ظهور تيار الاستلاب العربي للصهيونية/ الآخر وتبريراته النظرية

حاتم الجوهرى
2020 / 1 / 21

الخطاب الذي يقدمه مراد وهبة حاليا يمكن النظر له نظرة صحيحة، فقط بوضعه إلى جوار خطاب يوسف زيدان وسعد الدين إبراهيم والدعوة التي تبناها البعض لزيارة القدس قبل عدة أشهر، في الإجمال هو خطاب يجري اختبار أثره على تمرير بنود صفقة القرن وتخفيف وقعها على الجماهير، في ظل تكاثر الملفات والضغوط على الإدارة السياسية المصرية في الفترة الراهنة، كما ان خطورة خطاب الاستلاب تكمن أيضا في سعيه لإعادة إنتاج وتجميع بعض فصائل وشتات اليسار والليبرالية المصرية تحت رايته من جهة، ومن جهة أخرى تكمن في تأثيره على قطاع عريض من الشباب المصري والعربي، لم ياخذ الجرعة الكافية من المعرفة والثقافة التي تتعلق بتاريخ الاستعمار الصهيوني لفلسطين.
ظهر هذا الخطاب في البداية مع يوسف زيدان؛ عندما أعلن ترامب عن ترشحه للرئاسة رسميًا في منتصف شهر يونيو 2015م، وتوالت خطاباته وتصريحاته التي أبانت عن توجهه العام تجاه منطقة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية فيما سماه "صفقة القرن"، وبالتواكب مع تكشف بعض التفاصيل شيئًا فشيئًا، رأى يوسف زيدان تطوعا أو استجابة لدعوة أو كليهما معا! أن الفرصة مواتية ليقدم خطابًا جديدًا في الإعلام العربي، ربما تحتاجه الأنظمة العربية إذا وجدت أنه وتحت ضغط الظروف لابد أنها سترضخ للهيمنة والمشروع الأمريكي الجديد، حيث طور في تلك المدة ومنذ نهاية عام 2015 ما يمكن تسميته ببشائر "خطاب الاستلاب" العربي للآخر الصهيوني/ الغربي أو تيار "الانسلاخ عن الذات" العربية والخروج من مستودع هويتها.
استطاع زيدان من خلال الصحف واللقاءات التليفزيونية وعلى موقع "يوتيوب" وباستغلال القاعدة الجماهيرية العريضة التي أسسها بين الشباب من خلال ذلك؛ أن يشكل رأيًّا معرفيًّا مضادًا للحق العربي ببعده السياسي والديني والقومي يبرر الهزيمة والاستسلام أمام الآخر الصهيوني، كما أنه جمع حوله (أو تلقفت الفكرة أو تم دعوتها لها) شخصيات مثل د.سعد الدين إبراهيم مؤسس مركز ابن خلدون في مصر والمعروف بصلاته القوية مع الأمريكيين، وظهر ما يشبه التنسيق غير المعلن بينهما فمثلًا إذا طرح زيدان فكرة ما تجد د.سعد الدين إبراهيم يمارس ترويجًا لها على المستوى السياسي، وبالإضافة للظهير الجماهيري الذي صنعه زيدان بين جمهوره القديم من الشباب، وجدت الفكرة الصدى في بعض البلدان الخليجية التي كانت تحت الضغط الأمريكي وتسعى لتخفيف ذلك الضغط بالإعلان عن قبول مقترحات الصفقة. والحقيقة أن زيدان لم يقدم مجرد دعوة للتطبيع الساذج والرخيص مثلما فعل البعض من قبل، وتم عزلهم لأنهم كانوا بلا منابر إعلامية وبلا منهج واضح في تقديم فكرة الانسلاخ عن الذات العربية والاستلاب للذات الصهيونية/ الغربية، وهو ما قام زيدان به بكل براعة وجرأة مستخدمًا خبراته الطويلة في الكتابة والتأليف والعمل الجماهيري والعام.
