الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي المصري

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 25

هناك عدة محاولات جرت في سعي لمقاربة الثورة المصرية العظيمة في 25 يناير 2011م، ارتكزت في معظمها على الجانب السياسي والأطراف السياسية الموجودة في الحانب المصري وتوظيفها، وكذلك ارتكزت على التراتب الاجتماعي المصري الواسع والتأثير في اختياراته وتوجيهها، لكن هناك مقاربة لم تختبرها الحالة المصرية بعد (بعيدا عن التوظيف والتوجيه)، لأن المقاربتين الاولى والثانية لم يحققا الاستثمار الحضاري الأمثل للحظة الثورة المصرية ومشروعها في التغيير، وأتحدث هنا عما يمكن تسميته؛ المقاربة الثقافية للثورة كقوة ناعمة تضاف لمحفظة الأمن القومي المصري، وتُوظف حضاريا كاستثمار في شبكة العلاقات الدولية في العموم، وانعكاسها على الإقليم العربي/ الشرق أوسطي في الخصوص.

الثورة كإضافة وليست خصما من محفظة الأمن القومي
حتى هذه اللحظة يتم استثمار التناقضات واللحظات المفصلية الفارقة القادرة على خلق التحول، عبر التدخلات الخارجية في المعظم (ولندرس حالة الثورة في العراق مؤخرا والتدخل الأمريكي بإشعال حريق أكبر باغيتال السليماني لتوجيه الحراك هناك)، لكن المقاربة الغائبة عربيا ومصريا هى عدم الوعي باستثمار الثورة كقيمة/ ثقافية/ ناعمة تضاف للأمن القومي المصري والعربي، لا أن تعتبر خصما من محفظته التاريخية (كما جرى في المقاربتين السابقتين).

نهاية طريق المقاربتين السابقتين
المقاربتان؛ مقاربة توظيف الفصائل السياسية ضد بعضها تم استخدامها في مرحلة المجلس العسكري الأول بالتحالف مع الإخوان، ثم تم استخدامها أيضا بالتحالف مع اليسار والليبرالية لإزاحة الإخوان بعد ذلك، أما المقاربة الثانية عن التراتب الاجتماعي المصري وتوجيهه سياسيا عبر التناقضات وسياسات التمييز في مميزات "الدمج والتسكين" والمنافع السيادية في يد السلطة الرسمية، تم توظيفها في المرحلة الحالية لخلق تراتب اجتماعي موجه، لكن المقاربتان السابقتان لم يحققا شيئا يضاف حقيقة للأمن القومي المصري، سوى في التصورات الخاصة للبعض ومن وجهة نظرهم التي توقف التاريخ عن متغيراته والوعي بفلسفتها، كما أن المقاربتين وصلتا لمرحلة الانسداد ونهاية الطريق الخاص بكل منهما، بما يدفع في اتجاه البحث عن مقاربات سلمية أخرى تختبرها الدولة المصرية بكل أبنيتها، وتختبر عائدها على مستوى الأمن القومي المصري في سياسات جديدة على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي.

أثر المقاربة الجديدة "الثورة كقوة ناعمة"
على السياسات الخارجية
من هنا أطرح مقاربة: " الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي المصري"، ستتمثل هذه المقاربة في عدة سياسات داخلية وخارجية، وسأبدأ بالسياسات الخارجية المقترحة للمقاربة، حيث سترتكز مجموعة السياسات الخارجية للمقاربة على أن الثورة هي قيمة مضافة لمحفظة الأمن القومي المصري، وليست خصما منها أبدا. بما يستوجب تعديل الخطاب السياسي العام في هذه النقطة، كي لا يتم استثمار ذلك من جانب أنماط التدافع الخارجي النشطة في الملفات ذات الصلة بمصر والمنطقة العربية، وتلعب بدورها على خلق تناقضات تصب في اتجاه أهدافها، وذلك تحديدا في الملف الأفريقي ودول حوض النيل ودول الشمال الأفريقي أو المغرب العربي، فهنا يجب ضبط الخطاب السياسي بمفاهيم الأمن القومي (وليس كما كان يحدث قبلا بمفاهيم الأمن السياسي)، بحث تصل الرسالة للخارج وللقوى النشطة في ملفات المنطقة وإعادة تشكيلها لصالحها، بأن مصر دخلت في مرحلة جديدة من الوعي القومي بقوتها الناعمة واستثمارها جيدا وتعي انعكاس ذلك على سياستها الخارجية.

في ملف الاتحاد الأفريقي
كذلك على مستوى السياسات الخارجية في ملف الاتحاد الأفريقي في العموم، سيصبح للأمن القومي المصري ومحفظته الناعمة قوة ثقافية نوعية ومتفوقة للغاية، مفادها أن الشعب المصري طرح تصورا لعبور مرحلة "دولة ما بعد الاستقرار"، يمكن الاستفادة منه إفريقيا دون المرور بمرحلة إراقة الدماء التي تعبرها أو عبرتها بعض دول القارة، يمكن لنموذج التغيير السلمي المصري أن يكون مركز قوة ونفوذ ثقافي وروحي كبير، يلهم الأفارقة في العبور السلمي للمستقبل بعيدا عن النزاعات المسلحة، من هنا ستتفهم مصر فكرة الاتحاد الأفريقي المركزية واستفادته من دروس الماضي، وستتقارب معه كثيرا في فلسفته لإدارة العديد من ملفات القارة.

