ترامب وسياق صفقة القرن

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 29

وصل ترامب إلى سدة الحكم في أمريكا في يناير 2017 في ظرف تاريخي حرج للغاية، حيث الدول العربية تمر بمرحلة تحول وشد وجذب بين مرحلة دولة ما بعد الاستقلال التي تشكلت في خضم التخلص من الاستعمار الأجنبي في العالم العربي، وبين إرهاصات دولة التحرر الذاتي من أثر تراكمات القهر والاستبداد وغياب المؤسساتية المهنية مع حركة ثورات الربيع العربي. وكان الموقف من الصهيونية وإسرائيل في العقد الثاني من القرن الجديد شديد التقلب، في بداية الثورات العربية انتقلت عدوى التمرد والبحث عن الذات لداخل دولة "إسرائيل" عندما ضرب المحتجون الخيام في الشوارع للثورة على طريقة ميدان التحرير، كما أن خطاب العهنجهية تراجع لما قبل الصفر, حتى إن نتانياهو عندما اقتحمت الجماهير السفارة الإسرائيلية في قلب القاهرة، خرج بصوت خفيض للغاية يطلب من الناس الهدوء قائلًا بأن المنطقة تتعرض لتغيرات جذرية تشبه بدايات القرن العشرين، في الوقت نفسه ضعفت دول الطوق حول إسرائيل في سوريا ومصر تحديدًا، فأصبحت سيناء في نهاية الأمر تقريبًا مسرحًا للجماعات الإرهابية، وخرجت قوة الجيش السوري من المعادلة مرحليًّا بسبب الصدام مع المطالبين بالتغيير هناك، وأضيف للضغوط على مصر انتهاز أثيوبيا للفرصة وبناء سد النهضة على منابع النيل بما يؤثر على حصة مصر من المياه، وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني عكست الثورة روح البحث عن الذات العربية عند الفلسطينيين في صورة المطالبة بالمصالحة بين السلطة وحماس، وبشكل غير معلن بحث الفلسطينيون بدورهم عن تشكيل فكري بديل لم يساعدهم الظرف في الوصول إليه، كما أن إسرائيل كانت مرنة للغاية في أوقات المد العربي الثوري الجماهيري فتهدأ، ثم تعود لمحاولة تغيير قواعد الاشتباك واللعبة ثانية بالعودة للاعتداء على البقعة المقدسة باسم الذرائع الدينية الواضحة التي لا لبس فيها.
في ظل هذا الوضع العربي السائل الذي لم يتخذ شكله النهائي بعدُ جاء ترامب للسلطة في بداية يناير 2017م، ببرنامج انتخابي وخطاب كانت قد وضحت لحد بعيد في حملته الانتخابية وجهته اليمينية المحافظة، عن العودة لأمريكا والعداء للأجانب , وخفض الدعم الموجه للفقراء. واستعداء المنافسين من الدول واستحضار النعرة العنصرية بما تحمله في طياتها من أثر الصهيونية المسيحية أو البروتستانتية وهو ما بدا جليًّا في خطاب سفير أمريكا لدى إسرائيل دافيد فريدمان حين استخدم في تصريح له المصطلح التوراتي "يهودا والسامرة" إشارة للأرض الفلسطينية بعد تولى ترامب، وفي أثناء الحملة الانتخابية تحدث ترامب عن مشروع لحل القضية الفلسطينية لم يسمه تسوية سياسية أو اتفاقية سياسية، إنما أسماه "صفقة القرن" ولمصطلح "صفقة" هنا دلالة في فهم عقلية ترامب الذي هو رجل أعمال في الأصل قبل أن يعمل بالسياسة(1) ، وكان أبرز ما طرحه في تلك الصفقة هو وعده بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، وتنفيذ القانون الأمريكي القديم بشأنها الذي لم يُفعل، حيث إنه " في 25 أكتوبر 1995 صدر قانون الكونجرس الأمريكي بشأن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس"(2)
من المهم هنا أن نرصد عدة ملاحظات في تكتيك الكشف عن بنود الصفقة وفحواها على مدار الفترة الماضية، فلقد كان المتعلق بأحد البنود مثلًا يبدأ بسقف عال للغاية لجس النبض العربي والفلسطيني دون أن يكشف عنه مرة واحدة، وهو التكتيك الذيي اتبعه جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب والمكلف بالملف، حيث "يبدو أن تكتم كوشنر على تكتم صفقته وتسريبها على دفعات سببه خشيته من تقديمها دفعة واحدة وفشلها ساعة إطلاقها"(3)، فإذا جاء الموقف بالرفض بدأ سقف التفاوض فيه والتسريبات تنخفض شيئًا فشيئًا ولو كتكتيك، كذلك نلاحظ أن الموقف المصري من خلال خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يحسم أمره بوضوح تام من الصفقة، إلا في النصف الثاني من عام 2019م في بداية شهر أغسطس أثناء زيارة جاريد كوشنر والوفد المرافق له لمصر، حيث تغير الموقف المصري تمامًا الذي بدا فيما قبل ذلك مؤيدا للصفقة في العموم، ليعلن فجأة العودة للموقف التاريخي للدولة المصرية من مرجعية القرارات الأممية وأساسية حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وصرحت مصر برفضها التصورات المطروحة لوجود أجزاء من سيناء ضمن تصورات الصفقة المطروحة للنقاش، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية حتى بداية الربع الأخير من عام 2019 لم تعلن بعد عن الشكل النهائي لبنود الصفقة!
غير أن بنود الصفقة وأطرها العامة كانت قد وضحت للمتابعين من خلال التصريحات الأمريكية المتباعدة وردود الفعل الفلسطينية والإسرائيلية عليها، الإطار العام للموضوع ان يدور بالفعل في إطار صفقة وليس في إطار تسوية سياسية عادلة، تجاهلت كل البنود المطروحة إعلاميًّا والتي كانت تسرب بالتدريج وعلى فترات متباعدة الحقوق والمواقف الفلسطينية الثابتة فيما يخص: العودة لحدود ما قبل عدوان 1967، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وطرحت إطارًا بديلًا للصفقة المزعومة يقوم على غواية دول الطوق العربي بحزمة من المساعدات المادية والاقتصادية، وتحميل دول الخليج الغنية لجزء كبير من التكلفة المالية لتلك الحزمة المالية والاقتصادية، أما بالنسبة للفلسطينيين فلم يكن هناك ما يمكن أن تقدمه لهم الصفقة سوى مشاريع تعد بتحسين ظروف الاحتلال وشروطه!
جاءت تسريبات الصفقة المتوالية لتتضح بنودها عبر الأعوام الثلاث كالتالي: فيما يخص العاصمة المقترحة للشكل السياسي غير الواضح الخاص بالفلسطينيين، طرحت الصفقة موقعًا بديلًا عن القدس الشرقية كنقطة انطلاق لذلك الشكل السياسي، و فيما يخص الحدود والمستوطنات وقطاع غزة وعودة اللاجئين أهملت كل شيء، وركزت على التمدد نحو سيناء المصرية مع عدة تسريبات لترى أيها ستقبل به مصر، فطرح في السياق عملية مبادلة أراضي بين مصر وإسرائيل، تعطي من خلالها مصر للفلسطينيين ساحة مجاورة لقطاع غزة وتحصل على أرض بديلة في صحراء النقب، ومع الرفض المصري تغير المقترح لتظهر تصورات جديدة له عبارة عن تسهيلات اقتصادية ومرورية للفلسطينيين للوصول لسيناء مع احتمالية لمنح الجنسية المصرية لهم في المستقبل، في مقابل حزم مساعدات اقتصادية لمصر وحتى هذه اللحظة لم يستقر الشكل النهائي للصفقة في هذه النقطة رغم وضوح الرفض المصري لها. وعن حق العودة سكتت تمامًا الصفقة عنه وفيما يخص الفلسطينيين لم تتحدث الصفقة المزعومة سوى عن تغيير شروط الاحتلال وتحسين ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكأنها تعرض فيلمًا ترويجيًا لأحد المشاريع العقارية التي كان يعمل فيها ترامب مستثمرًا قبل وصوله للسلطة.
التسريبات تنص على ضمان وتوسيع السلطة الإسرائيلية الكاملة على المستوطنات في الضفة، والسيطرة على غور الأردن بالضفة كذلك، أما أخطر بنود الصفقة فكان ما يتعلق بالقدس والبقعة المقدسة فالتسريبات تنص على أن العاصمة المقترحة للشكل السياسي للفلسطينيين ستكون في "أبوديس" وليس في القدس الشرقية كما يطالب الفلسطينيون، وفي القدس أيضًا كانت نقطة الانطلاق لمواجهة صفقة القرن؛ عندما قرر ترامب نقل السفارة الأمريكية إليها في سياق دال على الغرض الأصلي من الصفقة المزعومة، لكن ترامب عمد في البداية إلي تهيئة البنية المؤسسية الدولية وتفكيكها كي لا تكون عقبة في تنفيذ مخططه في القدس، ورغم ان الشكل الرسمي لم يعلن بعد إلا أنه قد ظهرت لها بعد التسريبات، حيث "وفق وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية فإن كوشنر الذي يعد للصفقة منذ عامين حرص على إبقاء كافة الكتل الاستيطانية في الضفة المحتلة، وأسقط حق عودة اللاجئين"(4)