اعتمد زيدان على فكرة "الصدمة" دائما وتشكيك الناس في ثوابتهم ليمرر لهم فكرة قبول الاستسلام للآخر الصهيوني، ظهوره الأول القوي كان في نهاية عام 2015 تقريبًا وبعد عدة شهور فقط من إعلان ترامب ترشحه بخطابه العنصري وتوجهه تجاه الإسلام والفلسطينيين، قدم زيدان دخولًا مميزًا وصادمًا لطرح فكرته الجديدة عن الاستلاب وتفكيك الذات العربية تواكبًا مع مشروع ترامب وكأنه يقدم نفسه عرابًا للهزيمة، فكانت الصدمة الأولى التي أطلقها هي مركز الصفقة فلأن زيدان يعلم بقدسية البعد الديني للصراع المتمثل في مكانة البقعة المقدسة ورمزها "المسجد الأقصى" عند المسلمين، استغل مهاراته البحثية في التاريخ واختار رواية ما من التراث الإسلامي ليقول من خلالها أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم ليس هو الموجود في فلسطين، وإنما يوجد داخل شبه الجزيرة العربية وحاول أن يقدم العرب في صورة المعتدين على يهود الصهيونية في خطاب غلفه بشكل أدبي منمق وناعم بصفته يكتب الرواية الأدبية أيضًا، حيث قال في لقاء تليفزيوني تناقلته الصحف: إن "المسجد الموجود في مدينة القدس المحتلة ليس هو المسجد الأقصى ذو القدسية الدينية الذي ذُكر في القرآن الكريم والذي أسرى الرسول إليه"(1)، واستطاع أن يثير ضجة كبرى بين الناس والشباب بطرحه هذا، فهو قدم لهم مبررًا للاستسلام وقبول الهزيمة وهيمنة الآخر الغربي/ الصهيوني، لأنه وفق تصور زيدان العرب هم المعتدون على التاريخ والحق الديني لليهود، لأن المسجد الذي يتصف بالقداسة عندهم يوجد في شبه الجزيرة وليس في بيت المقدس ولا فلسطين، ورغم أن الكثيرين قاموا بالرد على زيدان إلا أن المنابر الإعلامية الواسعة المصورة والمكتوبة كانت مفتوحة له على مصارعها، فيما كان أقصى المتاح أمام معظم منتقديه هو كتابة مقال في موقع غير واسع الانتشار مثل زيدان أو عبر المنصات المصورة المفتوحة مثل "اليوتيوب".
بعد الصدمة الأولى استمر زيدان في منهج تفكيك الذات العربية خاصة فيما يتعلق بالقدس مركز صفقة القرن المزعومة، ففي شهر مايو 2017م وهو الشهر المقرر نقل السفارة فيه إلى القدس صدم زيدان المشاهدين للتليفزيون من خلال أحد البرامج، واصفًا صلاح الدين الأيوبي بأنه "واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ" مستخدمًا منهجه نفسه في استخدام الروايات التراثية المهجورة وتسليط الضوء على بعض التناقضات ونزعها من سياقها، فبينما تكون صورة صلاح الدين الأيوبي عند عموم العرب والمسلمين هي أنه محرر القدس والبقعة المقدسة من يد الاحتلال الصليبي، يأتي زيدان ليضرب في مخيلة الناس تلك الصورة ليمرر لهم عملية نقل السفارة التي على وشك أن تحدث، حقيقة كانت توقيتات زيدان في الخروج في وسائل الإعلام المرئية واسعة الانتشار محط انتباه.
في السياق نفسه مارس زيدان تفكيك الذات العربية على مستويات أخرى، ففيما يتعلق بمصر هاجم يوسف زيدان الزعيم والقائد العسكري المصري "أحمد عرابي" الذي قاد الثورة العرابية ضد الحكم الملكي، مستخدمًا منهجه التاريخي نفسه القائم على التشكيك في أحد الوقائع التاريخية الشهيرة للتشكيك في الصورة الكلية لشخصية عند الناس، فشكك في واقعة مواجهة عرابي للخديوى إسماعيل. وفي موقع آخر هاجم زيدان اللغة العربية بوصفها أحد مقومات هوية الذات العربية، واصفا إياها بأنها مكسور للغة الآرامية وأن اللغة العبرية (التي أحيتها الصهيونية) أقدم منها، في محاولة واضحة لتبرير الاستلاب للآخر وغسيل المخ الجمعي لتهيئة الناس لقبول الهزيمة والهيمنة الصهيونية/ الأمريكية.