في ملف طريق الحرير الجديد
في الملف الصيني الذي يرتكز على مشروع طريق الحرير وقواه الناعمة، ستملك مصر قوة ناعمة غير تقليدية بالمرة (بالمفهوم العسكري)، حيث أنها يمكن أن تمنح مشروع الطريق صبغة حضارية ملهمة تضاف للتدفقات النقدية التي تضخا الصين كمركز، يمكن لمصر/ الثورة أن تساهم في تشكيل الخطاب الحضاري لطريق الحرير الجديد، وتقف مع الصين بمفهوم تعدد المراكز وتنوع المحفظة الثقافية للطريق، في مواجهة المركزية الثقافية لأنماط التدافع السابقة مع النموذج الغربي الأمبريالي (في طبعته الروسية أو الأمريكية)، وتجاوز المسألة الأوربية في العموم.

في ملفات الشراكة المتوسطية والتنمية المستدامة واليونسكو
في ملف الشراكة المتوسطية والتنمية المستدامة مع الأمم المتحدة واتفاقيات اليونسكو، يمكن اعتبار الثورة دعوة للمزيد من البناء والعدالة بما يستوجب الدعم والمساندة، بمعني أنه يمكن صك مصطلح جديد باسم "دولة التحول" وأن مصر تمثله، من ثم في سعيها للمزيد من العدالة الاجتماعية وتخفيف ثمن التحول السياسي، ستتلقى معاملة تفضيلية للغاية في حزمة الملفات التنموية ذات الصلة، مثل الإسكان والتصنيع والزراعة والسياحة وغيرهم، شرط الشفافية والفعالية والوضوح في تقديم هذه المشاريع ودراسات الجدوى الخاصة بها، وضبطها وتكييفها وفق بروتوكولات تلك المنظمات واتفاقياتها التي وقعت عليها مصر.

في ملفات الدول الأبوية
روسيا/ انجلترا/ فرنسا
وعلى مستوى العلاقات الروسية والإنجليزية والفرنسية تحديدا، ستتجاوز مصر مفهوم العلاقات الأبوية مع الدول الثلاث، كونها تملك الأن قوة ناعمة جديدة لا تدين لواحدة منهم، روسيا الماركسية تعتقد أنها الأب الشرعي للثقافة المصرية/ العربية بهيمنتها الأيديولوجية التي تشبه الأمبريالية الثقافية أو الفكرية، وانجلترا التي تعتبر مصر مستعمرة بريطانية سابقة، وفرنسا التي تعتقد أن مصر اكتشافا فرنسيا مع حملة بونابرت، هنا جاء الدور على مصر لتقدم لهم ثقافة التغيير السلمي وثورات الميادين واستعادة مفهوم "الثورة القيمية" الإنسانية، بعيدا عن مركزية المسألة الأوربية، وقدرة مفهوم الثورة القيمية على ضبط الأبنية السلطوية (بمختلف مستوياتها وتعريفاتها) من خلال التدخل الشعبي عند اللزوم.

في ملف أمريكا
أمريكا/ ترامب تضغط على مصر لتمرير بنود صفقة القرن من خلال إدارة شبكة علاقات مع المعارضة الداخلية والأطراف الأقليمية (ملف المياه تحديدا)، مستغلة المقاربتين السابقتين تجاه الثورة المصرية، لكن حال اعتماد المقاربة الحالية يمكن اعتماد سياسة جديدة في مواجهة أمريكا، وهى سياسة النفس الطويل وسياسة حافة الهاوية، ستقوم على إطالة أمد المفاوضات (سد النهضة) وتسكينها تماما كي لا تتحول لأداة ضغط آنية، مع تكليف فرق عمل بتفعيل الملف على عدة مستويات أممية أخرى وتجهيز السيناريوهات لذلك. وعندما تصل لأمريكا الرسالة بان الملف لم يعد أداة ضغط أنية تجاه مصر، ستغير سياستها بالتبعية تبحث في وسائل اخرى لتمرير أهدافها والتعامل مع النموذج المصري بسياسته الخارجية الجديدة، التي تعتمد على اعتبار الثورة قيمة نوعية مضافة للأمن القومي المصري.


