائيل الارهابية. فكل تلك القوى لن تبق لها اية شرعية سياسة التي تبرر وجودها اذا ما تاسست دولة فلسطين.
ان اولى المسائل التي يجب ان نضعها على عاتقنا فيما تخص هذه القضية هي نقد الاوهام والسياسات التي تروجها تلك القوى حول القضية الفلسطينة، ويجب ايضا فضح المصالح السياسية والاقتصادية التي تقف خلفها، وفضح آليات عمل تلك السياسات من اجل طمس الصراع الطبقي الحقيقي الطاحن في المجتمع.
ومن جانب اخر ان الانتفاضتين العراقية واللبنانية خلقت ارضية مشتركة لتلاقي اليسار تجمعها مصالح الطبقة العاملة ووحدة اهدافها ومطالب كل المحرومين التي تنشد الحرية والمساواة. فمثلما يحاول نصر الله توحيد المليشيات الارهابية في العراق وخلق الانسجام بينها المعروفة بإسم حركي وهو الطرف الثالث، وهي من تقتل المتظاهرين في العراق وتغتال الناشطين السياسيين وتنسق بينها وبين مليشياته والحرس الثوري الايراني والمرتزقة في المنطقة، فعلينا نحن اليسار ان نعمل على تاسيس جبتهنا الانسانية في المنطقة بين عمال وشيوعيي وتحرري ايران ولبنان والعراق وكل المنطقة لمواجهة الفاشية والارهابية .
ويجب ان يكون هذا اليسار هو من يدافع عن انهاء الظلم القومي ويقف بوجه ارهاب دولة اسرائيل على اساس حق انساني بديهي. وفي نفس الوقت يجب التعامل بمساواة بشكل سياسي مع السياسة الامريكية في المنطقة وسياسة الجمهورية الاسلامية ايضا، لأنهما سياسة معادية لمصالح الطبقة العاملة وعموم المحرومين في المنطقة، ويجب التصدي لها وفضحها، وتبيان ماهيتها الطبقية ومصالحها. فتداعيات الصراع بين الطرفين تهدد امن وسلامة الجماهير في المنطقة. فعمامة خامنئي وتسريحة ترامب وجهان لارهاب واحد.