يحتاج الجانب العربي الآن لمهارات إدارة التفاوض والمواجهة الباردة والصمود بثبات والتأكيد على الخطاب ومستلزمات "مستودع الهوية" العربي، ذلك وفق سياسات؛ حافة الهاوية، النفس الطويل، وتثبيت الوضع القائم،... الخ.
كما أن الجانب الفلسطيني عليه أن يعود لمقاربات أخرى لوجوده السياسي على الأرض الفلسطينية المحتلة، واستعادة ملفات النضال القانوني الأممي والصمود والكمون في الزمن، وانتظار تبدل الظرف التاريخي وامتلاك مقومات القوة واستعادة الذات العربية لنفسها في العموم.
لا يوجد نصر مباشر قريب على الصهيونية والهيمنة الأمريكية وتيار الاستلاب العربي المروج لهما، لكن النصر هو الثبات في المكان والحفاظ على المتخيل الهوياتي الخاص بالذات العربية، وعدم التنازل ولو لمدة 100 عام آخرين..
لكن رغم كل هذا؛ تبقى الجماهير العربية فرس الرهان الضاغط، وعنصر ترجيح كفة الميزان، تبقى لها القدرة على تغيير معادلات القوة كلية واشتراطات التفاوض في لحظات معينة، تعرف هي موعدها وحدها، ولا يعرف آحد أخر ذلك الموعد.




هوامش:


1 - ألف ترامب في عام 1987 كتابا بعنوان فن الصفقة " THE ART OF THE DEAL".
2 - أحمد يوسف القرعي، القدس: من (بن غورين) إلى( نتانياهو)، ص 82، سلسلة بحوث استراتيجية العدد (3)، مركز الدراسات العربي الأوربي، ط1، 1997
3 - حسين عبد الحسين، صفقة القرن تمويل عربي.. وكل الأرض لإسرائيل، جريدة الرأي الكويتية في 8 مارس 2019
4 - محمد أيوشناب، "ملامح صحيفة القرن تتضح الأسبوع القادم"، جريدة الوطن السورية في 7 فبراير 2019م.