في الأثناء ذاتها كان يخرج د. سعد الدين إبراهيم إما بخطوة سياسية أو بمقال أو بلقاء تليفزيوني ليقدم التطبيق العملي على أطروحات زيدان، فبينما في إحدى المرات كان يروج زيدان للتطبيع من مفهوم نظري ولغوي قام سعد الدين إبراهيم بزيارة إلى إسرائيل وتفاخر بذلك، وعندما أخذ الحديث عن صفقة القرن مأخذ الجد في النصف الثاني من عام 2019م دعي سعد الدين إبراهيم لقبول الصفقة علنًا في مقال بجريدة المصري اليوم بعنوان: "نصيحتى للأشقاء الفلسطينيين: خذوا.. وطالبوا!"(2) ، وفي العام نفسه كانت الضغوط الأمريكية على أشدها لتمرير الصفقة أيضًا من باب الخليج العربي والتطبيع، وفي واقعة شهيرة تعرض أحد السعوديين للطرد من القدس بعد زيارته لإسرائيل في النصف الثاني من عام 2019، ويبدو أن الفخ والضغوط أيضًا كانت واقعة على مصر من جهة أخرى، فخرجت بعض الأصوات ربما عن حسن نية تنادي بزيارة المقدسات الإسلامية في فلسطين وأن ذلك ليس تطبيعًا سياسيًّا، واجتهد بعض المصريين في السياق ليدعو لزيارة القدس محاولًا وصف ذلك بأنه فعلًا من أفعال المقاومة الشعبية(3) ، واجتهد البعض في السياق نفسه ولكن بتاريخ أقدم باسم الحج الديني لمدينة القدس وأن ذلك لن يكون تطبيعًا دينيًّا(4)! لكن تصدت لهم بعض الأقلام وجاءت واقعة الطرد التي تعرض لها الشخص السعودي من القدس لتحسم الأمر.
أما الموجة الحالية من تيار الاستلاب فيبدو على رأسها د.مراد وهبة، ناقلا المسألة للبعد الفلسغي النظري ولكن أيضا بخطاب إعلامي واضح ومباشر، وقد ظهرت تلك الموجة بوضوح منذ بداية نوفمبر 2019، لكن السؤال الذي سيطرح نفسه هل ستنجح آليات "صنع النمط" و"خلق التناقضات" وإدارتها، في تفكيك "مستودع الهوية" العربي، عبر تهميش "الفرز الطبيعي" أم ان الكتلة العربية الجامعة والمتوحدة بطبيعتها مع مستودع هويتها سيكون لها رأي آخر في حينه.





هوامش:


1 - جريدة الشروق، "يوسف زيدان: المسجد الموجود في فلسطين ليس هو «الأقصى»" بتاريخ 3 ديسمبر 2015 على الرابط:
https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=03122015&id=a806d36e-e5cc-49a9-91f0-484d52870285
2 - سعد الدين إبراهيم، "نصيحتى للأشقاء الفلسطينيين: خذوا.. وطالبوا"، جريدة المصري اليوم بتاريخ 6/7/2019 على الرابط:
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1410381
3 - إبراهيم البحراوي، نعم للمقاومة الشعبية السلمية بزيارة شعبنا العربى الأسير، جريدة المصري اليوم بتاريخ 19/7/2019 على الرابط:
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1413620
4 - طارق فهمي، زيارة القدس ليست تطبيعًا دينيًّا، بتاريخ 23/12/2017 في موقع العين الإخبارية على الرابط:
https://al-ain.com/article/visiting-jerusalem-not-normalization