أنكر الداعية فعلته معى ووصفنى بقلة الأدب والفساد

نوال السعداوي
2020 / 1 / 27

لا شىء يهدد النظام غير العادل، إلا العقل الحر المبدع، الذى يكشف الحجاب عن الاستبداد والفساد والقهر المتخفى فى حياتنا الخاصة والعامة.

فى جمعية تضامن المرأة العربية التى أنشأتها عام 1986، وأغلقتها الحكومة عام 1992، كان شعارنا «رفع الحجاب عن العقل»، بدعوى نشر الفتنة والتحريض ضد النظام.

تم تحريم وتجريم هذا الشعار، وظهرت قوائم الاغتيالات للعقول الحرة المبدعة. وكانت الشابات والشباب يتحدثون معى عن عمليات «تحجيب العقول»، وليس فقط تحجيب وجوه النساء، من أجل إخفاء «عورات» الحكم، تحت اسم العودة إلى الدين والطاعة والفضيلة وحماية الأسرة من التفكك، وحماية المجتمع من الانقسام.

حكت لى شابة، كيف غاب عقلها 9 سنوات، من عام 1988 إلى عام 1997، تحت تأثير داعية إسلامى، له شهرة واسعة فى الإعلام المصرى، وكانت الحكومة المصرية بالتحالف مع الرأسمالية العربية والأجنبية، تدعمه دعما مباشرا كاملا، لتخريب العقل المصرى، واستمرار الغيبوبة الاجتماعية والثقافية، وترسيخ مفاهيم الدولة الدينية، وتشويه صورة الدولة الدينية. وعكف هذا الشيخ على الهجوم المباشر على المبدعات والمبدعين، الى درجة تكفيرهم، وضرورة بترهم من المجتمع، وتصفيتهم فكريا وجسديا.

وإليكم قصة هذه الفتاة، تسردها بنفسها، والتى تحكى قصة آلاف الفتيات والنساء، اللائى وقعن ضحية التعصب والتطرف والتزمت، المخطط له، محليا وعالميا، لإرساء الدولة الدينية.

«ولدتُ عام 1973 فى أسرة متعلمة. ساورتنى الشكوك عن معنى الحياة، بعد موت صديقة لى قبطية. لم يجب أحد عن تساؤلاتى، لا فى المدرسة ولا فى البيت. بدأت زميلة لى مسلمة تعطينى شرائط مسجلة لأحد الدعاة المشهورين. أولها شريط بعنوان (عذاب القبر)، يحكى عن الثعبان الأقرع الذى ينزل إلى (زنقة) القبر المظلم، ويضرب البنت بذيله فى أعماق الأرض، لعدم ارتدائها الحجاب. أصابنى الهلع على صديقتى القبطية، وكل البنات القبطيات والمسلمات غير المحجبات. ساعدتنى زميلتى على شراء الحجاب، وارتديته بحماس. أصبحت أصرخ فى وجه أمى قائلة: انتى كافرة، اتحجبى، هاتموتى بضربات الثعبان الأقرع بذيله فى أعماق قبرك. وألقيت جميع شرائط الموسيقى والأغانى التى أحببتها فى القمامة، وخلعت الصور من حوائط البيت، وتمثال إيزيس الذى زينت به المكتبة فى الصالة، دفنته فى حفرة بالأرض، وغطيت التليفزيون بملاءة سوداء.

ثم استمعت إلى الشرائط الأخرى، وأصبحت أرى نفسى أمشى فوق الصراط المستقيم، وعيون الشياطين فى الجحيم تشير إلى جسدى العارى ومكتوب عليه فضيحتى بحروف من نار: (هذه البنت لم تلبس الخمار). ثم أخذتنى الزميلة إلى محل أمام جامع أسد ابن الفرات، فاشتريت الخمار والشرائط كلها للشيخ الداعية، تبلغ 40 شريطا. غضب أبى بشدة ونزع عنى الخمار بالقوة فتماديت فى التمرد على الأسرة. أخذتنى أمى إلى أحد الشيوخ معتدلى التدين ليصحح أفكارى، لكننى كنت مشبعة بأفكار الشيخ الداعية المشهور، وأحببته وأطعته كما يفعل العبد للرب، بل إننى تفانيت فى خدمته، وتوزيع شرائطه وتدريسها فى الجامع. استسلمت لكل ما يقوله ويفعله. كان يضمنى إلى صدره كالأب الحنون، ويقرأ القرآن. عمره أكبر من جدى، فلم أشك فيه. فى يوم فض بكارتى دون أن أشعر بالخطأ، كان هو الصواب والحق المطلق، فوجئت بالحمل، وتصورت أننى سأكون الفتاة التى تحمل وهى عذراء مثل السيدة مريم العذراء، تحمل فى أحشائها المهدى المنتظر. فهى الوحيدة من نساء العالمين التى ذكرها القرآن باسمها وخصص لها سورة كاملة.

أنكر الداعية فعلته معى عندما صارحته وطلبت منه الزواج. غضب بشدة، وشتمنى، ووصفنى بقلة الأدب، وانعدام الحياء، والفساد، بل بالكفر أيضا. ساعدتنى أمى وطبيبة نفسية، على إجراء عملية الإجهاض. حزنت لفقدان طفلى، لكننى فرحت باسترداد عقلى، وتلاشى الأوهام والمخاوف التى كادت تدمرنى وتضيع مستقبلى. بدأت أقرأ كتب العلم والطب والأدب والفلسفة، بدلا من كتب المشايخ والدعاة، وتخلصت من شرائطهم المسجلة».

بعد سماع هذه الحكاية، تشجعت الشابات والشباب على البوح بتجارب متشابهة، وفضح الأشياء المختبئة وتكسير جدار الصمت والشعور بالذنب.

حكى شاب عن تجربته المريرة مع أحد هؤلاء المدعين، من ذوى الجنسية المثلية، وكيف أنقذه أبوه، وصمم على عدم إخفاء الحقيقة، وفضح هذا الشيخ، ومقاضاته فى المحكمة، فهرب إلى أمريكا وبلاد الخليج.

بكل أسف، فإن نماذج من هؤلاء الشيوخ الدعاة، ما زالوا منتشرين فى الإعلام المصرى، لهم قنواتهم الفضائية، ولهم أجندتهم المجندة لتخريب العقل المصرى الحر المبدع، وتخويف منْ يفكر ويسأل وينقد ويتمرد. وضحاياهم من النساء والرجال والأطفال كثيرون، فى المدن والقرى، على حد سواء.