ليس من طبع المرتزق ، البحث عن ذاته .

يوسف حمك
2020 / 1 / 19

بين كل فينةٍ و أخرى يطل علينا أحد المتملقين المتسلقين المتذللين الذين تعلموا ركوب الموجات و الصعود على الأكتاف ، يروج لذاته تباهياً بوطنيته بالقول : " رغم كل الشدائد باقون على أرض الوطن "

ليس كل من بقي على أرض الوطن هو وطنيٌّ ، و في سبيله يتفانى . مثلما ليس كل من هاجر هو وغدٌ وضيعٌ . فبين فئة الباقين و المهاجرين صالحٌ و فاسدٌ أيضاً .

ما استفزني إلا أحد الأبواق الموغلين في النفاق السياسيِّ و الغارقين في بحر الجشع و الطمع ، و الهادرين للثوابت القومية و الوطنية كلما تعارضت مع مصالحه الشخصية .
أذهلني ترويجه الاستهلاكيُّ المنفعيُّ لذاته المتدربة في مدارس العار و الخذلان !! .
يا لحسرتي على وطنٍ بات يرتكز على أرواحٍ حرباوية اللون ، سريعة التقلب في وقوفها مع القويِّ كلما تبدلت الأدوار ، و تغيرت الموجة .
و يا لتنهيدتي التي ضاق صدري بها ذرعاً ، و ذاقت رئتاي الويل من عمقها و اتساعها .
لم يدهشني جوهره المتخاذل بقدر ما آلمني ظاهره المخادع لمن يجهله .
انهماكه في مدح نفسه يضعه في مؤخرة أصحاب السلوك الراقي .
و تباهيه في الإفراط بوطنيته الكاذبة يخرجه من نطاق تصرف النزيهين العاشقين بروعة الحياة الأنيقة .
فالصادق العفيف يترفع عن مدح ذاته ، و ليس بحاجةٍ للتهليل و الزعيق .
أما من كان تاريخه مليئاً بالتخاذل و التبعية و العمالة ، و مهوساً بممارسة فنون ركوب الموجات السياسية ، فهو خبيرٌ بكل أنواع التصفيق و التمجيد ، يجيد الامتداح المبالغ و الإطراء و الإشادة الكاذبة ، و كل أصناف المراوغة و الالتفاف ، بغية إخفاء السواد و القبح عن وجهه ، و لكسب المزيد من المنافع و المصالح .
بعكس النزيه النقي الذي يعطي للوطن و لا يأخذ منه .
علماً أن العفيف يتم ترحيله خارج الأوطان غالباً ، أو استبعاده من كل مفاصل الدولة و مؤسساتها .

الوطن الحقيقيٌّ أسمى و أرفع من أن يحتضن من دنًّس نفسه بوسخ العمالة و الارتزاق ، أو من كان ربيباً لمنظومة الفسق و الفساد و الانتهازية . على النقيض من تربى على القيم الوطنية العالية و منظومة الأخلاق الرفيعة و الترفع عن الدنايا ، و ضحى بفرديته لصالح الوطن ، و تفانى في سبيل رفعته و رقيه .
ثم لو كان الوطن دفيء الحضن لما هاجره أحدٌ ، و لما اقتصر احتضانه على أمثالك .
و ما حاجة المواطن لوطنٍ أدار ظهره عليه ، و تنكر لكافة حقوقه ؟!
أيها الفاسد ذمتك ملوثةٌ بالعار و السواد ، و يداك ملطختان بوسخ العمالة و الارتزاق ، اقترفت بعضاً من المحظورات ما يشعر المرء بالخجل لمجرد التفكير بها !
تاريخك لك بالمرصاد ، و يهدد زعيقك ، و يكشف ما تحت قناعك .
لن تستطيع أن تواري قبيح أفعالك بهتافٍ خلبيٍّ أو شعارٍ قزمٍ . فذاكرتنا مازالت حيةً - بمقدورها تعريتك تماماً - لم نفقدها بعد .
أنت و أمثالك عبءٌ ثقيلٌ على كاهل الوطن .
و ولاؤك ما كان ، و لن يكون يوماً للوطن قط .