أثر مقاربة "الثورة كقوة ناعمة"
على السياسات الداخلية إجمالا
على مستوى السياسات الداخلية وعند اعتماد مقارية "الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي المصري"، وتجاوزا للمقاربتين السابقتين فوقيا (سياسيا) وتحتيا (التراتب الاجتماعي)، ستتحول فكرة الثورة لمفهوم ثقافي معرفي يسعى للبحث في بدائل جديدة ومبتكرة خارج الصندوق، لتجاوز السياق التاريخي المأزوم وقضاياه المفتعلة المفروضة على الشعب المصري فرضا من نخب اليممن واليسار!
بمعنى أن حاضنة الثورة كقوة ثقافية ناعمة ستهتم بوضع حلول للمشاكل عن طريق خطاب جديد يتمفصل حول لحظته التاريخية، ولن ترتد لسياق إدارة التناقضات وخلقها، مثلا في القضايا الفكرية والسياسية والتنموية والمستقبلية، سيتم طرح الملفات على الطاولة أمام باحثين متجردين من أثقال الصراع التاريخي وخلق التناقضات وإدارتها بين اليمن واليسار.
ستقف مقاربة "الثورة كقوة ناعمة" تضاف للأمن القومي المصري على "آنية الذات العربية" ولحظتها المفصلية، كحاضنة قادرة على إنتاج خطابها الخاص، وستعمل على بناء واحتضان نخبة جديدة تنتمي لمفهوم "الكتلة الجامعة" لمستودع الهوية المصري، بما يتطلب اعتبار الثقافة المصرية مركز نفوذ مستقل، دون تبعية أو استلاب في الجغرافيا للغرب ودعاة الأصولية العلمانية، ودون تبعية أو استلاب في الزمن لدعاة الأصولية الدينية والعودة لمفهوم امتلاك الوحي المقدس في بدايات الدعوة الإسلامية.
من هنا ستتحول المقاربة إلى حاضنة لحل المشاكل وطرح البدائل فيما يتعلق بالملفات الداخلية، على المستوى التنموي والاقتصادي والصناعي والزراعي والإداري في العموم، بما يضمنه من ملفات تتعلق بالتعليم وضبط التوظيف الوظيفي لمؤسسات الدولة، وعلى المستوى السياسي والفكري والثقافي ستتحول المقاربة لحاضنة فعالة ومتحركة، لإنتاج تصورات وبدائل وسيناريوهات لعبور المستقبل وفق الملفات الملحة التي يواجهها الأمن القومي المصري، متحللة من قيود خلق التناقضات وإدارتها ومن منظومة قيم "التكيف" التاريخية التي حكمت الشعب المصري، في سبيلها لتأكيد مفهوم "الثورة القيمية" والتمكين من "أسباب الحرية" والوصول لـ "المجتمع الفعال"، واعتماد الفرز الطبيعي للمجتمع المصري لتمكين أفضل عناصره، وعقلنة ومعيرة محددات "الدمج والتسكين" المركزية في يد الدولة.

خاتمة:
ستكون مقاربة "الثورة كإضافة ناعمة للأمن القومي المصري" بنية مرحلية بدورها لتحقيق الجسر بين مفاهيم "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري إرث القرن الماضي ومرحلة التحرر من الاستعمار الأجنبي في مصر والدول العربية، وبين تجاوز "دولة ما بعد الاستقلال" وتأسيس "دولة الثورة القيمية" والمؤسسات المنضبطة التي تتخلص مع مفاهيم ومنظومة قيم "التكيف" التي حكمت الشعب المصري بسبب ارتباطه بالنيل والزراعة وحتمية الخضوع لدولة مركزية تنظم وتواجه حالات النهر، أيا كانت منظومة القيم التي تطرحها بفرضية أو فلسفة "التكيف" معها.
الهدف من المقاربة هو بناء جسر سلمي بين نخبة "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري، وبين دعاة التغيير و"دولة الثورة القيمية" تمردا على قيم التكيف والقهر التاريخية الموروثة، ليتحقق العدل في بناء التراتب الاجتماعي المصري، ويتحقق التوحد الحقيقي مع مستودع هوية الذات المصرية بعيدا عن إزاحات اليمن واليسار وعدم تمفصلهم حول لحظة "الذات العربية الآنية".
الهدف من المقاربة الجديدة للثورة التي أطرحها على مستوى السياسات الخارجية والداخلية، هو إعلاء القيم الأساسية للجماعة المصرية واستعادتها، و التأكيد على أمنها القومي بوصف الثورة قيمة مضافة حقيقية لمحفظته التاريخية والآنية.
الهدف من المقاربة الجديدة للثورة هو قدرتها على التحول لحاضنة ثقافية تقدم حلولا للملفات الداخلية والخارجية المطروحة على الطاولة الآن، وقدرتها على تقديم خطاب جديد يتجاوز تناقضات الماضي وخلقها وإدارتها.
الهدف هو التحول لدولة المؤسسات وضبط المفاهيم الوظيفية لأبنية الدولة، والتوحد مع مستودع هويتها، واستعادة قيمها الأساسية، وتسكين التناقضات داخل المحيط العربي التفافا حول حلم التغيير، والالتفات لبدائل التدافع مع الآخر الدولي في المنطقة واحتمالاتها..
تلك مجرد الأفكار والخطوط الإجمالية للمقاربة، التي تحمل في طياتها الكثير من التفصيل خاصة في مجال استشراف البدائل، والحدود الدنيا والقصوى الممكنة لعلاقة مستودع الهوية العربي، مع الآخر الإقليمي (المتعدد)، و الآخر الدولي أيضا.