السّلطة تراجع أوراقها فقط: كلام الانهيار لا يعنيها

سعيد عيسى
2020 / 1 / 21

لا خوف لمن في السلطة اللبنانيّة أو لدى من يتولّى إدارتها من انهيار اقتصاديّ أو إفلاس، فالمعطيات المتوافرة لديهم هي غير تلك المتوافرة أو المتداولة لدى جمهور واسع من اللبنانيين، اقتصاديين غير منخرطين في السّلطة، وعلى غير قربٍ منها أو هواة اقتصاد، وناشطين سياسيين؛ وهي (السّلطة) مطمئنّة لما تعلمه، وتعرفه، على عكس معارضيها الذين لا يتوافر لهم سوى القليل المسرّب من المعطيات، الذي يحملونه إلى السياسة، لينادوا به على جمهور اللبنانيين أنّ الخطر مدركهم، وسيل الانهيار قادم لا محالة، طالت الأيام أم قَصُرَت.
على أنّ من يعارض السّلطة في السياسة محمولا على الاقتصاد، لا يعارضها على تنافرٍ في توجّهات اقتصاديّة إلى حدّ النقيض، إنّما من ذات الوجهة الاقتصاديّة – الفكريّة، أو من البنية هي ذاتها، ولكن برؤية إصلاحيّة تُكسِبه جمهورا هو في حاجة إليه، لرفع أسهمه في السياسة، ليكون لها ندّا ومشاركا، أو مزيلا لها قابعًا في مكانها، يدير دفّة الحكم بدلًا منها؛ باستثناء قلّة قليلة، تنادي بقلب الوضع الاقتصاديّ، من وجهة فكريّة – اقتصاديّة مغايرة، نقيضة، متأبّطة خطاب تاريخيّ، لم يستطع أن يقنع جمهورا دأبت على مناداته، ومخاطبته، لكنّه كان باستمرار يدير الظهر لها (للقلّة القليلة).
تعلم السّلطة برغم كلّ الكلام الذي يُقال، أنّ لديها، وتحت تصرّفها ما لا يقلّ عن ٦٠ مليار دولار، عبارة عن مجمل موجودات مصرف لبنان، والمصارف الخاصّة، والذهب، واليوروبوند، بالإضافة إلى تسليفات للقطاع الخاص لا تقلّ عن ٥٥ مليار دولار، وهذا ما يجعلها (السّلطة) غير مستعجلة الخضوع، للمنتفضين في الشارع، لا بل تسعى للبقاء حيث هي، دون تنازلات تذكر، تحاول إعادة رسم المشهد من جديد، لعلمها، أنّ من يعلو صراخه اليوم كان على ما هو عليه قبل الأزمة، ولديها الخبرة الكافية للتعامل معه، والوقت كفيل بذلك.
لدى السّلطة فيض من الأوراق بين يديها، تتحكّم بها، تستطيع اللّعب بها متى شاءت، تسعى للمعالجة بما يتماشى وأهوائها السياسيّة، لا تروم التنازل، وهي ليس في هذا الصّدد، هي تكبح جماح بعضها، ليبقى الجميع ضمن الحلقة المضبوطة، والطموحات المحسوبة بإتقان، ومن سيتحمّل وزر العلاج متى أخذت القرار، هم المنتفضين في الشّارع، والمدافعين عن السّلطة، المنبهرين بها، من الفئات الوسطى وما دون، فالسّلطة قادرة على تقريش (من قرش وقروش) ما بيدها من سطوة طائفيّة ومذهبيّة متى أرادت وشاءت، تعيد معه الوضع إلى حيز الضبط والإذعان ولنا من الشواهد على ذلك كثير، من الأقرب للبنان إلى الأبعد.